« أم الدنيا » رغم أنف « عامر »

16/05/2016 - 10:00:27

سحر الجعارة سحر الجعارة

كتب - سحر الجعارة

كثير من الفتاوى السلفية يمكن التعامل معها باعتبارها تعكس حالة "خلل فكرى"، أو مرضاً نفسىاً ، لكن هذا لا يؤثر من تأثيرها الصادم على المجتمع ومحاولة اختراق نسيجه الثقافى لبث الأفكار المتطرفة فيه ، الأمر الذى ينجح أحيانا.


وحين يتملك "هوس الشهرة" من يطلقون على أنفسهم لقب "دعاة"، ويتربعون على عرش الجمعيات الخيرية التى ترفع شعارات إسلامية، وينتفعون بأموالها .. تجد هؤلاء إذا ما ظهر أحدهم على شاشة الفضائيات يتعمد التأثير فى البسطاء ومغازلة مشاعرهم الدينية .. وهى الخطوة الأولى فى عملية تكفير المجتمع التى تقود غالبا الى العمليات الإرهابية.


وكأنها حرب سلفية على المجتمع الذى ثار على الفاشية الدينية، الهدف منها استعادة "سلطة" ما يسمى رجال الدين على الشارع، خاصة بعد الفشل الذريع لحزب "النور" فى الانتخابات البرلمانية.


"محمود عامر" رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية، بدمنهور سابقا لا ينفصل عن هذا الإطار ، لكنه الأكثر فجاجة من رفاقه، ويتعامل بنفس الأدوات السخيفة فى الحوار : (مهاجمة المذيع وكأنه وصى على الدين ، وتلجيم من أمامه من ضيوف باجتزاء آيات من القرآن الكريم وأحاديث نبوية ضعيفة، والشوشرة على المتحدثين والتشكيك فى تدينهم الذى يصل الى حد تكفير الآخر)!!.


هكذا ظهر "عامر" فى برنامج "العاشرة مساء"، مع الإعلامى "وائل الإبراشى" ، عقب فتواه بضرورة نقل معهد الموسيقى الى مبنى آخر ، وتحويل مبنى المعهد بشارع رمسيس إلى شئ آخر علمي أو ديني .. والسبب فى ذلك أن المبنى صمم بطابع إسلامى و تعلوه قبة عليها علامة "الهلال"!.


ولأن "عامر" اختلط عليه الأمر ذات مرة، ودخل المعهد ظنا منه أنه "مسجد" قرر هدمه أو نقله .. لأن الموسيقى حرام!!.


فإذا بادرته بأن الأنصار استقبلوا الرسول عليه الصلاة والسلام فى "المدينة المنورة" بالدف والأغانى .. تملص منك وأسكتك بغوغائية كما فعل بالحلقة.


لم يكتف "عامر" بمحاكمة "المبنى" بل انتقل يحارب الأغنية نفسها ، فأغنية "يا أغلى اسم فى الوجود" حرام.. وانفعل على "الموجى الصغير" نجل الملحن الراحل "محمد الموجى" ،عندما قال : "مصر أم الدنيا و أغلى اسم في الوجود" ، فرد "عامر" قائلا: (أم الدنيا هي مكة وليس مصر أم الدنيا عندك انت مش عندي أنا ، مصر مش أم الدنيا يا حبيبي).


وعلق الإبراشي على كلامه قائلا: (يعني الرئيس السيسي لما بيقول مصر أم الدنيا و هتبقي قد الدنيا غلط)؟.. فرد عليه "عامر : ( لا غلط الرئيس غلط هو علي راسي انما كلامه غلط).


الخطأ الحقيقى هو فى وجود هذه الكائنات الظلامية، وتركها تنشر أفكارها الوهابية _ الظلامية فى المجتمع ، وتقوم بغسل أدمغة الشباب تمهيدا لتجنيدهم فى صفوف الإرهاب.


المثير للتعجب والسخرية معا، أن "عامر" اتهم النجمة "حنان شوقى" بأنها تروج أفكار "ابن تيمية" حين أجرت معه مداخلة هاتفية تدافع فيها عن القيمة الأثرية لمبنى معهد الموسيقى ، وتؤكد على التدين الفطرى للشعب المصرى الذى اتسم طول الوقت بالوسطية والسماحة وحب آل البيت.


لقد انتقل "عامر" الى ساحة محاربة الفن بعدما أفلس على الساحة السياسية، وتبددت كل فتاواه من أى منطق أو مصداقية .. فهو الرجل الذى أفتى بوجوب توريث الحكم، وإهدار دم الدكتور "محمد البرادعي" بدعوى أنه يثير الفتن ويحرض المسلمين على عصيان نظام "مبارك" .. ووصف "مبارك" بأنه "سلطان" مستندا الى الحديث الشريف "فى غير موضعه" : (أن السلطان ظل الله فى الأرض، فمن أكرمه أكرمه الله ومن أهانه أهانه الله).


وحين قرر "عامر" أن يخوض الانتخابات الرئاسية أثناء المجلس العسكرى للمشير "حسين طنطاوى" ، بدّل بوصلة "النفاق" وقال: (إن "طنطاوى" هو أمير المؤمنين فى مصر حاليا، بصفته الحاكم العسكرى للبلاد)!!.


فهل هذا رجل يؤتمن على منبر (سواء فى مسجد أو قناة فضائية أو موقع الكترونى )؟ .. هل هذا رجل يحق له إهانة الشعب المصرى بأكمله ،(لأنه يغنى يا أغلى اسم فى الوجود )، ويزدرى دماء الشهداء حين يطالب بعدم محاكمة "مبارك" .. ثم يبقى طليقا لا تناله يد العدالة؟!.


من حق "محمود عامر" أن يعبرعن رأيه ومعتقداته بحرية ، لكن أن ينصب نفسه وصيا على الدين ومدافعا عنه ليرتدى عباءة القدسية فهذا أمر كريه وغريب.


المأساة أن أمثال "عامر" يتحدثون ، ثم يخرج علينا شاب مهووس صدقه ويقرر أن يغير المنكر بيديه فيهدم جزءا من مبنى معهد الموسيقى ، أو يقتل طلبته .. تماما كما فعل أحد الشباب من مجاذيب السلفية وطعن "نجيب محفوظ" بطعنة فى الرقبة كادت تودى بحياته بسبب فتوى مثل فتواه، وأيضا "فرج فودة" الذى قتل غدراً بسبب فتوى أخرى كريهة.


إنهم يقتلون الفكر والأدب .. يغتالون عقولنا بدم بارد .. والدولة لا تحمى الأدباء والفنانين والمفكرين من فتاواهم الملعونة !.


لكننى دائما أردد : سيتذكر التاريخ "محفوظ" و"فودة" ولن يتذكر اسم القاتل المهووس الذى تجرأ على أرواحهما.


وسيسطر التاريخ أن مصر هى "هوليود الشرق" ، وأنها رائدة الفن والفكر والإعلام .. ولن يتذكر هلافيت الفتاوى الشاذة.


وستبقى مصر "أغلى اسم فى الوجود" و "أم الدنيا" رغم أنف الأقزام.