بلاها صحافة

11/05/2016 - 12:46:56

بقلم : عبد اللطيف حامد

لم أندم على عملى بالصحافة أبدا على مدى أكثر من ١٧ عاما، رغم ما تعرضت له من ضغوط نفسية وصعوبات مادية واجتماعية حتى أنضم لعضوية لنقابة الصحفيين، قلعة الحريات فى مصر، وخرجت من تجربة صحفية إلى أخرى بحثا عن الكارنيه بداية بجريدة صوت الجامعة وقتما كنت طالبا فى كلية الإعلام بجامعة القاهرة،


ثم جريدة التحدى برئاسة الكاتب الصحفى عزت بدوى ـ رئيس مجلس إدارة دار الهلال ورئيس تحرير المصور فيما بعد ـ بدعم كامل من أستاذى ومعلمى الأول الكاتب الصحفى عادل سعد - مدير مركز التراث بدار الهلال فيما بعد - قررت مواصلة طريق الصحافة مهما كانت وعورته لأن الأمر يستحق، ويكفى أننى سأعبر عن هموم الناس ومشاكلهم بغض النظر عن فلوسها الهزيلة، ومتاعبها المتواصلة، فهى مهنة البحث عن المتاعب بجدارة.


لم أندم على أحترافى الصحافة حتى بعدما "ذهبت السكرة وجاءت الفكرة" كما يقولون، لأن طيبتى بعد التخرج صورت لى أن شهادة بكالوريوس الإعلام ستفتح لى مغاليق المؤسسات الصحفية القومية قبل الخاصة خصوصا أننى اجتزت سنتى تدريب فى عدة جرائد منها جريدة صوت الصعيد مع الكاتب الصحفى مصرى البرديسى ثم جريدة أخبار مصر، والمشاركة فى تأسيس مجلة صحتى بدعم من هيئة المصل واللقاح مع الكاتبين الصحفيين بجريدة الأهرام حاتم صدقى وحسن فتحى ثم جريدة صوت الأمة، لكنى اكتشفت أن المؤهل والموهبة لا يكفيان، فلابد من البحث عن معرفة أو وساطة من أحد الصحفيين الكبار لدخول جريدة كبرى قومية أو خاصة.


لم أندم على عناد صاحبة الجلالة معى، فلا أمل فى تعيين أو دخل يقيم الأود، ويغنى من جوع الليالى، صدقونى نمت كثيرا من غير عشى ـ لأن والدى رحمة الله عليه كان يطبق مبدأ لا يحيد عنه من يحصل على شهادة التخرج والخدمة العسكرية أو تأجيل أو إعفاء منها لا مصاريف له فما بالك بالإنفاق على المجهول فى مهنة الصحافة التى يستغل فيها المبتدئون أسوأ استغلال من الجرائد ومكاتب الصحافة ـ وسكنت فى مناطق موحشة من دار السلام شرق القاهرة الكبرى وعين شمس غربا إلى مدينة الزهراء شمالا إلى فيصل جنوبا، وكانت نفسى راضية مرضية، يملؤنى الأمل أن الوصول إلى نقابة الصحفيين أصبح وشيكا.


لم أندم على ممارسة مهنة الصحافة، وتنقلت من جريدة إلى أخرى من جريدة الجماهير إلى الموقف العربى إلى بيت الصناعة، ومن مكتب صحافة عربية إلى آخر، ورغم السطو على مستحقاتى كنت أضحك بحجة أن شر البلية ما يضحك، وأن الجائزة كبيرة، ويكفى أننى سأكون أول صحفى فى محيط الدائرة عندنا.


وحتى عندما التحقت بمجلة المصور لم أندم، رغم أن الأمر لم يكن سهلا، فكنت أنا وصديق الكفاح الكاتب الصحفى طة فرغلى ـ نائب رئيس التحرير فيما بعد ـ نواصل العمل ليل نهار حتى الساعة الثالثة صباحا مع الكاتب الصحفى عبد القادر شهيب رئيس مجلس إدارة دار الهلال ورئيس تحرير المصور، ودفع بنا لتصدر المشهد الصحفى فى المجلة بفرد الصفحات فى قسم التحقيقات لكن بمبالغ زهيدة ـ أستحى أن أذكرها - تحملنا حتى يحدث المراد، وندخل النقابة التى طال انتظارها من بوابة المصور، ورغم المضايقات والضغوط التى تنوء من حملها الجبال، وكنت أتغلب على كل هذه المأسى بأننى أصبحت محترفا للمهنة، واستقرت بى الحال لا محالة فى مؤسسة قومية رغم ضعف مرتباتها، والأهم أننى تعاملت وتعلمت من صحفيين كبار، وخرجت من هذه المجلة بالكاتب الصحفى أحمد أيوب ـ أستاذى وصديقى وأخى الكبير فى الصحافة والميديا.


لم أندم عندما توالى رؤساء مجالس الإدارات والتحرير قبل ثورة يناير وبعدها، وتعرضت لضغوط ومضايقات لأن لكل واحد منهم حساباته، ورجاله لأننى لا أؤمن بالشللية أو العمل لصالح أحد مهما كان منصبه، فالله الغنى، وعلى مدى هذه السنوات تناولت فى موضوعاتى الصحفية ومقالاتى المشكلات، والبحث عن علاجها مع تقديم المساعدة لمن أستطيع من عموم الناس سواء فى عملى الصحفى أو الميديا عن طريق علاقتى الشخصية مع المصادر أو الضيوف على السواء.


لكن للأسف ندمت مؤخرا على العمل بالصحافة عندما تجسد أمامى اختلاف الجماعة الصحفية فى أزمة اقتحام الداخلية للنقابة، رغم أن توحيد الكلمة هو الضمانة الوحيدة للدفاع عن جموع الصحفيين بعيدا عن الاختلاف على المجلس الحالى بكل سوءاته وأخطائه، وزاد ندمى مع حالة التشفى من الناس فى الصحافة، وتجاهلهم لدورها فى التعبير عن أزماتهم وهمومهم، والادعاء أننا فوق القانون وعلى رأسنا ريشة، ندمت من مشاهد المواطنين الشرفاء وهم يحاصرون النقابة، ندمت من إصرار الضباط يوم لقاء الجماعة الصحفية ـ لا أقول اجتماع حتى لا يسبنى أحد ـ رؤية كارنيه النقابة ثلاث مرات، وإجبارى على المرور وسط المواطنين الشرفاء لدخول من ممر صغير حتى تتاح لهم الفرصة لتوجيه الشتائم على راحتهم، ندمت وقرفت من الحملات الممنهجة ضد الصحفيين على فيس بوك وتويتر والسب بالأب والأم، ندمت عندما وجدت إصرارا حكوميا على إهانة كرامة الجماعة الصحفية، ندمت وقلت لنفسى بلاها صحافة .. والله أعلم.