د.طارق فهمى: «أنا ما بخافش» تعنى أن السيسى «واثق الخطى»

11/05/2016 - 1:15:00

  د. طارق فهمى أثناء حواره مع الزميلة شيرين صبحى عدسة: مصطفى سمك د. طارق فهمى أثناء حواره مع الزميلة شيرين صبحى عدسة: مصطفى سمك

حوار: شيرين صبحى

يرى د.طارق فهمى، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية، أن الخلفية العسكرية للسيسى لازالت تحكمه وستظل تحكمه بعض الوقت، لكنها لا تعنى على الإطلاق تحوله إلى الديكتاتورية، وأن حديثه بأنه رجل «لا يخاف» تعنى أنه يثق من خطواته ولن يخاف مما جرى ويجرى.


فهمى يرى أيضا أن بعض العبارات، التى يستخدمها السيسى مثل «اسمعواكلامي أنا بس، صدقوني أنا بس» لابد أن يعاد النظر فيها، مشيرا إلى أن هناك أجهزة تعتقد أنها أعلى كعبا من الرئيس. وأن تدويرالنخبة وإعادتها لن تجدي، ولابد من خلق نخبة جديدة.


قلت لدكتور طارق: نبدأ من الخطاب الأخير للرئيس السيسى وحديثه بأنه شخص لا يخاف.. ما تحليلك لهذا الخطاب؟


نحن فى مرحلة جديدة يسنها السيسى قبل أن يصل إلى عامين من ولايته، هناك مشهد مرتبك جزء منه مرتبط بغياب القوى السياسية، وهذا يسبب نوعا من الفراغ السياسى، نتيجة أن القوى ضعيفة وهشة، بعضها تم تمثيله فى مجلس النواب، وبعضها يمارس السياسة من خارج المجلس، وبالتالى الرئيس السيسى يحاول أن يتبنى مشروعا طموحا غير مكتوب، يتحدث عن شرعية الإنجاز، بأن يعمل مشروعا ويحدد إطاره الزمنى مثل مشروع قناة السويس والمشروعات المتتالية، فأرسى مبدأ شرعية الإنجاز.


فى المقابل الدولة ومؤسساتها غير مدركة لطبيعة المرحلة، حكومة محلب وشريف إسماعيل، الرئيس أعطاهما الثقة وقاما بوضع رؤية نظرية وعناوين براقة، لكن الحكومة والأجهزة الإدارية والسياسية غير موجودة، لذلك يتدخل الرئيس من خلال أمرين، المؤتمرات واللقاءات، فيتحدث فى أمور عديدة من أجل أن يوجه قطاعات الدولة الأخرى للتنفيذ، مثلا هو تحدث فى أكثر من مرة عن تجديد الخطاب الدينى، لكن الأزهر لم يحرك ساكنا، لهذا لم ينتبه أحد عندما قال لشيخ الأزهر فى أحد الخطابات «سأحاجيك أمام الله». مثل آخر عندما يقول إننا نريد عمل ظهير سياسي، فهل السيسى سيذهب لتشكيل حزب؟!


عندما يقول السيسى إنه تسلم أشلاء دولة ويحتاج إلى عمل دولة، أو أن الرئيس عبد الناصر كان سعيد الحظ بإعلامه، يفترض أن تترجم هذه التصريحات إلى رؤى يشارك فى صياغتها السياسيين والقوى الحزبية، لكن ليس هناك رؤية، الرئيس بح صوته فى كثير من المشروعات لكنها لم تنفذ، مثلا يوجه بعمل مفوضية ومنتدى للشباب، أو أن الأحزاب الكثيرة ليس لها طائل، ويفترض أن تقوم كل مجموعة أحزاب تمثل فكرا واحدا بتكوين حزب كبير.. إلخ، فبدأ الهجوم على الرئيس بأنه يريد أن يفرض مفهوم الدولة الأبوية بمعنى أنه يوجه الجميع، لكن الحقيقة أنه يوجه بسبب وجود حالة فراغ سياسى رهيبة.


من المسئول عن هذا؟


فى تقديرى المسئول عنها القوى السياسية نفسها.. قبل أن يأتى السيسى لحكم البلاد كانت القوى السياسية يفترض بها أن تقوم بعمل حراك سياسى، لكنه لم يحدث، بل تم استدعاء النخب الماضية من عصر مبارك وعادت لتربك المشهد السياسى المرتبك أصلا، وظهورهم سبب حالة من الإحباط لدى قطاع كبير جدا من المصريين.


الرسالة الأخيرة للسيسى أعتقد أن لها اتجاهات عديدة، رسائل بين السطور وفوقها وتحتها إن صح التعبير، هناك جزء منها للقوى السياسية عندما يقول: «أنا ما بخافش»، تم تفسيرها بأكثر من معنى. فى تقديرى أنه يقول «أنا واثق من خطواتي، ولن أخاف مما يجرى وجرى»، وأصّل هذا بعبارة قد يكون موفق فيها أو غير موفق «أنا مشيت الإخوان» اليوم هناك تيار خبيث يتردد فى الشارع السياسى أنه ليس كافيا أن تطيح بالإخوان لكنك لا تستطيع أن تحكم.. وهذا يعود لأنه لا يوجد ظهير حقيقى يقف مع الرئيس، وهناك نوع من التصميم غير المبرر للرئيس السيسى بعدم إيجاد هذا الظهير! لابد أن تكون هناك قوى سياسية تحشد للرئيس.


خلال الشهر المقبل سيدخل الرئيس النصف الثانى من فترة ولايته، فمن سيرشحه، ومن سيجعل ملايين المصريين يتحركون مرة أخرى لانتخابه؟ لابد أن تكون هناك أحزاب داعمة له، ليس داخل مجلس الشعب فقط.


هل تقصد أن هناك ضرورة لتأسيس الرئيس السيسى لحزب؟


فى مصر بالفعل حزب كبير اسمه «حزب السيسى»، لكنه غير معلن، هناك ملايين المصريين يحبونه ويثقون به، بالطبع ليس كالسابق، لكن الشعبية لا تتآكل، هى تقل فى قطاعات معينة لأن الناس تريد أن تشعر بإنجاز، وهو يحدثهم عن الإنجاز، ويخبرهم أنه سيقدم كشف حساب فى شهر يونيه، هذا جيد لكن الناس لن تنتظر حتى شهر يونيو، الناس تقول لا تتدخل فى كل مشكلة وتصبح «one man show» أنت الوحيد الذى تبدو فى المشهد.


الدستور يقول إن هناك صلاحيات لرئيس مجلس الشعب وصلاحيات لرئيس الحكومة، أعطى هذه الصلاحيات لأصحابها حتى تكون شريكا فى المسئولية.


أزمة مثل، التى حدثت فى نقابتكم «الصحفيين»، نتيجة لعدم وجود رؤية وغياب صوت العقل، فتحولت إلى أزمة سياسية، وبعض أعضاء المجلس معروف أنهم ينتمون إلى الاشتراكيين الثوريين «عيال قاعدة فى الشارع»، بالتالى عندما أقول فى النقابة «يسقط حكم العسكر» والأمن يأتى بالبلطجية، أصبحنا فى مشهد عبثى لا يصح أن يحدث.. وعندما أركب الموجة السياسية، والدولة تستطيع أن تمارس دور المنع والمنح لردع الصحفيين، لأنها النقابة الوحيدة التى تأخذ أموالا.


هنا يتبدى غياب مفهوم دولة القانون عند الجميع، الأمن يعتقد- وهذا غير صحيح- أن السيسى عندما هاجم الإعلام أعطى شفرة للتنكيل بالإعلاميين والصحفيين.


ظهور صحفى مثل مكرم محمد أحمد- رغم أنه تلون- لكنه يستطيع أن يتعامل مع الدولة بميراثها الأمني، وليس مجرد شباب يهتفون أمام النقابة، دون أن يملكوا الخبرة فى التعامل مع أجهزة أمنية عتيقة فى ممارسات الإجرام.


اليوم نحن نبحث عن مخرج وإنجاز يجعل الدولة ومؤسساتها حاضرة فى حياة المصريين، بمعنى أنه ليس منطقيا أن يكون مجلس النواب مجرد مزار سياحى، الناس تشاهده فقط، ولا تشعر بالزهو عندما تمر جواره بوصفه المكان الذى يشرع القوانين، وهذا بسبب أن المجلس لا يقوم بواجبه، فلا يصح أن يأخذ إجازات طويلة، أو أن يتوقف عندما يسافر رئيسه «هذا ليس كشكا!»، القضية هى ضرورة وجود إرادة سياسية.ليست المشكلة أن نبنى مؤسسات بل لابد أن نعترف بقيمتها.


هل ترى أن المصريين يخشون على الدولة؟


المصريون يخشون من تراكم الأزمات، الذى أعطاهم شعورا أن الثورة لم تُخطف فى السياق العام من الإخوان فقط، لكنها خُطفت من رجال عصر مبارك، ففى كل ثورات الدنيا عندما يسقط نظام يسقط معه رموزه ولا يتم استدعاؤه مرة أخرى.


السيسى يريد أن يقدم إنجازات تخلد فترة حكمه، انتهى شعور المصريين فى عمومهم بأن طرد الإخوان من الحكم هى الشرعية، بل إن الشرعية التى يعطيها الرئيس الآن هى الانجاز الحقيقي، لكن الدولة لا تساعد الرئيس.


هناك حالة فراغ سياسى وأزمات متتالية يعانى منها المواطن. الحكومة لا تعرف كيف تتخذ القرار، القضية ليست تغيير وزراء، لابد أن يكون هناك سياسة عامة للعمل، ليست لها علاقة بالأشخاص.. بعد التعديل الوزارى اختزلنا كل المشاكل الاقتصادية فى أزمة الدولار، لكن لا توجد سياسة نقدية كاملة تتواكب وتتغير لملاءمة الظروف.


العودة لفكرة «الدولة الأبوية»، التى تتولى حياة الناس، لابد أن يكون هناك جدول أعمال للوطن، ويصبح لدينا فقه أولويات.. نحن الآن نتحدث عن زراعة مليون ونصف فدان، بينما نعانى من أزمة مياه! لا تقل أننا سنستخدم الرى بالتنقيط أو سوف نحفر آبار، هذا جيد لكن المشكلة الرئيسية هى عدم الإعلان عن مثل هذه الأمور التى لا يعلمها أحد.. لابدمن تعريف الفلاح أن الدورة الزراعية التى يزرع على أساسها سوف تتغير بأكملها، لأن الكارثة قادمة مع شهر ديسمبر عندما يبدأ سد النهضة فى العمل.


وما دور الإعلام الرسمى أو الصحف القومية فى هذا المشهد المركب؟


الرئيس السيسى لابد أن يعطى دور للإعلام الرسمي، ويدعم الصحف القومية ويظهر فى القنوات المصرية وليست الفضائية. القضية ليست أن آتى بمجموعة شباب للترويج وهم قليلو الخبرة وهناك اتهام لهم بأنهم شباب الأجهزة.. فى تقديرى أن وزير الداخلية أساء للرئيس السيسى فى أزمة نقابة الصحفيين، وغدا ستظهر أزمات فى نقابات مختلفة.. ليس الهدف هو إسكات صوت المجتمع المدني، لأن هذه هى القوى التى يمكن أن يرتكن عليها النظام عند الضرورة لأن الصحفيين ليسوا مجرمين ولا بلطجية ولا مرتزقة، بل يقودون الرأى العام.. البلد تحتاج إعادة ترتيب الأولويات.


المجتمع فى أغلبه يريد الاستقرار، سوف تستمر ظاهرة الإخوان إلى بعد عهد السيسي، نحن نخشى العطلة، هناك صراع على الدولة المصرية، لا يصح مثلا أن وزير خارجية يقول إن مصر دولة ليست رائدة ولا تسعى للريادة! لأننا نعرف تاريخ مصر، ونفهم عندما يقول السيسى إنه تسلم أشلاء دولة أنه يقارن بين قبل استلام الحكم وبعده، عندما تسلمها قال إنها «قد الدنيا» إذن هذا لا يعنى أنها ليست دولة ريادة.. كثيرا ما دخلت فى صراعات مع بعض السعوديين لأنى قلت إن مصر أمة وسط قبائل وعشائر، هذه ليست شوفينية، من قرأ تاريخ مصر يعرف هذا جيدا.. الرئيس جمال عبد الناصر عندما قال «أنا من علمتكم الحرية والكرامة والعزة» خرج العقاد وقال: «من هذا العسكرى القادم على دبابة ومدرعة ليعلم المصريين العزة والكرامة، ألم يكن يعلم هذا العسكرى أن مصر أبدعت الحضارة والكرامة قبل آلاف السنين». معنى هذا أن مصر دولة كبيرة من يحكمها لابد أن يكون واعيا وقرأ جيدا تاريخ مصر.


الناس دائما تتساءل من هم مستشارو الرئيس، أنا أقوم بالتدريس فى أكاديمية ناصر، وهناك أربعة ممن درّسوا للرئيس السيسى يقولون عنه أنه كان مميزا جدا منذ كان ضابطا صغيرا، وأنه شخصية منضبطة جدا.. بالفعل للأمانة هو مستهدف من الخارج لأنه أحبط مشروع الشرق الأوسط الكبير، الأمريكان وغيرهم ينظرون إليه بوصفه أوقف هذا المشروع, عنما كنت فى الولايات المتحدة سألتنى مادلين أولبرايت ما هى ظاهرة السيسي؟ نريد أن نراه ونجلس معه.. لا أحد منكم يعلم لماذا يحب السيسى عندما يتحدث أن يتكلم باللغة العربية، رغم أنه يتحدث الإنجليزية بطلاقة، هو لديه رؤية وكل من يجلس معه ينبهر بشخصيته.


أنت شخصيا.. مم تخاف على مصر؟


نحن نخاف على مصر من شيئين، تغول رأس المال، أن يحكمها رأسمال موجه، يوجه صحفيين وإعلاميين لسياسات معينة، فهناك رأسمال خليجى عربى ونخشى أن مزاج الأمة تشكله هذه الدول. يهدفون إلى إلغاء البرامج السياسية كلها ويتركون فقط البرامج التافهة، ويبدأ رجال الأعمال فى ملاعبة الرئيس السيسي. أى رجل أعمال لديه قناة فضائية سوف يوظفها عند الضرورة.



آخر الأخبار