شرطة فرنسا.. المواجهة تنتقل من الإرهابيين إلى المتظاهرين!

11/05/2016 - 11:20:05

ماهيتاب عبد الرؤوف

تسببت الاشتباكات المتكررة على مدار الشهرين الماضيين بين قوات الأمن الفرنسية و محتجين خلال المظاهرات الرافضة لمشروع إصلاح قانون العمل في تنامي مشاعر الكراهية لدى الفرنسيين تجاه رجال الشرطة الذين تصاعدت ضدهم حملات تشويه، ويعانون أصلًا من مخاطر عمليات عنف.


وبعد الإعجاب والتقدير الذي حظى به جهاز الشرطة لدوره الكبير في مواجهة الإرهابيين وحفظ الأمن بالبلاد عقب الهجمات الإرهابية التي ضربت باريس في يناير ونوفمبر ٢٠١٥ ، سادت حالة من الغضب والاستياء بين عدد من الفرنسيين نتيجة استخدام رجال الأمن «للقوة المفرطة» لمواجهة المجموعات المثيرة للشغب في المظاهرات المنددة بإصلاح قانون العمل المعروف إعلاميا «بقانون الخمري» نسبة إلى وزيرة العمل مريم الخمري والذي تقول الحكومة إنه يهدف إلى دعم التوظيف والحد من البطالة التي تجاوزت ١٠٪‏ بالبلاد بينما يرى معارضو القانون أنه منحاز لأرباب العمل بدرجة كبيرة ويسهل فصل العاملين.


و قد شهدت الاحتجاجات العديدة على قانون العمل - التي يشارك فيها نقابات مهنية من مختلف القطاعات وعمال النقل و جمعيات شبابية


وطلاب الجامعات والمدارس الثانوية - اعتقال أكثر من ألف شخص


واشتباكات عنيفة بين المتظاهرين والشرطة، أسفرت عن وقوع إصابات عديدة في صفوف الجانبين.


وأكدت الكونيفدرالية العامة للعمل في فرنسا وقوع تجاوزات كثيرة مؤخرا من قبل الشرطة بحق المتظاهرين، لاسيما في حق طلاب الجامعات والمدارس، وسجلت خلال هذه الاحتجاجات حالات فردية لعنف الشرطة. وتداولت مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات تصور اعتداءات للشرطة على متظاهرين، كان أبرزها فيديو تم تداوله بكثافة وأثار جدلا واسعا في مختلف الأوساط الفرنسية، يظهر شرطيا يعتدي بالضرب على متظاهر يبلغ من العمر نحو ١٥ عاما عقب توقيفه أثناء فض مظاهرات بباريس.. كما نشر مستخدمون على مواقع التواصل الاجتماعي صورا لرجال شرطة يقومون بدهس وجوه متظاهرين بالأحذية.


وفي مدينة «رين» غرب فرنسا، فقد متظاهر (٢٠ عاما) إحدى عينيه خلال مواجهات دارت أثناء المسيرات بين قوات الأمن و محتجين، و لا تزال التحقيقات جارية من قبل الإدارة العامة للتفتيش التابعة للشرطة الوطنية (إي جي بي إن) للوقوف على ملابسات إصابة هذا الشاب.


كما امتد هذا التوتر إلى ساحة «الجمهورية»- بقلب العاصمة الفرنسية- حيث يعتصم منذ ٣١ مارس الماضي متظاهرو حركة «نوي دوبو» (الوقوف ليلا) المطالبون بإصلاحات اجتماعية، واندلعت مواجهات متكررة بين قوات مكافحة الشغب و مجموعة من المعتصمين أسفرت عن خسائر مادية وسلسلة من الاعتقالات.


حملة ضد الشرطة


وكرد فعل على لجوء الشرطة إلى العنف في مواجهة متظاهرين، أطلقت الكونفيدرالية العامة للعمل حملة ضد الشرطة في صورة ملصق يظهر آثار دماء على الأرض وفوقها شارة وهراوة للشرطة الوطنية، بالإضافة إلى عبارة «الشرطة يجب أن تقوم بحماية المواطنين وليس ضربهم.. أوقفوا العنف».


وعلى الرغم من أن هذه الحملة قد لاقت انتقادات لاذعة في الأوساط السياسية بمختلف انتماءاتها - التي ترى أن قوات الأمن تضطلع بدور هام منذ هجمات يناير ونوفمبر ٢٠١٥، وإعلان حالة الطوارئ المستمرة حتى اليوم في ظل التهديد الإرهابي المرتفع الذي يحدق بالبلاد ، إلا أن الكونفيدرالية عادت بعد أسبوعين فقط لتصدر ملصقا جديدا بعنوان « قانون العمل .. أوقفوا قمع الشرطة».


وقد أثارت هذه الحملة الدعائية ضد الشرطة استهجان وزير الداخلية برنار كازنوف، الذي وجه رسالة إلى الأمين العام للكونفيدرالية العامة للعمل فيليب مارتينيز، وصف فيها تلك الحملة بأنها عنيفة وصادمة. وندد كازنوف بمحاولة هدم الثقة بين المواطنين وقوات الأمن، مذكرا بإصابة ما لا يقل عن ١٥ ألفا من أفراد الشرطة والدرك، وكذلك مقتل ٨ أثناء القيام بعملهم خلال عام ٢٠١٥، معتبرا أن هناك رقابة صارمة مفروضة على قوات الأمن.


وقال مدير عام الشرطة الوطنية جون مارك فالكون «إن ما حدث أمر مهين بالنسبة لـ١٥٠ ألف فرد يشكلون الشرطة الوطنية، وكذلك لتسعة ملايين فرنسي قاموا العام الماضي بالاتصال برقم (١٧) لطلب مساعدة شرطة النجدة»، داعيا إلى ضرورة التمييز بين أعمال العنف غير القانونية، والتي يعاقب عليها القانون، وتعد حالات فردية، ومجمل عمل الشرطة الوطنية ومهمتها في البلاد.


و بدورها، أدانت نقابات الشرطة الفرنسية تلك الحملة واصفة إياها بأنها تشكل إهانة لآلاف من عناصر الشرطة والدرك الذين يُقتلون أو يصابون أثناء ممارسة عملهم، مستنكرة الدعوة للكراهية والعنف ضد قوات الأمن. كما طالب شرطيون وزارة الداخلية بالتقدم بشكوى قضائية ضد هذه «الحملة المغرضة».


الشرطة تدعو للتظاهر


وبعد صدور ملصقات ضد الشرطة ومع استمرار دعوات التظاهر ضد قانون العمل ووسط حالة الاحتقان بين المتظاهرين و رجال الأمن، دعت «اليانس» وهي أكبر نقابة لرجال الشرطة في فرنسا إلى مظاهرة في ١٨ مايو الجاري بساحة الجمهورية، احتجاجا على ما وصفته بحملات الكراهية ضد أفراد الشرطة وكذلك على العنف والاستفزاز الذي يمارس ضدهم من قبل بعض المتظاهرين.


وقالت نقابة الشرطة: «هذا الإصرار غير المسئول يهدف إلى توصيل صورة مفادها أن الشرطة تتعامل بهمجية وتتعدى بشكل أعمي أو عشوائي على الشباب»، منددة بما وصفته بـ «الغوغائية الأيديولوجية» التي تدعو إلى الكراهية والعنف ضد الشرطة الوطنية الفرنسبة .


ومع تصاعد وتيرة الانتقادات ضد جهاز الشرطة، حرصت وزارة الداخلية على التأكيد أن رجال الأمن يواجهون منذ ٩ مارس الماضي - أي منذ بدء المظاهرات المنددة «بقانون الخمري» - مواجهات عديدة، تحولت إلى مواجهات عنيفة، حتى تجاوز عدد المصابين من رجال الشرطة ٣٠٠ شخص، وكان أبشعها تعرض قائد شرطة إلى الضرب بشكل وحشي بواسطة قضيب حديدي في الرأس والوجه من قبل خمسة أشخاص في مدينة نانت (غرب فرنسا) خلال اشتباكات عنيفة بين المتظاهرين و الأمن. وقد صرح المدير الإقليمي للأمن العام، چون كريستوف برتراند، في مؤتمر صحفي عقب هذه الواقعة، بأنه «لا يمكن أن تستمر تلك الدوامة من العنف.. فالعنف دخل مرحلة جديدة بهذا الاعتداء .. لسنا مسئولين عن المخربين المندسين وسط المظاهرات»؛ مشددا في الوقت ذاته على استمرار رجال الشرطة في مواصلة مهمتهم في حماية الأفراد والممتلكات».


وتداولت مواقع تواصل اجتماعي صورا لقنابل غاز أطلقها متظاهرون على الشرطة، وكذلك صورة لأحد المحتجين أثناء تسديد ركلة في وجه أحد أفراد الشرطة بينما كان ساقطا على الأرض.


ومن جانبها، سلطت وسائل الإعلام الفرنسية الضوء على وجود مجموعات ملثمة و منظمة للغاية داخل المظاهرات تستهدف رجال الشرطة وتقوم بتحطيم واجهات المتاجر والمصارف، ونقلت استياء متظاهرين سلميين من العناصر المندسة وسطهم، متهمين هؤلاء بأنهم مجموعات تنتمي إلى تنظيمات اليسار المتطرف والتيارات الفوضوية، بالإضافة إلى مجموعات من شباب الضواحي، يسعون إلى استفزاز رجال الأمن.


الشرطة حريصة على المتظاهرين!


وفي محاولة لوقف التجاوزات المتكررة والاشتباكات العنيفة التي تتخلل التظاهرات، أصدر وزير الداخلية الفرنسي تعليمات لمختلف القيادات الأمنية لاتخاذ عدد من التدابير الوقائية، ومنها ضرورة أن يطلب من منظمي المظاهرات تشكيل لجان أمنية داخلية و منظمة و ظاهرة من أجل عزل مثيري الشغب أو الإبلاغ عن الأشخاص الذين ينتهجون سلوكا قد يعرض سلامة المتظاهرين للخطر؛ وكذلك حظر المسارات التي تشكل خطرا و اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتصوير عمليات التدخل و تجديد التعليمات الخاصة بتوقيف الأشخاص الذي يمارسون العنف أو يقومون بمخالفات.


كما أعطي وزير الداخلية توجيهات بالاستخدام المتناسب و المشروع للقوة عند الضرورة القصوى، وطلب من قيادته تذكير قوات الأمن بالقواعد الأخلاقية التي يتعين عليهم الالتزام بها.


و فيما يتعلق بتجمعات حركة «نوي دوبو» (الوقوف ليلا ) بساحة «الجمهورية»، أوصى وزير الداخلية بتحديد مواعيد مناسبة لتقوم بفعالياتها على أن تتدخل قوات الأمن لتفريق المتظاهرين حال عدم الالتزام بتلك المواعيد. كما شملت التعليمات العمل على منع إدخال أسلحة من أي نوع و كذلك بيع أو تناول المشروبات الكحولية في هذه التجمعات.


وفيما يبدو أنه عمل على أكثر من جانب، فإن الشرطة الفرنسية مطالبة بحماية المتظاهرين وفي ذات الوقت أداء دورها بشجاعة وكفاءة متناهية عن بلادهم المستهدفة ما بين لحظة وأخرى من قبل التنظيمات الإرهابية.