طرابلس عاصمة لمن يفرض سطوته عليها

17/05/2016 - 9:32:48

ليبيا - عبدالعزيز الروَّاف

عاصمة ليبيا طرابلس والتي لم تتفرد بهذه الصفة إلا بعد انقلاب قادة الملازم أول معمر القذافي في أول ستمر 1969، أما قبل هذا التاريخ  فقد كانت تشاركها الصفة والمهمة مدينة بنغازي أكبر مدن اقليم برقة في شرق ليبيا، وذلك حسب مواد أول دستور ليبي ظهر في البلاد عام 1951.


حاليًّا تتنفذ فيها عدة فصائل مسلحة ما بين الجهوي " مليشيات مصراته " وما بين المتشدد التابع لتيارات المقاتلة والإخوان تحت مسميات عديدة، هذه الفصائل تجتمع على شيء واحد ضرورة أن يكون لكل منها السطوة والسيطرة على من يقود البلاد، فكل منها يسعى لأن يشكل حكومة عميقة داخل العاصمة.


تاريخيا تميزت طرابلس بأنها دائما مقر للحكام في ليبيا حتى قبل توحدها وظهورها كدولة واحدة ولها عاصمتين، ثم أعطيت طرابلس صفة العاصمة الوحيدة بعد انقلاب عام 1969.


تواجد حكام البلاد بها سواء المسلمين كما في عهد الدولة العثمانية أو القرمانلية، وايضا حتى قبل ذلك حين احتلها الأسبان، وكذلك فرسان القديس يوحنا، وأيضا الاستعمار الايطالي فيما بعد.


نشأت طرابلس في القرن السابع قبل الميلاد زمن الفينيقيين حيث كانت محطة تجارية وسوق لتصريف المواد الأولية من إفريقيا السوداء، والشمال الأفريقي وجنوب أوربا، واستمر دور هذه المدينة في مجال التبادل بين الشمال والجنوب، فامتد اتصالهم باتجاه الجنوب ليغطي مجموعة أقطار إفريقيا "بلاد السودان".


اكتسبت طرابلس اسمها من فترة حكم الإغريق الذين أسموها "تريبـولي" وتم اكتشاف العديد من القبور الفينيقية والبونيقية بالمدينة، كما اكتشف بها مصنع فينيقي لإنتاج الفخار.


كما أن الحضارة الفينيقية تركت بصمتها في بعض المعالم ما تزال موجودة وظاهرة ثم انتقلت إلى أعماق ليبيا. ويرى الباحثون أن اتجاهات أبواب قوس الامبراطور الروماني ماركوس أوريليوس، تمثل اتجاهات المدينة الفينيقية القديمة التي أقيمت عليها مدينة رومانية.


في العصر الروماني أقام الرومان بالمدينة، منشآت رومانية لم يتبق منها سوى قوس النصر في البلدة القديمة، والمعروف بقوس ماركوس أوريليوس نسبة لذلك الإمبراطور الروماني، وفي ذلك العهد أيضا منحت المدينة درجة المستعمرة، زمن تراجان أواخر القرن الأول م حتى عهد الإمبراطور انطونيوس بيوس في القرن الثاني م. لتصبح ضمن إقليم طرابلس.


مرت بالمدينة فترات حكم متنوعة منها حكم الوندال (القرن5 م) والبيزنطي (القرن 6 م) وخلال غزوات الوندال دمرت أسوار لبدة وصبراتة، وكان نتيجة ذلك نمو أويا وازدادت أهميتها بعد أن كانت الأقل أهمية في مدن طرابلس.


في زمن المملكة الليبية المتحدة، ونظرًا للنظام الاتحادي المتبع آنذاك، فإن طرابلس كانت تتناوب على القيام بدور العاصمة إلى جانب عاصمة اقليم برقة مدينة بنغازي.


بعد أن تم إنهاء العمل بالنظام الاتحادي عام 1963، بدأت الدولة الليبية التخطيط لاتخاذ مدينة البيضاء بالجبل الأخضر شرق البلاد كعاصمة لليبيا وأنشأ بها مقر البرلمان وعدة مرافق للدولة.


غير أن قيام انقلاب سبتمبر 1969 أنهى كل تلك الاستعدادات، وأصبحت مهام العاصمة متمركزة في طرابلس حيث مقر قيادات الدولة، والوزارات المختلفة، ومقار كل السفارات.


في زمن حكم القذافي كانت هناك عدة محاولات لجعل سرت عاصمةً للبلاد عبر تمركز اجتماعات الأمانات (الوزارات) فيها، إلا أن الأمر لم يتم، كما حاول النظام أيضاً نقل الأمانات " الوزارات " إلى مدينة هون، لكن غيرت الخطة مرة أخرى، واستقرت مهام العاصمة في طرابلس.


اليوم طرابلس عاصمة لبلاد تشظت فيها الإدارة إلى جانب تباعد العلاقات بينها وبين مختلف المدن الليبية، فعلى الورق الآن طرابلس هي العاصمة، وبالواقع فإنها لا تدير أي شيء، بل صارت فرصة للبعض لفرض سطوته على ليبيا، من خلال التحكم في مؤسسات الدولة المركزية بها، والاستفادة الشخصية والجهوية، أكثر من أي شيء أخر.


ظهرت في ليبيا أراء توجه التهمة لأهل العاصمة بأنهم لا يشاركون بقية الوطن في همومهم ومشاكلهم، وأن سكان العاصمة، لا يهمهم شيء بقدر ممارسة حياتهم العادية، مهما كان نوع الحكم أو من يسيطر على مدينتهم، بل يقول كثير من الناشطين، أن العاصمة الليبية تتبع من يفرض عليها سطوته.


يقول الكاتب الليبي أنيس فوزي حول هذه الاتهامات في مقال له عنونه بطرابلس عروس كئيبة، في اشارة لاسم يطلقه سكانها عليها وهو طرابلس عروس المتوسط.


في هذا المقال يشير الكاتب إلى أن حياة العواصم ليست ملكا لأهلها، وليست لديها خصوصية جامعة، فيقول عن ذلك " لكنها ومن حسن حظّها مدينة لم تتوقف لأكثر من ثلاثة آلاف سنة، وهي مثل أيّ عاصمة لا تملك قرارها، والتنوّع والتعدّد فيها يُشكّل عائقًا في اتفاقها على شخص واحد أو فكر واحد أو قضية واحدة، فالأمر لا علاقة له بقبائل ولا أعراق ولا أديان ولا عقائد وإنما بأنظمة ومؤسسات وأحزاب وأفكار، وهذا يجعلها عاجزةً على خلق توافق حتى لو كان مؤقتًا لحلّ أزمة مثل أزماتها اليوم، فمن السهولة أن ترضخ لأي حُكم بالقوّة، وتتعايش معهُ مادامت التجارة والعمل والبيت قائمة لا تُمسّ".


ويبدو كلامه السابق منطقي إلى حد كبير، غير أن مسألة الأنظمة والمؤسسات والأفكار والأحزاب ، لا توجد بمعناها الحقيقي في العاصمة الليبية، بل ما يوجد نظام مسلح لعدد من المليشيات، ومؤسسات يملكها المتنفذون، وأفكار أغلبها تعتمد الفكر المتطرف، واحزاب أغلبها لا عدد ولا قيمة لها على الواقع الحياتي المعاش في العاصمة.


ويصل الكاتب إلى نقطة مهمة تقترب مما يتهم به الليبيون أهل عاصمتهم حين ذكر في مقاله " لكن المشكلة تظلُّ في انعزال طرابلس عن هموم البلاد وقضاياها، بل انعزالها عن العامل الاجتماعي للمدينة، فقد قُتلَ كثيرون واختطف - من داخل طرابلس- أكثر من ناشط وحقوقي وكاتب وفنّان وسياسي يدعو للتنوير والإصلاح، وسط صمت سخيف ومحبط، بينما تخرج أعداد كبيرة في مظاهرة للزي الشعبي، والدراجات ومباراة كرة قدم. هذا يدلُّ عن انعزال وليس مقاومة، لأن المقاومة تأتي بالبشر والتظاهر، بأفكارها وتطلّعاتها، بخطابها وصوتها، بشعرها وفنّها، ولا تأتي بأعمال تُهدي الجهة التي تسيطر على طرابلس ذريعة ليقولوا للناس إن المدينة مستقرة معنا وآمنة في أيدينا، وإن هؤلاء كلّهم لم يخرجوا من أجل تمثال الغزالة، ولم يرموا القمح كل الصباح لحمام الميدان كما فعلت انتصار وغير انتصار ممن طواهم النسيان".


ويرى بعض النخب والناشطين في طرابلس بأن هناك فئة غير قليلة في طرابلس تعتقد بأن الوضع الحالي سينتهي بدخول حكومة الوفاق المدعومة من المجتمع الدولي، ويبنون اعتقادهم هذا على التصريحات الداعمة لهذه الحكومة سواء من الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوربي.


بينما يرى منتقدي الحالة "الطرابلسية" أن هذا الاعتقاد ما هو إلا سراب ستتضح حقيقته بمجرد أن تدخل الحكومة طرابلس، ويبدأ صراع المتحالفين من المسلحين على النفوذ، وكذلك على السيطرة على الوزرات والوزراء.


وربما هذا سيقود الغرب لمحاولة التدخل، وهنا ستعود تحالفات المسلحين بمختلف أيدولوجياتهم لمقاومة هذا التدخل، وستعقد تحالفات مع تنظيم داعش لكي يتصدون لهذا التدخل، ويعيد إلى الأذهان تحالف بعض ممن يسمون أنفسهم ثوارا، مع تنظيم داعش وأنصار الشريعة والقاعدة في بنغازي لمقاومة تقدم الجيش.


ويبقى سؤال طرحه أكثر من مثقف ومحلل وسياسي ليبي، هل ستظل طرابلس عاصمة لليبيين؟ بعد أن ظلت فترة غير قصيرة بعيدة عن التفاعل مع بقية الليبيين، وارتضى اهلها الصمت عن كثير من الأحداث والتجاذبات، حتى وإن كان هذا الصمت بحكم القبضة المليشياوية على عاصمة ظلت صفتها تتأرج على مدى التاريخ.