فى أزمة نقابة الصحفيين... الغلط فين؟

11/05/2016 - 12:57:26

بقلم : محمد الحنفى

بادئ ذي بدء لابد أن نسلم بوقوع خطأ فادح من قبل وزارة الداخلية باقتحام أو حتى بدخول «بيت الصحفيين» دون اتباع الإجراءات التي تنص عليها المادة ٧٠ من قانون نقابة الصحفيين «لا يجوز تفتيش النقابة إلا بإذن من النيابة العامة وإخطار نقابة الصحفيين وحضور عضو النيابة ونقيب الصحفيين أو من ينوب عنه من مجلس النقابة «، فلا يعنيني في الأمر عدد من دخلوا أو اقتحموا النقابة من ضباط الشرطة سواء كانوا ألفاً أو فردا واحداً، وهل كانوا غلاظا شدادا أم لطافاً ظرافاً مهذبين، المهم أنهم لم يلتزموا أدبياً على الأقل بأعراف وقوانين النقابات المهنية عامة، والصحفيين خاصة .


فإذا سلمنا بهذا الأمر- وعلينا أن نسلم- وقبل أن ينصب فريق منا المشانق للنقيب المحترم المنتخب يحيى قلاش على موقفه الذي يراه هذا الفريق «أوفر «، علينا أن نتوجه بسؤالنا إلى وزير الداخلية .. لماذا لم يبادر بالاتصال بنقيب الصحفيين وهو صديقه وبلدياته وتربطه به علاقة جيدة بحسب قول يحيى قلاش نفسه ويقدم للجماعة الصحفية اعتذاراً عما حدث من ضباطه ويوضح له الأمر، أم أن ثقافة الاعتذار أصبحت غائبة عنا ؟ وأتصور أن هذا الاعتذار كان كفيلاً بإخماد الشرارة قبل أن يشتعل الحريق ! لماذا أصر الوزير على أنه ووزارته وضباطه لم يرتكبوا خطأ حين دخلوا أو اقتحموا النقابة؟، ولماذا التزم رئيسه المهندس شريف إسماعيل الصمت ولم يتدخل ؟ وكأنما هناك اتفاق - كما يتصور البعض - لكسر شوكة الصحفيين أو تقليم أظافرهم ! وطالما أن هذا أو ذاك لم يعتذر فلا عجب أن تشتعل نار الغضب وتندلع ثورة الصحفيين ضد الداخلية مطالبة بإقالة وزيرها .. وأذكر أن هذا المطلب جاء من بعض الأصوات الصحفية الكبيرة والقوية لحظة إذاعة خبر اقتحام أو دخول النقابة والقبض على الزميلين عمرو بدر ومحمود السقا ليلة الأحد الأول من مايو وتحديداً من الزميل ياسر رزق في مداخلته مع الإعلامية لميس الحديدي, وأذكر أن ياسر قال ما معناه بأن الداخلية ممثلة في وزيرها ورطت السيد الرئيس في هذا الموقف، وأن الرئاسة لم تكن على علم بما حدث، وأنهى مداخلته بوجوب إقالة الوزير، ثم للأسف تبدلت المواقف «كالعادة» وأصبحت ثورة أعضاء النقابة ونقيبهم ومجلسهم خطأ كبيرا ما كان يجب أن يحدث، وبدأنا نرى من يصيدون في الماء العكر ونشاهد انقساما أو دعوة للانقسام من جانب بعض زملاء المهنة بكل أسف، فبدوا «داخليين» أكثر من الداخلية نفسها، وكما حدث تماما في معالجة موضوع «تيران وصنافير» هل هما مصريتان أو سعوديتان، وظهور انقسام في الرأي بين من يرى أنهما مصريتان وبين من يرى أنهما سعوديتان، انشق الصف الصحفي بين من رأي أن الداخلية كانت على حق، وأن مبنى النقابة ليس الكعبة المشرفة أو قدس الأقداس، في مواجهة الرأي الآخر، ثم تطورت الأمور إلى أبعد من ذلك وبدأنا نرى من انتهز الفرصة ودخل في معركة تصفية حسابات مع النقيب والمجلس، مدعيا بأنهم فقدوا شرعيتهم وأن النقابة اختطفت، بل دعا بعض الأعضاء من المجلس إلى تقديم استقالاتهم حتى يربك المشهد الصحفي وهذا أمر مرفوض تماما، لنجد أنفسنا وقد أُخذنا لمنحى مختلف وابتعدنا عن بيت القصيد ! ربما غالى الصحفيون عندما طالبوا الرئيس السيسي بالاعتذار عن خطأ ارتكبه وزير الداخلية، لكني أتصور أن هذا المطلب جاء من باب العشم والحب لشخص الرئيس أو نوعا من الغيرة عندما بادر سيادته بالاعتذار للمحامين والأطباء لما أخطأت نفس الوزارة في حقهم، فتصور الصحفيون أنهم يحظون بنفس مكانة النقابتين في قلب السيد الرئيس.


أعود مرة أخرى إلى تفاصيل المشهد المرتبك لأتساءل « الغلط فين ؟ هل عند وزارة الداخلية التي لم تحسن تقدير الموقف ؟ أم في النقيب ومجلسه الذين تعاملوا مع الأزمة، من وجهة نظر البعض ـ بانفعال دون أن يحققوا أو يتحققوا فيما أو مما حدث قبل أن يصعدوا الأمور ويرفعوا سقف المطالب ؟ وما هو التصرف السليم مع هذه الأزمة غير المتوقعة ؟ أولا دعونا نستبعد من الأفق أن تتستر النقابة على زميلين مطلوبين من قبل النيابة العامة، أو أن هذين الزميلين تصورا أن النقابة ستكون ملاذا آمنا لهما، المؤكد أنهما أرادا الاحتماء ببيت الصحفيين حتى يضمنا معاملة كريمة من قبل الأمن لحظة تسليمهما بمعرفة النقابة وبحضور نقيبها وأعضاء مجلسها وليس تحصنا أو هربا من المثول أمام العدالة أبداً، ثم ماهو التصرف المثالي للنقيب إذا ما لاذ به زميل في محنة ؟ النقيب كذب من ادعى أنه رفض تسليم الزميلين، وأكد أنه تواصل مع مسئولين في وزارة الداخلية لبحث كيفية تسليم الزميلين لكنه لم يتلقَ منهم إجابة، حتى تم اقتحام أو دخول المبنى من قبل ضباط الشرطة ! فكان من حق النقيب الهادئ أن يثور ويغضب ، وإلا ..لكان اتُهم بالخيانة والعمالة ، ومن ثم علينا أن نستبعد «شططه» في التعامل مع هذه الأزمة التي كما سبق أن ذكرت كان من السهل وأدها في المهد بدلاً من تركها حتى تستفحل وتتضخم وتتشابك بهذا الشكل المعقد ! ، وأتصور أن أي نقيب للصحفيين كان سينفعل ويثور ويغضب ربما أكثر مما فعل يحيى قلاش الغيور على نقابته ومهنته وآلاف الصحفيين الذين انتخبوه.


إذن .. لا بد من الوصول إلى حل يرضي جميع الأطراف، شريطة أن يحفظ للصحفيين كرامتهم وعزتهم، وعلى الأصوات التي تطالب بحل المجلس الحالي أو تتهمه بخطف النقابة أن تبحث لنفسها عن مكان آخر، وكفانا تمزيقا في الثوب أو الصف الصحفي ، فالوقت الراهن لا يسمح بذلك أبدا، وعليهم أيضا احترام رأي الأغلبية التي اختارت نقيبها ومجلسه، كما على النقيب وأعضاء المجلس أن يتحلوا بالحكمة، وإذا كانوا أخطأوا أو غالوا في التعامل مع ما حدث، فعليهم أن يعالجوا الأمر بحكمة، ولابد من وحدة الصف الصحفي ، وعلى كل من أخطأ أن يعتذر، فالاعتذار لم يكن ضعفاً أبدا، بل من شيم الأقوياء.