نيران الغيرة

18/05/2016 - 11:05:45

أحمد سعدة

فى «نص الليل».. تتهيأ القلوب للشكوى والبوح بما فيها، وترسل أوجاعها إلى السماء، بعد أن يئست من رحمة أهل الأرض.. «المصور» تحاول أن تشارك قراءها هذه الآلام وتلك الاعترافات وتقدم لها الحلول


في البداية كنت أحب غيرته التي تشعرني بثقتي في نفسي وأنه يحبني .. ولكن صارت هذه الغيرة هي سبب معاناتي ومأساتي معه.


إنني أعيش مع زوجي كالسجينة، مكبلة بالقيود ومحاصرة بقائمة طويلة من الأوامر والممنوعات .. ممنوع الجلوس في البلكونة أو أن أفتح بابا أو نافذة .. وممنوع الكلام مع الجيران، أو الخروج وحدي لأي مكان حتى لو كان للطبيبة أو مدرسة ابنتي، وممنوعة حتى من زيارة أهلي إلا معه.


زوجي طبيب بشري في بداية حياته العملية وأنا خريجة كلية تربية، وكلانا من سوهاج  .. ونعيش الآن في الغردقة بحكم عمله.


لا نخرج كثيرا، وإن تأهبنا للخروج فلا ألبس إلا الذي يحدده، وممنوع وضع برفان أو مكياج .. ولو وجدني أقف أمام المرآة يغضب ويتعصب ويلغي الخروج .. وإن خرجنا، يظل طول الوقت متحفزا ضدي ويراقب عيون كل الرجال حولنا، ثم يتشاجر معي لأتفه الأسباب.


دائما ما يفتش في تليفوني ورسائلي وشنطتي وثيابي، وحتى حساباتي على مواقع التواصل الاجتماعي .. لعله يجد أي دليل لإدانتي.


ولو اتصل مرة وتصادف أني أتكلم مع أمي، يتهمني أني أتكلم مع غيره، وإن كنت في المطبخ ولم أرد على هاتفه يتهمني أني أمتلك خطا آخر، ويبدأ معي تحقيقًا ينتهي بمشكلة.


وإن وجدني مستمتعة بمسلسل تركي، يتهمني بأني أتغزل في أبطال المسلسل .. ولم يعد لي صديقات بعد أن قطع علاقاتي بالجميع بمن فيهم أقاربي.


وكلما ذكرت له رغبتي في العمل، يتحول إلى شخص ثائر بلا سبب ويقذف في وجهي وابلا من الإهانات في شكل نصائح ونتخاصم لأيام.


إن زوجي شخص عنيد جدًا وديكتاتور في كل قراراته وآرائه، ويصر عليها ويتمادى فيها حتى لو كانت خطأ لمجرد أنه الرجل.


إن زوجي يتعمد بشكل غريب دائما إحراجي أمام أهله، بل ويتعمد إلغاء شخصيتي تماما محاولا إثبات أنه الأقوى، وأن كل الأمور تسير وفق رغبته وإرادته.


لقد سجنني بمنتهى الأنانية في قفص غيرته وخوفه وانتقاداته وصوته العالي وإهاناته، وعشت معه ممنوعة من الحياة، ورضخت وتحملت من أجل أن تسير الحياة. .. مع العلم أني أحرص دوما على ألا أستثير شكوكه أو غيرته.


وكلما التزمت الصمت أمام اتهاماته، يقابل ذلك بقسوة ويبحث عن أي سبب تافه  يثبت من خلاله تقصيري وإهمالي في بيتي.


لا شيء يرضيه أبدا، وكلما حاولت التناقش معه، وطلبت منه التخفيف من حدة غيرته، يتحجج بأنه يحبني، وأنه يخاف عليَّ من الآخرين ويحميني منهم.


وكثيرا أشعر برغبة في البكاء والصراخ، ولا أستطيع منع نفسي.


لقد أصبحت أكره حياتي معه، وأكره نفسي لكوني امرأة، وأكره حتى ذلك الوقت الذي يجمعني معه في السرير .. إن حياتي صارت بلا معنى أو هدف بعد أن جردني تمامًا من إنسانيتي وحولني إلى شيء في دولاب ممتلكاته.


ومضى على زواجنا خمس سنوات، لم أسمع خلالها كلمة إشادة أو إعجاب أو إطراء منه .. ولا شيء غير الغيرة السخيفة والاتهامات المملة والنكد .. ولكن مخزون الصبر قد نفد.


ولن أكذب عليك، فقد أصبحت في الفترة الأخيرة أسمع كلمات الإعجاب من غيره .. وأنشأت حسابات أخرى على مواقع التواصل، وأتكلم من خلالها مع شباب على برامج المحادثات بالصوت والصورة .. كل هذا أفعله انتقاما منه.


والأسوأ من ذلك أني أصبحت أفكر في خيانته لأنه رجل يستحق الخيانة.


الــــــــــــــرد


إنها مأساة بالفعل، لكن الخلاص منها لا يكون أبدا بالخيانة..


إن استعدادك للخيانة هو تخريب متعمد، وجريمة لن يبقى بعدها شيء، ولن تستطيعي بعدها أن ترفعي وجهك في عين زوجك .. وستضيف إلى مأساتك وجعًا جديدًا وشعورًا بالمهانة وقلة الكرامة، وابتذال النفس واحتقارها.


إن الغيرة التي تفرح بها البنات في البداية، سرعان ما تتحول بعد الزواج إلى شكوك واتهامات ونيران وجحيم.


وزوجك رجل مريض يعاني من فقدان الثقة بنفسه، ويحتاج فعليا لمن يقف بجانبه .. إنه يحاصرك بالغيرة ليسلبك حريتك كتعويض نفسي عن النقص الذي يشعر به، وخوفًا على سلطته الذكورية التي ورثها من آبائه وأجداده.


إن غيرته هي جواز مرور يستخدمه كتبرير لكل أنواع التعدي على حقوقك .. ولكن لو تعاملتي معه على أنه شخص يمر بأزمة، سيسهل عليك تفهم مشكلته.


إن زوجك ببساطة في حاجة لأن يثق بنفسه، ولأن تكوني أنت مصدر هذه الثقة بأن ترفعي دومًا من شأنه، وتُظهري حبك له وتمسكك به، وأن تحيطيه بحنانك وتحتويه كطفل صغير بين أحضانك.


إن زوجك في حاجة حقيقية لوقتك الذي يضيع في محادثات عبثية على مواقع التواصل مع ذئاب الإنترنت .. إن حياتك تستحق منك أن تجتهدي وتناضلي من أجل تغييرها، لأننا في الواقع لا نملك إلا حياة واحدة.


إن مواجهة زوجك بعيوبه مطلوبة، لكن من خلال حوار هادئ وإيجابي، ونية خالصة في الصبر عليه أملا في أن يتغير .. وأعتقد أن الحفاظ على بيتك أمر يستحق منك هذه المحاولة.


أما إذا أغلقت كل الأبواب أمامك، فلن يكون هناك سوى «الطلاق» كحلٍ أخير يحفظ لكل منكما كرامته.