فى مهرجان المسرح العالمى بمعهد المسرح .. هل ينجح نجوم المستقبل فى الهروب من الظلمة؟!

16/05/2016 - 10:06:34

كتب - د. حسن عطية

عندما تختار نصا دراميا لتقدمه كمخرج مسرحي أو سينمائى ، فأنت يقينا اخترت ما يتلاءم مع أفكارك ، ويعبر عن مشاعرك ، وبالتالي فأنت واع باختيارك لهذا النص وطرق معالجته ، ومتحمل لهذه المسئولية بحرية كاملة ، ومدرك لما يحققه عملك من متعة جمالية وللرسائل التى ترسلها لجمهورك المتلقي .


من هنا يأتى اهتمامنا برصد الأفكار التى تقدمها كل شرائح المجتمع ومؤسساته الثقافية والإعلامية عبر العروض المسرحية ، وبصورة خاصة ما يقدمه شباب هذا الوطن مسرحيا ، وهو الأكثر تقديما وحضورا بفضاءات المسرح وصالات عروضه ، متوقفين اليوم عند العروض السبعة التى قدمها شباب المعهد العالى للفنون المسرحية فى مهرجانهم السنوى الخاص بـ (المسرح العالمي) ، والذى تأخر هذا العام لأكثر من شهر ، حيث يقام عادة فى أواخر مارس احتفالا مع العالم بيوم المسرح العالمى ، وتجاورا مع مهرجان (المسرح العربي) المقام فى أواخر ديسمبر من كل عام ، احتفاء بمؤسس المعهد الفنان "زكى طليمات" .


ويتيح المعهد لطلابه فى المهرجانين الفرصة كاملة لاختيار النصوص وتقديمها بفضاء مسرحه ، مما يجعلهم يتحملون المسئولية كاملة عن عروضهم ، وهى فرصة نادرة لن تتحقق لهم بصورة مثلي بعد تخرجهم فى المعهد ، ووصول البعض منهم للصفوف الأولى من النجومية ، حيث تتحكم معايير كثيرة فى حرية المخرج أو الممثل أو صائغ السينوجرافيا فى اختيار النص الدرامي المتحول لعرض مسرحي ، مما يضع بعض من هذه المسئولية على جهات أخرى غير المبدع ذاته .


روئ واحباطات


ومنذ البدء تكشف عناوين النصوص التى قدمها نجوم المستقبل على مسرحهم عن رؤاهم للحياة واحباطاتهم فيها ، فالجيل الجديد الذى يرى نفسه مثل هذه الكائنات الجميلة المحبوبة المسماة بـ (الدرافيل) يعانى من حياة محاصرة لفكره ووجدانه داخل (الظلمة) ، فتمتهن حريته وأحلامه حتى الموت فى (الدرس) الذى يتعلمه ، فيسعي للانفلات من واقعه الذى انهزمت فيه ثورة العدالة الاجتماعية على أيدى دعاة الفردية ، كما تجلي فى عرض (مارا / صاد) ، وعجز الآباء الفاسدين عن التفوه بـ (كلهم ابنائى) ، ومن ثم فـ (لا مخرج) له من هذا العجز الذى يراه ، والذى أوقفه مشلولا أمام (مشعلى الحرائق) الذين تسللوا لبيته فى غفلة منه وأضرموا فيه النار .


ليست الصيغة السابقة مجرد تلاعب بالألفاظ التى يجيد البعض اليوم التلاعب بها وإضرام مزيد من النار فى جسد الوطن ، ولا هى قراءة سطحية متوقفة عند عناوين العروض ، بل هى مدخل أو عتبة أولى لقراءة العروض التى قدمها شباب اليوم قراءة عميقة ، تقف فى البدء عند حقه فى التعبير عن ذاته ورؤاه ، وتساعدنا كجمهور على الحوار الجاد معه ، فالاكتفاء بالقول بأنه جيل محبط ، قرر بوعي حقيقي أو مزيف ألا يشارك بالعمل فى تنمية وطنه والارتفاع به من وهدته ، جالسا على مقاهى المدن التى تكاثرت بصورة فظيعة ، مرتاحا بالتنفيس عن نفسه بكلمات غاضبة وجارحة فيما بينه أو على صفحات التواصل الاجتماعي المفتوحة دون حدود أمامه ، الاكتفاء بقول هذا يزيد من حدة إحباط أجيالنا الشابة ، فيما بين العشرين والأربعين من عمرها ، ويدفعها لمزيد من الانطواء ورفض العمل العام ، والسعى حين تبدع للبكاء على الثورة المختطفة وجلد الذات العاجزة عن الفعل ، والوقوف فى نفس الوقت بالنقد عند حد رصد الواقع المعبر عنه دون المشاركة فى عمليات تحريكه وتفعيله .


الحرية أم العدالة


يأخذنا اختيار النصوص المقدمة فى المهرجان بداية إلى معرفة مصادرها العالمية ومدارسها المختلفة ، لنجد أنها كلها نصوص تنتمى لأواسط القرن الماضى ، ولتيارات مسرحية وأبنية درامية كلاسيكية فى مجملها ، ولكتاب يطرحون فلسفات وأفكارا تجاوزها الزمن ، كعبثية الرومانى الفرنسى "يوجين يونسكو" القاتلة للبشر لمجرد الملل وانعدام المعنى فى الحياة الإنسانية فى مسرحيته (الدرس) التى أخرجها "احمد ميرعى" مركزا على التلميذة الغبية التى تعانى من آلام بأسنانها فلا تستوعب الدرس فيقتلها الأستاذ ، بدلا من أن يأتى قتلها بصورة لا منطقية وغير مقبولة عقلا وفقا لرؤية مسرح العبث الذى يتعلق بها الكثير من شبابنا اليوم . والأمر كذلك مع وجودية الكاتب الفرنسي "جان بول سارتر" التى ترى ان الجحيم هو الآخر المدمر لرفيقه فى الحياة والموت فى نصه (لا مخرج) والمشهور بـ (جلسة سرية) من إخراج "وائل عبد الفتاح" الذى صاغ العلاقة بين الرجل والمرأتين شخصيات العرض على هيئة مثلث قائم الزوايا ، تنتقل فيه الحركة بين الشخصيات كلما تأزمت العلاقة بينهم ، حتى يكتشفوا فى النهاية أنهم موتى فى جحيم دائم لا مفر منه .


وعلى ذات الطريق يختار المخرج "بدر الأحمدى" توثيقية الكاتب الألمانى "بيتر فايس" التى أعادت تسجيل وقائع وأفكار الثورة الفرنسية فى لقاء متخيل بين أحد قادة الثورة وهو "جان بول مارا" الذى منحه الكاتب حق التعبير عن الثورة الاجتماعية الباطشة بحرية الأفراد فى التملك والتعبير ، مقابل الماركيز "دى صاد" المدافع بشراسة عن حرية الفرد التى كانت أحد أسس الثورة الفرنسية ذاتها ، وذلك فى مواجهة عدالة الحياة المجتمعية التى جاء بها الثوار البورجوازيون لتحقيق التوازن فى المجتمع مع الطبقة الارستقراطية المزعزع وجودها زمنذاك وذلك بهدف بحث الكاتب عن اتجاه ثالث يحقق العدل الاجتماعي والحرية الفردية دون اعتداء من طرف منهما على الآخر ، وأن حول المخرج هذه المواجهة بين اتجاهين ونظامين فكريين تصارعا بقوة خلال القرن العشرين ، إلى صراع أخلاقي بين الخير والشر ، يرتدى فيه الماركيز "دى صاد" وأعوانه الزى الأسود ، ومنهم الفتاة "كوردى" قاتلة "مارا" المرتدى الزى الأبيض ، تاركا أعوانه المرتدين مثله الأبيض يندبون حظهم على ضياع ثورتهم الاجتماعية.


كلهم مشعلو حرائق


ويختار المخرج "مصطفى سعيد" نص الامريكي "أرثر ميللر" (كلهم ابنائى) ، الذى أدان فيه الحلم البرجماتي الامريكي الذى يسجن فيه المثاليون ، بينما يبقى (العمليون) يشيدون لأبنائهم عالما من الثراء الزائف سرعان ما ينهار لضعف بنائه الأخلاقي ، والحال كذلك مع اختيار المخرج "حازم القاضى" نص (الدرافيل) للكاتب الإسبانى "خايمى سالوم" الذى يقدم عالما عائليا تتحطم العلاقة الداخلية بين أجياله ، ويثور الابن على الأب الخاضع لميراث الأجداد وأفكارهم ، وغير القادر على تغيير أسس عالمه الموروث ، فيجد ثورة الأبناء قد اندلعت لتزيحه عن موضعه ، وتدير عالمها الجديد كما تراه مناسبا لها ، غير أن المشكلة هنا فى الإحالة إلى الواقع ، أن ثورة الأبناء أو الابن المتمرد جاءت من داخل نفس البيت ولصالح الأسرة ذاتها ، ولم تأت من خارج بيت الأسرة ورفضا لنهجها العائلى ، رغم محاولات المخرج فى إعداده للنص فى الإشارة بصورة واضحة لثورة يناير المصرية فجاءت الإشارة مباشرة وغير مؤسسة داخل النص الدرامي .


لا يجد "محمد سالم" نصا غير (مشعلى الحرائق) للكاتب الألمانى "ماكس فريش" كى يقدم من خلاله السيد "بيدرمان" رجل الأعمال والمصانع الثرى، والذى يتسلل إلى منزله رجال لا يعرف حقيقتهم ، حتى يكشفوا له عن هدفهم وهو حرق منزله مثل بقية المنازل التى أحرقوها من قبل ، دونما إيديولوجية محددة يعبرون بها عن فعلهم هذا ، وهو ما لم ينتبه إليه المخرج وترك الأمر لبطله ليدخل معهم فى مساومات متصلة يتنازل فيها عن كل قيم أخلاقية كان يدعى أنه يتحلى بها . بالمقابل ينقلنا المخرج "محمد عبد المولى" من صالة العرض التقليدية إلى فضاء المسرح لنعايش حياة شابين يعملان داخل فنار شبه مظلم على إحدى الجزر ، ويعانيان داخله الشعور بالعزلة عن العالم والانتظار اللامجدى لمنقذ لهما من حالهما هذا ، والتى تتحول لجحيم أشبه بجحيم سارتر ، يجلد كلا منهما الآخر ، ويعجزان فى نفس الوقت عن نقل شعورهما بهذه العزلة القاتلة للجمهور المشاهد نظرا لحضوره فى حميمية معهما داخل جدران الفنار المشغول من الستائر الشفافة وضوء الفنار كاشف دوما للجمهور الحاضر، مما قلل كثيرا من جحيمية حياة هذين الشابين التى أراد المخرج إيصالها لجمهوره.


جوائز وشهادات


شكل اختيار النصوص كلاسيكية البناء والفكر مشكلة امام مخرجي هذه العروض وجيلهم الذى يمثلونه ، لتعارضها مع ما يودون أن يعبروا عنه داخل واقعهم الملتهب ، فاضطروا لاستخدام مشرط الجراح بيد معد يحذف ويضيف ما يريدون أن يقولوه لجمهورهم فى لحظته الراهنة ، سواء من خلال المخرجين أنفسهم أو باستخدام دراماتورجيين آخرين ، حاذفين من أوراقهم الإعلانية (البامفلت) أسماء مترجمى هذه النصوص ، وكأن لا وجود لهم ولا ملكية فكريهم لهم .


هو مهرجان متميز يحسب للمعهد اقامته وعميده د. أشرف زكى، ولاتحاد طلابه وأمينه "محمد فرج" تحمل مسئولية تنظيمه ، ولكل المشاركين فيه من طلاب وعاملين فى إخراجه بهذه الصورة الراقية ، فهم جميعا نجوم الغد القادم ، المكلفين بحمل أحلامهم النقية المتخلصة من إحباطات اليوم لمستقبلهم المشرق ، ولذا كان لزاما ان تذهب شهادات التقدير والجوائز التى وصلت إليه لجنة التحكيم المكونة من د. نبيل حسن وكيلة المعهد ود. نبيل الحلوجى ود. أمانى يوسف وبرئاسة كاتب هذه السطور ، وتم توزيعها فى حفل متميز مساء الثلاثاء الماضى ، أن تذهب لبعض منهم ، أجتهد وتميز ، كى يثبت أن الفوز حليف المجتهدين والمثابرين على العمل ، تقدمهم حملة شهادات التقدير مصمم التعبير الحركى "محيي الدين يحيي" ، ومصمم ديكور عرض (كلهم ابنائى) "أحمد السيد مورو" ، ومؤلف موسيقى عرض (الظلمة) "أحمد عمدة" ، ومخرج عرض (مارا صاد) وبطله والمشارك فى عرض (الظلمة) "بدر الأحمدى" ، وحصل عرض (كلهم ابنائى) على شهادة لجنة التحكيم الخاصة ، وذهبت جائزة أفضل ديكور مناصفة لكل من "مصطفي شيب" عن عرض (مارا صاد) و"شادى المطيلى" عن (لا مخرج) ، وأفضل ملابس لـ "أميرة صابر" (الدرافيل) ، وأفضل إضاءة لـ"خالد كمال" عن (لا مخرج) ، وأفضل ممثل دور ثان لـ "محمد يوسف" عن دورى "مورجان" (الظلمة) و"جورج" (كلهم ابنائى ، وأفضل ممثلة دور ثان لـ"رضوى شريف" عن دور كوردى (مارا صاد) ، وأفضل ممثل دور أول لـ "محمد هانى" عن دور فرناندو (الدرافيل) ، وأفضل ممثلة لـ "أمنية العربي" عن دور إينيز (لا مخرج) ، وفاز "وائل عبد الفتاح" بجائزة أفضل إخراج عن عرض (لا مخرج) ، الذى فاز بالطبع بجائزة أفضل عرض .