معاملة غير المسلمين!

18/05/2016 - 11:00:52

  د.عباس شومان د.عباس شومان

بقلم - د.عباس شومان

يتحرج بعض المسلمين من التعامل مع غير المسلمين في الأمور الحياتية كالبيع والشراء وإيجار المساكن والإجارة على الأعمال كالبناء والنجارة والحدادة وغيرها بدعوى أنهم من غير المسلمين، وأن دفع الأموال لهم لا يجوز، أو أن أموالهم «غير طيبة»، فلا يجوز أخذها كثمن للسلع أو أجرة القيام بأعمال تخص المسلمين، وكأنه مطلوب من المسلم ليبرهن على قوة إسلامه تجنب غير المسلمين ومقاطعتهم بشكل كامل وقصر تعاملاته على أبناء دينه المسلمين حتى وإن كانت بضاعتهم أقل جودة وأغلى ثمنا من بضاعة غير المسلمين، وحتى لو كانت مهارة غير المسلم في إنجاز الأعمال أكثر جودة وأسرع إنجازا من جودة المسلم وإنجازه في ذات حرفته أو تجارته!


وهذا منطق يدل على جهل كبير بديننا الإسلامي الحنيف الذي لم يأمر في نص من نصوص الكتاب أو السنة بمقاطعة غير المسلمين الذين لا يناصبوننا العداء، بل على العكس من ذلك، فقد نفى كتاب الله عن المسلمين الحرج في علاقتهم بغير المسلمين، حيث يقول تعالى: «لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ»، فهذا النص وغيره ينفي الحرج في التعامل مع غير المسلمين ويبيح برهم والعدل فيهم ما داموا لا يقاتلوننا، وغير المسلمين من بني وطننا لا يقاتلوننا ولا يسعون لإخراجنا من ديارنا، فلسنا بمنهيين عن برهم، بل مطالبون به، فقد أوصانا رسولنا الكريم – صلى الله عليه وسلم - بأقباطنا شركاء الوطن فقال: «اللهَ اللهَ في قبط مصر، فإنكم ستظهرون عليهم ويكونون لكم عدة وأعوانا في سبيل الله»، وقال أيضا: «فاستوصوا بهم خيرا، فإنهم قوة لكم وبلاغ إلى عدوكم بإذن الله»، ولا يمكن أن يكون برهم - غير المنهي عنه - بمقاطعتهم والتحذير من معاملتهم.


وقد ضرب رسولنا الكريم – صلى الله عليه وسلم - المثل الأعلى في التعامل مع غير المسلمين سواء في مكة المكرمة أو المدينة المنورة، ومن ذلك أنه جعل عبد الله بن أريقط دليله في أخطر رحلة كان فشلها وكشفها يعني انتهاء دعوة الإسلام انتهاء مبرما، وهي رحلة الهجرة إلى المدينة المنورة فرارا بدين الإسلام ودعوته التي كادت تختنق بمكة، وقد كان عبد الله بن أريقط على اليهودية ولم يكن على الإسلام، ورغم ذلك اتخذه الرسول – صلى الله عليه وسلم – دليله إلى المدينة، حيث كان على دراية بدروب ومسالك لا يعرفها عامة قريش. ولم تمنع مسيحية السيدة مارية القبطية من قبول رسولنا لها ضمن هدايا المقوقس، ولم يأمرها رسولنا الكريم بتغيير اسمها بعد أن أصبحت أم ولده إبراهيم فظلت إلى يومنا تعرف بمارية القبطية. ومما لا يجهله طلاب العلم فضلا عن خاصتهم أن النبي – صلى الله عليه وسلم - تعامل بالبيع والشراء مع غير المسلمين، وأنه رهن درعه على طعام لأهله اشتراه آجلا من يهودي بالمدينة، وقيل إنه - صلى الله عليه وسلم - مات ودرعه ما زالت مرهونة حتى فكها الصحابة بعد وفاته. ومن صور تعامل النبي – صلى الله عليه وسلم - مع غير المسلمين مشاركته أهل خيبر بعد إجلائهم عنها وانتقال ملكية الأرض إلى المسلمين، حيث قَبِلَ بقاء الأرض في أيدي يهود خيبر ليزرعوها على نصف ما يخرج منها من ثمر أو زرع، وهو الأصل الذي استند عليه الفقهاء في جواز المزارعة، وهي شركة من الشركات التي جاءت بها شريعة الإسلام، حيث يدفع صاحب الأرض أرضه التي لا يحسن زراعتها أو لا يجد وقتا كافيا لمباشرتها إلى غيره الذي يحسن العمل بالزراعة ولا أرض له ليزرعها ويكون الخارج من الزرع بينهما حسب ما يتفقان عليه من نصيب لكل واحد منهما. ومثلها شركة أخرى تنشأ على البساتين والحدائق المنزرعة بالأشجار المثمرة، حيث يدفعها صاحبها إلى عامل ليتعهد الشجر بالرعاية والسقي حتى يخرج الثمر وينضج، فيقسم بينهما حسب الاتفاق وقت التعاقد، وهذه الشركة تسمى بالمساقاة لأن أكثر أعمالها هي سقي الشجر، حيث يتكرر كثيرا بخلاف بقية الأعمال كتقليم الشجر ونحوه من الأعمال المتعلقة به