كيف نتحول من «شبه الدولة» إلى «دولة قوية حديثة» ؟!

11/05/2016 - 1:05:31

بقلم - عبدالقادر شهيب

لا أجد مبرراً للذين أساءوا فهم ما قاله الرئيس عبدالفتاح السيسى حول أننا نعيش فى شبه دولة وليست دولة حقيقية كاملة، ألم نقل كثيراً وكررنا القول بأننا نسعى لإعادة بناء دولتنا الوطنية لتصبح دولة عصرية حديثة مدنية وديمقراطية، وألا يعنى ذلك أنها لم تصبح بعد دولة حديثة بالكامل أو عصرية تماماً أو مدنية وديمقراطية خالصة؟! ..


أى أننا فى مرحلة بناء الدولة التى ننشدها ونطمح فيها.. وألم نقل ونردد كثيراً أيضاً أننا فى بداية مشوار طويل للتحول الديمقراطى، على اعتبار أن استكمال تشكيل كل مؤسسات الدولة بالانتخاب لابد أن يتلوه خطوات أخرى فى طريق التحول الديمقراطى.. فلماذا يغضب أو ينزعج البعض من قول رئيس الجمهورية أننا نعيش فى شبه دولة وليست دولة كاملة.. أيضا ألم نقل ونردد كثيرا أن اقتصادنا يحتاج لجهد كبير وضخم وعمل متواصل من أجل إعادة بنائه ليصير اقتصادا قويا وقادرا على توفير احتياجاتنا الأساسية، وحتى يعفينا من انتظار مساعدة من هنا وعون من هناك.. فلماذا إذن يستنكر البعض منا قول الرئيس السيسى إننا نعيش فى شبه دولة؟.


نعم أيها السادة.. نحن لم نستكمل بعد بناء دولتنا التى ننشدها ومقوماتها كدولة قوية عصرية حديثة مدنية وديمقراطية.. صحيح لقد قطعنا شوطا مهما فى عملية إنقاذها من الانهيار وحمايتها من التقويض، حتى لا تلقى ذات المصير البائس الذى عانت منه ومازالت شعوب عربية شقيقة.. وصحيح أننا أجهضنا مؤامرة عاتية استهدفت تقويض كيان دولتنا الوطنية وتغيير الهوية الوطنية لهذه الدولة وفرض حكم فاشى مستبد علينا يتدثر بأردية دينية .. لكن الصحيح أيضا أننا مازلنا فى بداية الطريق لتأسيس دولتنا العصرية الحديثة المدنية الديمقراطية.


تأسيس هذه الدولة يقتضى أولا أن تكون صاحبة اقتصاد قوى وقادر على تلبية الاحتياجات الأساسية لكل فئات الشعب وطبقات المجتمع، سواء من سلع وخدمات.. سلع غذائية وغير غذائية.. وخدمات صحيحة وتعليمية وسكنية.


وهذا يقتضى إصلاح الخلل الأساسى الذى يعانى منه اقتصادنا، والمتمثل فى أننا ننفق أكثر مما ننتج ونستورد أكثر مما نصدر.. وعلاج هذا الخلل لن يكون إلا بالعمل والإنتاج من أجل زيادة معدل النمو الاقتصادى ليتجاوز من ٧ إلى ٨ ٪ وعلى مدار عدة سنوات متصلة وممتدة وليست لسنة واحدة أو سنتين، وذلك مقابل معدل نمو لا يتجاوز ٪٤ حتى الآن.. وزيادة معدل النمو الاقتصادى يقتضى بالطبع زيادة الاستثمارات سواء الوطنية أو الأجنبية .. فهذه الاستثمارات لن تزيد فقط حجم إنتاجنا الذى سوف يخفض حجم استيرادنا ويزيد حجم صادراتنا وإنما سوف يوفر فرص عمل للعاطلين الذين تبلغ نسبتهم - طبقا للاحصاءات الرسمية لجهاز التعبئة والإحصاء ٪١٢.٨ من أعداد قوة العمل أو القادرين على العمل، كما سوف تسهم فى السيطرة على معدل التضخم الذى يلتهم الدخول الحقيقية لأصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة، ويؤدى بالتالى إلى انخفاض مستمر لا يتوقف فى مستوى معيشتهم.


وطبقا لبرنامج الحكومة فإن الوصول لتحقيق هذا الهدف يحتاج لوقت ليس بالقصير وجهد ليس بالقليل، خاصة فى ظل معوقات عديدة تتمثل فى بيروقراطية عتيقة مازالت موجودة ولم نتخلص منها محاولات بذلت فى هذا الصدد لتهذيبها أو القفز فوقها، ورغم تعديل قانون الاستثمار وفى ظل تحديات عديدة تتمثل أهمها فى تحريض سياسى من قبل أمريكا وبعض الدول الحليفة لها على عدم تدفق استثمارات أجنبية مناسبة علينا، مثلما يحدث أيضاً فى ملف السياحة الأجنبية، حيث يستخدم هذا الملف أيضاً فى ممارسة الضغوط الاقتصادية علينا بحرماننا من عائد هذه السياحة، خاصة من النقد الأجنبى، وهو الأمر الذى أدى مع انخفاض تحويلات المصريين العاملين بالخارج، خاصة فى دول الخليج، فى انخفاض مواردنا من النقد الأجنبى، الأمر الذى أدى إلى شح العملات الأجنبية خاصة الدولار، وبالتالى انخفاض قيمة الجنيه، وهو الانخفاض الذى ترجمه التجار مباشرة فى زيادات جديدة ومستمرة فى الأسعار.


أيضاً تأسيس هذه الدول العصرية الحديثة المدنية الديمقراطية يقتضى ثانيا: أن نهزم جماعات الإرهاب التى تشن حرباً علينا ليس فى سيناء فقط، إنما حتى فى خارجها، وحادث استشهاد عدد جديد من رجال الشرطة فى حلوان جاء ليذكرنا بهذه الحقيقة التى للأسف ينساها البعض منا.. فإن استمرار الإرهاب لا يعوق فقط تحقيق الاستقرار السياسى والأمنى، وبالتالى يعوق جهودنا فى التنمية الاقتصادية، دائماً أيضاً يعطل عملية التحول الاقتصادى، حينما يضطرنا لإعلاء اعتبارات الأمن على اعتبارات حقوق الإنسان أحياناً.


الدول القوية يجب أن تحظى باستقرار أمنى وسياسى، وذلك لا يتحقق فى ظل عمليات إرهاب شبه يومية مازلنا نتعرض لها حتى الآن تتمخض عن سقوط مزيد من الضحايا شهداء ومصابين، وتؤثر بالسلب على جهودنا سواء فى جذب السائحين الأجانب أو المستثمرين الأجانب.. أنا لا أقول إن الدولة - أى دولة - محصنة الآن ضد أى عمل إرهابى قد يحدث فيها.. وقدر أيضاً ذلك بوضوح فى دول كانت تتباهى بقوتها وداهمتها أعمال إرهابية، على غرار ما حدث فى فرنسا وبلجيكا مؤخراً.. ولكنى أقول إنه فى ظل عمليات إرهابية شبه يومية لا نستطيع القول بأننا تمكنا من توفير القوة اللازمة والضرورية لدولتنا.. إذن فإن أحد مقومات الدولة هنا غير متوفر بالكامل، وإن كان ذلك لا ينتقص من كل الجهود القتالية التى قامت بها قواتنا المسلحة ومعها قوات الشرطة فى مواجهة أعمال العنف والإرهاب التى تعرضت لها البلاد بكثافة فى أعقاب ٣٠ يونيه والإطاحة بحكم الإخوان، عندما كان يتم زرع الشحنات المتفجرة فى الشوارع والميادين ووسائل النقل العام وعربات السكك الحديدية، وبالقرب من أبراج محولات الكهرباء، وعندما كان يتم تخريب وتدمير العديد من المنشآت والمبانى والممتلكات العامة والخاصة.


والقضاء على الإرهاب لتوفير أحد المقومات الأساسية للدولة العصرية الحديثة يحتاج أن نحاصر كل أفكار وقيم التطرف الموجودة فى المجتمع، وفى مقدمتها بالطبع التطرف الدينى.. وهذا لم ننجزه حتى الآن، فمازال التطرف منتشراً وهو الذى يصنع لنا يومياً مزيداً من الإرهابيين المستعدين لممارسة العنف والقيام بأعمال القتل والتدمير والتخريب.


بل إن مواجهة التطرف الدينى تمضى بخطى بطيئة متثاقلة نحن مازلنا نفتقد المواجهة الشاملة للتطرف الدينى سواء من قبل المؤسسات الدينية أو من قبل المؤسسات الثقافية، أو من قبل المؤسسات التعليمية.. وهذا يفقدنا بالتالى أحد مقومات الدولة العصرية الحديثة والسمة الأساسية لها أنها مدنية وديمقراطية، كذلك تأسيس هذه الدولة الحديثة يقتضى ثالثاً سيادة القيم الإيجابية.. قيم المواطنة والمساواة والعيش المشترك، وهنا يتعين أن ننجز الكثير من المهام مثل الاتفاق على دور حيوى ونشط ومستقل لمنظمات المجتمع المدنى فى ظل قانون يحمى المجتمع المدنى المصرى من أن تكون بعض منظماته أداة سياسية لتدخل دول أجنبية فى الشئون الداخلية للبلاد من خلال التمويل السرى، وفى ظل إقرار منا جميعاً أنه لا توجد دولة حديثة ديمقراطية بدون مجتمع مدنى قوى نشط وفعال، خاصة أن تاريخنا عريق فى هذا الصدد.. فنحن أول دولة فى منطقتنا نشأت فيها جمعيات أهلية، والعمل الأهلى إنجازاته واضحة فى مجالات عديدة ربما كان درة التاج فيها هى جامعة القاهرة.


ومن ناحية أخرى يقتضى سيادة القيم الإيجابية فى المجتمع أن نصدر العديد من القوانين الجديدة التى ألزمنا بها دستورنا ابتداء من قانون بناء دور العبادة وحتى قانون منع التمييز، وأن نعيد صياغة مناهجنا التعليمية، حتى لا تروج للتعصب والتطرف وعدم المساواة والتمييز الطائفى والدينى والطبقى فى المجتمع، وإعادة صياغة سياساتنا الاجتماعية لتحقق المساواة والعدل الاجتماعى.


إذن.. مازال الطريق طويلاً أمامنا رغم الخطوات التى خطوناها لإعادة بناء دولتنا العصرية الحديثة القوية والمدنية والديمقراطية.. وحتى يتحقق ذلك لا نستطيع القول بأننا نحظى بهذه الدولة فعلا.. فلماذا إساءة فهم ما قاله الرئيس السيسى حول أننا لدينا شبه دولة؟