الموسيقى كانت بطلاً أساسياً فيه .. ايفا داود تكشف المستور فى فيلم «سارق النور»

16/05/2016 - 10:15:06

فيلم «سارق النور» فيلم «سارق النور»

كتبت - د. رانيا يحيى

تهتم جمعيات السينما العربية بإقامة مهرجانات سينمائية لإتاحة الفرص للتقارب والتعارف بين العاملين فى الحقل السينمائى بعضهم وبعض ، وأيضاً بينهم وبين السينمائيين فى الخارج مما يخلق حالة من التبادل الثقافى والمعرفى والفنى يساعد على تعاون مشترك وإيجاد رؤى إبداعية جديدة تسهم فى صناعة هذا الفن بشكل أو آخر ،وفى السنوات الأخيرة تحاول السينما العمانية أن تضع نفسها على الساحة السينمائية العربية وبقوة من خلال مهرجان مسقط السينمائى الدولى الذى تقيمه الجمعية العمانية للسينما برئاسة المخرج والفنان السينمائى العمانى الكبير الدكتور خالد الزدجالى ،وقد سنحت لى الظروف فى هذه الدورة التاسعة للمهرجان بالحضور وتلبية دعوة المهرجان ، وشرفت بمقابلة عدد كبير من السينمائيين العرب على وجه الخصوص ، والمهرجان ضم عدداً من المسابقات وعرض مجموعة من الأفلام ،كما سعدت بمشاركة كبار السينمائيين والنقاد فى لجنة تحكيم النصوص العمانية مما ساعدنى على التقارب مع أفكار الشباب العمانى ونزعاته الإبداعية تجاه الفن السابع ، وأكثر ما لفت نظرى فى المهرجان وفاء العمانيين للسينما المصرية وتكريم رموزها سواء فى حفلى الافتتاح أو الختام والتقدير الكبير لفنانى مصر فى أعين أبناء السلطنة وهو ما يشعرنا كثيراً كمصريين بالفخر والإعزاز.


سارق النور


ومن ضمن الأفلام التى عرضت فى المهرجان فيلم قصير بديع لصاحبته المخرجة البحرينية إيفا داود ، ورغم عدم حصول الفيلم على جائزة من المهرجان وهو ما أدهشنى فى حقيقة الأمر لجمال الفيلم وحصوله على عدد من الجوائز من مهرجانات أوربية نظراً لتميزه فى عناصره الفنية المتعددة ، ربما أرجع ذلك لما يحتويه الفيلم من فلسفة عالية تبتعد عن شكل السينما العربية ببساطتها وسطحيتها أحياناً وربما يكون لاعتماد المخرجة على فريق عمل أجنبى لكن فى الواقع ومحاولة لتقييم الفيلم فنياً بغض النظر عن التحليل المنطقى والأسباب المرجعية لذلك ،فهو بعناصره المختلفة يحوى قدراً كبيراً من القيمة الفكرية والفنية والتقنية المتميزة ، فالفيلم بداية من عنوانه "سارق النور" ينطوى على فلسفة تصل لأعلى درجات الرمزية بجانب الحبكة السينمائية وأداء الممثلين ببراعة وتعبيراتهم الجسدية التى جاءت تجسيداً حقيقياً للمشاعر الإنسانية المختزنة بداخلهم ،ويستشعر المتلقى أن اللقطات السينمائية وكأنها مشاهد حية وواقعية فى بعض الأحيان نظراً لصدق الأداء والتعايش مع الحدث الدرامى ،فضلاً عن الديكور المناسب لطبيعة الحالة السيكولوجية والدرامية على الشاشة ،أما الإضاءة فقد لعبت على إثارة إحساس المتلقى بأبعاد جمالية وحسية راقية جنباً إلى جنب واحد ومن أقوى العناصر المؤثرة على شخصية أى فيلم وهو الموسيقى التى تلعب على إثارة أحاسيس الجمهور المتلقى واستئثار جوانحه ،وفعلياً موسيقى هذا الفيلم تعتبر إحدى مقومات نجاحه الأساسية.. حيث اعتمد الفيلم على الموسيقى بدلاً من الحوار فى بعض الأحيان فقامت الموسيقى بدور البطولة جنباً إلى جنب مع الأبطال الذين عبروا بصرياً بأدائهم، وكانت الموسيقى تحقق الحالة الجمالية السمعية لاستكمال المشهد وبالتالى كانت هى البطل فى عدد من المشاهد الفيلمية، والموسيقى كتبت خصيصاً للفيلم وبرع فى كتابتها المؤلف الموسيقى الإسبانى خورخيه ماغاز ويبدأ التتر بمؤثرات صوتية تعكس حالة التوتر والألم التى ستجتاح تزامن دخول الأبطال معها من الخلفية بأداء خافت من الوتريات لتدخل التيمة الرئيسية للفيلم بالمزج بين الوتريات والبيانو ،وتتصاعد الجملة اللحنية تدريجياً ويطعم الأوركسترا ببعض آلات النفخ منها الفلوت حيث يظهر بأداء مربوط فى الأوكتاف المنخفض متماشياً مع الفيولينة والتى تتصاعد من حيث قوة الصوت أيضاً ،ومن ضمن التقنيات التى استخدمها المؤلف الفلاجوليت من الفيولينة قبل دخول صولو بيانو وهو النغمات الصفيرية ،يليها دخول الاوركسترا والبيانو فى الخلفية مع أصوات تشبه الهمهمة تدعم الحالة الدرامية ..والتيمة الرئيسية توحى بالغموض والقلق لاستخدام مسافات تشعر المتلقى بالقلق ،أما صوت الفلوت ببريقه يجعل المتلقى فى حالة من الهدوء النفسى النسبى ،ويعقبه دخول الآلات الوترية الأكثر غلظة مما يوحى بالتناقض بين المشاعر والأحاسيس ويزيد من القلق والتوتر ..والموسيقى تترجم ما بين لحظات مشاعر المحبين ،والمؤثرات الصوتية تتداخل مع الموسيقى منتجة إحساساً جمالا مميزاً ..وتعود التيمة الأساسية مع مزيد من التصاعد اللحنى والصوتى لتهيئ المتلقى بحدوث شئ ما فهى تلعب دور البطولة فى المشهد.


صراع الآلات


والتناقض ما بين صوت الفلوت وغلظة الآلات الوترية التشيللو والباص يخلق حالة من التدعيم الدرامى النفسى ،ويقوم المؤلف بالتنويع على التيمة اللحنية الأساسية مع إضافة مصاحبة من الفيولينة المنفردة فى طبقة حادة تتفاعل مع تكرار الموتيفة الأساسية ..كما يتصاعد الصوت الآلى وكذلك الكورال الذى يئن لما فى داخل النفس من آلام ويأس شديدين فكان الصوت البشرى هو الأكثر قدرة على تحقيق هذه الحالة التراجيدية من خلال أبسط العناصر المكونة للفيلم وأيسرها نفاذاً للوجدان ،وفى موضع آخر تتصدر نغمات البيانو المشهد السمعى ويتنامى معها الأداء الأوركسترالى ،ومع وجود سولين تظهر التيمة اللحنية الأساسية ويتخللها أربع نغمات متصاعدة وتتكرر مع نهاية المشهد ويختتمه الكورال ..كذلك الفلاجوليت من الفيولينة يجعلنا فى حالة ترقب لما سوف يأتى من أحداث وخاصة مع الصورة المربكة على الشاشة من سولين داخل بيت حبيبها وتتكرر الموتيفة فى تصاعد ويبرز صوت الفيولينة ،وتظهر تيمة لحنية جديدة أثناء بحث سولين فى منزل أدهم وتعتمد على الأداء المتقطع والإيقاعات الأكثر حيوية وتؤديها الوتريات الأكثر غلظة ثم بأداء مربوط ونغمات أكثر طولاً تدخل الفيولينة وكأنها الصراع النفسى الداخلى لسولين مترجم فى هذا التناقض ما بين الطبقة الصوتية للآلات وكذلك أسلوب الأداء ،ومع لحظة اكتشافها الباب المختبئ تدخل الموسيقى فى رفق ثم تتصاعد وأصوات الغناء البشرى فى همهمة صوتية تعبر عن حالة الضيق الداخلى فتدعم الحالة الدرامية ،وتتصاعد وتيرة الموسيقى بالموتيفة الأساسية أثناء اكتشاف سولين أنه سارق النور.


فيما يبدو صوت الفلوت برقته يداعب أحاسيس سولين ومع مشهد تساقط الأمطار تسقط سولين على الأرض والموسيقى حالمة عاطفية ويدخل صولو لآلة التشيللو بغموضه وشجنه فى مساحة صوتية ذات صوت أخنف يعبر عن الضيق والغموض والمشقة النفسية ،ثم أصوات الكورال والفيولينة بمرافقة الأوركسترا والمؤثرات الصوتية فى طبيعة الطقس المسيطر وتأكيداً على سرقة النور وما ألم بـ «أدهم» من ألم نتيجة أفعاله.. أيضاً نستمع لإيقاعات نشطة بحيوية من الوتريات أثناء نزول السلم تمهيداً لتصاعد اللحن ووصوله لقمته فى حالة الذروة ،وتتفاعل الموسيقى مع أصوات الكورال فى هارمونى بديع ونسيج لحنى رائع أبدع فيه المؤلف بالتعاون مع المخرجة.


المزج بين الثقافتين


والفيلم فى مجمله يمزج بين الثقافتين الشرقية والغربية المنعكسة فى وجود مخرجة عربية وفريق عمل إسبانى وإسبانيا تحديداً تقترب من الروح الشرقية نظراً لتقارب الثقافات والحضارات فى تاريخنا القديم ..ويستطيع الفيلم أن يجذب عقل وقلب المشاهد خلال تسع عشرة دقيقة من المتعة الحسية والسمعية والبصرية ،كما تثار التساؤلات والاستنتاجات مؤكدة على العلاقة بين الرجل والمرأة برمزية تتيح لكل شخص أن يستدعى ما بداخله من ذكريات لمشاعر الحب، كما تهيئ المتفرج أن ينطلق بخيالاته كيفما يشاء حيث جسدت المخرجة العلاقة الحميمة بمنتهى البراعة والرقى وصدق الإحساس الواقعى الذى أضفته على المشهد واستطاعت أيضا ان تجسد شعور المرأة المنكسرة التى سرق نورها وتكشف المخرجة عن البعد النفسى داخل الرجال فى تحقيق الشهوة والرغبة وحب اقتناء الفتاة بما يخالف طبيعة المرأة التى تعشق وتضحى من أجل من تحب ..فهى تصور الفارق الكبير بين مشاعر الجنسين ،وقامت بوضع تشبيه واضح حينما تتفاعل البطلة والموسيقى فى مشهد كسر القارورات التى سرق فيها النور معلنة عن ثورتها وغضبها ،وربما تكون القارورة تشبيه أو استخدام متعمد من المخرجة حيث شبه الرسول الكريم النساء بالقوارير وكأن أدهم البطل لا يحسن استخدام القوارير أو يستخدمها خطأ ،وارتكزت إيفا على بعض القصص الواقعية التى طرحتها برؤيتها الخاصة مستخدمة عمق الشخصية والفلسفة الكامنة داخلها للبحث فى ماهية الحب وخاصة إذا سرق مكنونه وجوهره.


ويؤكد هذا الفيلم أن مخرجته إيفا داود صاحبة فكر واع وتجربة إخراجية متميزة ،ورغم أنها ليست التجربة الأولى من نوعها ،فرغم قصر عمرها الفنى وإنتاجها السينمائى الذى لم يتجاوز ستة أفلام قصيرة وهى (السندريلا الجديد ،فى غيابات من أحب ،عفريت النبع ،لو كنت معى ،ربيع مر من هنا) إلا أنها حصدت العديد من الجوائز لأفلام أخرى نتيجة تفردها وارتكازها على عناصر مكونة غاية فى الرقى والرؤية المتجددة.