حظر النشر.. ممنوع الكلام بأمر القضاء!

11/05/2016 - 12:41:46

إيمان كامل

"قرر النائب العام حظر النشر في قضية...."، جملة باتت تلاحق كثيرا من القضايا التي يحرص الرأي العام على متابعتها، في محاولة من السلطة القضائية لمنع تناول هذه القضايا لأسباب تراها النيابة ضرورية منها: الهدف حماية الأدلة وسلامة الأمن القومى والآداب العامة وعدم إثارة الفتنة، فيما يرى كثير من العاملين في الإعلام أن النيابة تشل يد الإعلام في إخبار الناس بمسار التحقيقات في قضايا تهمهم، وأنه لو ظل الأمر كذلك فلا داعي لوجود وسائل الإعلام أصلًا.


وزادت قرارات حظر النشر بنسبة مبالغ فيها بعد ثورة ٢٥ يناير، ويكون الحظر لفترة مفتوحة، دون تحديد مدة زمنية محددة لإلغائه، ما جعل البعض يرى أن هناك توسعاً فى استخدام هذه الرخصة القانونية التى تحجب تداول المعلومات وحرية الرأى التي كفلها الدستور للجميع، عدد من القضاة والقانونيين رأى أن هناك توسعاً ولابد من ضبط تشريعى لتنظيم حظر النشر أو استخدامه فى نطاق ضيق، فيما قال آخرون إن الحظر يتم طبقا للقانون وضمانة لحماية أدلة التحقيق وعدم إثارة البلبلة أو التأثير على سير التحقيقات "فى ظل الفوضى وكثرة التأويلات خاصة إذا كانت القضية تمس الأمن القومى والآداب العام".


نطق الحكم يسقط الحظر


المستشار محفوظ صابر، وزير العدل الأسبق، يرى أنه لا يوجد توسع فى قرارات حظر النشر فى القضايا خلال الفترة الماضية، مشيرًا إلى أن الحظر "حق منحه القانون للنائب العام وقاضى التحقيق ورئيس المحكمة الذى ينظر فى القضية"، موضحًا أن تحديد مدة زمنية معينة لحظر النشر فى قضية يكون حسب قرار الحظر الصادر، وهو أمر تقديري لسلطة التحقيق أو رئيس المحكمة يحدد المدة وأسباب الحظر ولكن يسقط الحظر حينما يتم النطق بالحكم أو حينما تنتهى النيابة العامة من التحقيق وتحيلها للمحكمةـ فهكذا تنتهى ولاية النيابة عن القضية ويسقط قرار حظر نشرها .


وعما إذا كان قرار حظر النشر يشمل مواقع التواصل الاجتماعى، قال صابر إن الأمر يكون وفق ما يصدر من قرار الحظر ويحدده النائب العام أو قاضى التحقيق أو رئيس المحكمة، إذ له حق أن يحدد وسائل الاعلام التي ينطبق عليها الحظر، معقبًا: لكنني أري أن كل الوسائل العلنية يحظر عليها النشر بما فيها مواقع التواصل الاجتماعى لأنها وسيلة من وسائل النشر والعلنية.


بدوره، قال مسئول بمجلس القضاء الأعلى، رفض نشر اسمه، إنه لا يوجد أي توسع فى قرارات حظر النشر فى القضايا، "فكل واقعة لها ظروفها وجهة التحقيق هى التى تقدر، مضيفا "القضاء لايعمل فى سرية وإنما قرارات الحظر تأتى لمصلحة التحقيق وليس هناك مبدأ أو اتجاه لحجب المعلومات أو خلافه ولقاضى التحقيق أو النائب العام أو رئيس المحكمة الذى ينظر فى القضية حق إصدار قرار حظر النشر ولم يشمل القانون قضايا بعينها يتم فيها حظر النشر، الأمر يمكن أن يشمل أي قضية يقدرها المحقق أو المحكمة قد تضر بالآداب العامة والأمن القومى وحماية الدليل، كذلك لم يحدد القانون مدة حظر النشر بقصد أن يتم الإنهاء من القضايا، وبالطبع لانستطيع حظر النشر لمدد طويلة فالظروف الماضية كانت القضايا فيها متهمون كثيرون فتستغرق وقتا" .


وعن حظر النشر فى قضية القبض على الصحفيين عمرو بدر ومحمود السقا بتهمة التحريض على التظاهر، قال المصدر القضائى إن قرار حظر النشر فى هذه القضية له غرض معين، معتبرا أن النيابة والشرطة لم تخطأ، "فالشرطة من حقها أن تدخل أي مكان به متهم يتم القبض عليه حتى لو فى مسجد أو كنيسة"، وفق قوله.


حق يُساء استعماله


الفقيه الدستوري عصام الإسلامبولي يرى أنه لا يوجد أي توسع فى قرارات حظر النشر، مستدركا "لكن هناك إساءة استعمال لهذا الحق فلاحظنا أن أي قضية متهم فيها مسئول يتم حظر نشرها إما حماية لهذا المسئول أو لفئة معينة لايريدون أن يظهروا كمجرمين وهذا أمر خطير.. إذا كان هناك نص فى قانون الإجراءات الجنائية أن التحقيقات سرية فيصطدم ذلك مع المادة ٤٥ من الدستور والتى تعطى حق المواطن فى المعرفة والمعلومات".


وأشار الإسلامبولي إلى تأييده الحكم الصادر من محكمة القضاء الإدارى بالغاء حظر النشر فى قضية تزوير الانتخابات الرئاسية، مشددا على أن "قرارات حظر النشر تحتاج لضبط وتنظيم تشريعى ولابد من ذكر أسباب الحظر"، مشيرا إلى أن القضايا التي يتم حظر النشر فيها تكون مهمة، "هناك قضية سرقة آثار متهم فيها ضباط ووكلاء نيابة تم حظر نشرها، وهذا يعني أن النائب العام يسيىء استخدام هذا الحق بدون ضبط تشريعى يتعلق بهذا الأمر وعدم تحديد مدة زمنية لقرارات الحظر، وهذا يعني أن من بيده قرار حظر النشر يتخذه حسبما يراه"، وفق رأيه.


وبخصوص عقوبة من يخترق حظر النشر، أوضح الإسلامبولي: "إذا قام بنشر تحقيقات تكون محظورة النشر يتعرض لعقوبة الحبس تبدأ من ٢٤ ساعة إلى ثلاث سنوات وذلك حسبما نص قانون العقوبات . وإذا حصرنا عدد القضايا التى صدر بصددها قرارات حظر النشر فى الفترة القليلة الماضية سيتعدى ٥٠ قضية". وتابع: لا أرى أنه لامبرر لحظر النشر فى قضية الصحفيين بدر والسقار فكما يقال إنهما متهمان من أجل التحريض على التظاهرات فهناك الكثير من هذه القضايا لايحظر فيها النشر كما أن اقتحام رجال الشرطة لمقر نقابة الصحفيين تعد جريمة ضد النقابة وأحذر أن كل النقابات والأحزاب معرضة لهذا النوع من البلطجة الذي تمارسها الشرطة.. والاقتحام أخطر بكثير من القبض على الصحفيين.


أما المستشار عبد الفتاح السيد، رئيس محكمة استئناف بنى سويف، فبيّن أن القانون يعطى حق السلطة التقديرية لقاضى التحقيق أو النائب العام لقرار حظر النشر فى أى قضية لتأثير الرأى العام فى قضية معينة لحين استقرار أوضاع التحقيق، وتصدر بيانات من النيابة العامة على إجراءات التحقيق ومن حق رئيس المحكمة حظر النشر فى القضية التى ينظر فيها وذلك لتجنب التوسع فى التأويلات والتفسيرات، منوهًا أن القانون لم يحدد قضايا بعينها لحظر نشرها، "فكلما رأت جهات التحقيق ضرورة للحظر تحظر فقضايا الأسرة كلها سرية ولكن فى جميع الأحوال حتى لو التحقيق سرى لابد أن يكون النطق بالحكم علنيا، كما أن القانون لم يحدد مدة زمنية معينة لقرار الحظر وإنما تحددها جهة التحقيق كلما رأت ضرورة لذلك مالم يطرأ ظرف آخر للانتهاء منها وبمجرد إحالتها للمحكمة يسقط قرار الحظر".


وعن عقوبة من يخترق قرار الحظر، أشار إلى أن العقوبة تصل إلى الحبس ثلاث سنوات، وإذا كان المتهم مؤسسة صحفية تحجب من الصدور وإذا كان برنامجاً يمنع بثه وإذا تم ضبط أى شخص فى أى وسيلة علنية يخترق الحظر يتعرض للمساءلة القانونية سواء مواقع التواصل الاجتماعى أو إعلاما وصحافة.


المنع حفاظًا على الأمن والأداب!


في ذات السياق، يقول د.محمود كبيش، عميد كلية الحقوق بجامعة القاهرة سابقًا، إن قرار حظر النشر فى أى قضية هو أمر تقدره النيابة العامة حينما يكون هناك مصلحة لحماية النظام العام أو الآداب العامة أو الإضرار بمصلحة التحقيق فى القضية ولحماية أدلة التحقيق، مشيرا إلى أن نص المادة ١٩٣ من قانون العقوبات والتي تحدد العقوبة الموقعة على من ينشر بإحدى الوسائل أولطرق العلنية المقررة الحبس بما لا يتجاوز الستة أشهر أو الغرامة أو كليهما معاً ولم يحدد القانون قضايا معينة للحظر، معتبرا أن إجراءات دخول الشرطة لمقر نقابة الصحفيين قانونية، "لكنها من حيث الملاءمة السياسية لم تكن ضرورية".


مصدر قضائى بالنيابة العامة أوضح أنه طبقاً للمواد ١٩٠ و١٩١ و١٩٣ من قانون العقوبات فمن حق النيابة العامة والمحقق اتخاذ قرار حظر النشر، فإذا رأى بلبلة وأثار سوف تضر بالتحقيق يحظر النشر فيها، وأن التوسع فى قرارات الحظر مبنية على أن الجميع نصبوا أنفسهم محققين وقضاة ومحكمة وأن هذا يؤثر على سير إجراءات التحقيق، لافتا إلى أن القانون لم يحدد قضايا بعينها لحظر النشر فيها وإنما ذكر الهدف أو الغاية من الحظر كالمتعلقة بالأمن القومى والآدب العامة وفيها ضرر من تداولها و حفاظاً على أدلة الدعوى والتحقيقات.


ولم يحدد القانون أيضاً مدة محددة لحظر النشر ولكن للنيابة أو المحقق عند إحالة الدعوى للمحكمة يسقط حظر النشر، كما أن حظر النشر يسقط بصدور الحكم لأن من أساس الحكم العلنية. وأضاف المصدر القضائي أيضاً أن عقوبة اختراق قرار حظر النشر جاء ذكرها فى المادة ١٩٠ وهي الحبس من يوم حتى سنة، فيما تنص المادة ١٩١ و١٩٣ على أن يكون الحبس مدة لا تزيد عن ستة أشهر وغرامة من ٥ آلاف جنيه ولا تزيد عن ١٠ آلاف جنيه والمحكمة لها أن تقضى بالغرامة دون الحبس.


أخيرًا، يقول المستشار محمد سمير أستاذ النظم السياسية والدستورية والمتحدث باسم هيئة النيابة الإدارية، إن هناك ثلاث جهات منحها القانون حق إصدار قرار حظر النشر كقاضى التحقيق والنائب العام ورئيس الـمـحكمة، معتبرا أن أسلوب النشر وتداوله أصبح مختلفا عن الماضي، وهو ما يعطي مبررا- من وجهة نظره- لأن يحظر النشر في قضايا مختلفة، " الإعلام أصبح يشكل ضغطا على جهات التحقيق لذلك زادت نسبة التوسع فى قرارات الحظر ولكن يجب تطبيقها فى نطاق محدود، مع العلم أن الحظر يشمل موقع فيس بوك ويتم معاقبة المخترقين عليه عن طريق من يمتلك أكثر عدد من المتابعين".


قضايا مهمة ممنوعة عن الإعلام


وتتركز القضايا التى صدر قرار من النيابة العامة بحظر نشرها منذ ثورة ٣٠ يونيه حتى الآن في قضايا فساد ورشاوى مالية وجنسية وتعذيب وانتهاك لحقوق الإنسان وقضايا إرهاب. وأبرز قرارات حظر النشر مؤخرا، قرار الحظر في قضية تقرير الجهاز المركزى للمحاسبات عن حجم الفساد فى مصر، والتقرير الخاص باللجنة المشكلة من الرئيس السيسى للرد علي تصريحات المستشار هشام جنينة، وأيضا قرار حظر النشر الصادر فى مشروع إنشاء المحطة النووية بالضبعة، وقضية "التمويل الأجنبى غير المشروع لمنظمات المجتمع المدني"، وكذلك قضية اغتيال النائب العام المستشار هشام بركات، ومقتل أعضاء الفوج السياحى المكسيكى بالواحات، وقضية «فساد وزارة الزراعة» وقضية «قاضى محكمة جنح مدينة نصر» وأيضا «قتل المحامى كريم حمدى بالتعذيب داخل قسم شرطة المطرية على يد ضابط الأمن الوطني» وكذلك القضية الخاصة «بتنظيم أنصار بيت المقدس»، وقضية «مقتل الناشطة شيماء الصباغ» على يد ضابط شرطة وأيضا فى قضية الآثار الكبرى والمتهم فيها مدير نيابة مدينة نصر وشقيقه مستشار بنيابة النقض وسبعة ضباط بوزارة الداخلية بالاتجار فى الآثار، وأخيرا حظر النشر فى التحقيقات التى تجريها النيابة العامة فى اتهام الزميلين الصحفيين عمرو بدر ومحمود السقا بالتحريض على التظاهر وقلب نظام الحكم .