مخترع السينما الناطقة اسمه «شحاتة»

16/05/2016 - 10:07:23

عاطف بشاى عاطف بشاى

بقلم : عاطف بشاى

في كتاب «ذكريات سينمائية» للروائي الراحل "عبد الحميد جودة السحار" يحكى أنه كان منذ طفولته يعشق السينما ويشاهد الأفلام مع الأصدقاء في سينما «الكلوب المصرى» وهي عبارة عن بدروم له باب دكان .. وكانت السينما صامتة في كل بلاد العالم في ذلك الوقت لذلك كانت تكتب بعض الجمل على شريط الفيلم وتقطع تسلسله لتوضيح الموضوع أو لاستخدام حوار لابد منه .. وكان أغلب جمهور السينما من الذين لا يعرفون الكتابة والقراءة وكان "شحاتة" مدير السينما (والذي يرتدي جلباباً مخططاً) يقف بجوار الشاشة ويعلق على الأحداث الدائرة فيقول مثلاً:


بصوا.. أهو الشجيع ح يخرج من هنا .. خدوا بالكم من المقلب اللي ح يديه للحرامي.. البنت بتقول له باحبك .. وهو بيقول لها: وأنا باموت فيك..


وكان إذا تسلل أحد الأشرار وراء البطل وحاول ضربه .. كان رواد السينما ومنهم «جودة السحار» يهتفون في جزع محذرين البطل :


حاسب .. حاسب ..


وقد حدث أن التفت البطل مرة إلى الشرير المتسلل خلفه.. وخطف من يده المسدس.. فدوت في القاعة عاصفة من التصفيق.. والمفارقة الضاحكة .. إن التصفيق كان سببه ليس لأن البطل نجا من الشرير وقضى عليه .. بل لأن الرواد المصفقين تصوروا أنه استجاب لتحذيرهم!!


ثم نطقت السينما واختفى شحاتة.. وتحدثت المجلات الفنية مرحبة ترحيباً بالغاً بظهور السينما الناطقة .. وهلل المهتمون بهذا الفن مؤكدين أننا مقبلون على آفاق جديدة .. لكن "شارلي شابلن" هاجمها بعنف وشن عليها حملة شعواء مؤكداً أنها بداية انهيار موهبة التمثيل .. فالممثل البارع هو ذلك القادر على التعبير عن معاني وأفكار وملامح الشخصيات وحركة الأحداث من خلال الصورة وبراعة انفعالات وجهه .. وقام "شابلن" بإخراج أروع رواياته الصامته "البحث عن الذهب" .. وبينما أكد أن السينما الناطقة سوف تفشل .. وسوف نعود مرة ثانية إلى السينما الصامتة .. وقد قوبل هجوم "شابلن" بهجوم مضاد فقيل إنه ضد السينما الناطقة لأن صوته قبيح ولأنه يخشى أن يأفل نجمه..


المفارقة الأخرى - بعد مرور سنوات طويلة على استقرار دعائم السينما الناطقة - أن السينما المعاصرة وقد عادت في تأكيدها على أهمية التعبير بالصورة إلى تقليص الحوار في الأفلام السينمائية واستخدامه للضرورة القصوى .. وفي السينما المصرية على سبيل المثال أفلام مثل "زوجتي والكلب" "لسعيد مرزوق" والمومياء" "لشادي عبد السلام" الحوار فيها نادر .. والمدهش أنها لم تنجح جماهيرياً .. بل إن فيلماً مثل "باب الوداع" للمخرج الشاب "كريم حنفي" والذي لا يحتوي على جملة حوار واحدة.. سمعت وانا أشاهده صيحات الاستهجان والاستياء من المشاهدين وقد صرخ بعضهم :


فين الكلام ؟!


إمتى الممثلون هاينطقوا ؟!


همه خرس والا إيه ؟!