أحدث إصدارات مركز الهلال للتراث عبد الحليم حافظ أيامنا الحلوة ( 3-4) مرارة «الحلوات»

11/05/2016 - 1:55:30

بقلم - عادل سعد

وتلك شهادة مهمة أخرى نقدمها من خلال: «مذكرات عبد الحليم حافظ أيامنا الحلوة» المعروضة الآن بالاسواق والصادرة عن مركز الهلال للتراث.


ألصق الناس بعبد الحليم حافظ شقيقه إسماعيل شبانة ... حنا عليه عندما فقد الأب والأم ؛ورعاه فى سنية الاولى وحقق رغبته فى أن يغدو مثله طالبا فى معهد الموسيقى فجاء به إلى القاهرة ليلحقه بالمعهد؛وعاشا معا ؛لإسماعيل مكانه الوالد ومكانه الرائد ... وفى السطور التالية يروى إسماعيل شبانه أحداثا لم تسعها ذاكرة عبد الحليم ربما لأنها وقعت وهو بعد حدثا صغيرا لا يعى أو ربما لأن الأحداث التى مرت بذاكرة عبد الحليم كثيرة حاشدة فأغفلت الذاكرة بعضها .


تلك لحظات الميلاد الأولى التى ظلت تطارد عبد الحليم طوال حياته باحزانها المتوالية ماتت أمه ومات أبوه وماتت عمته التى آوتهم،وظلت آلام الفقد مرسومة على وجه الطفل الصغير طوال أيام حياته .


اعترى البيت وجوم واضطراب وأمسكنا أنفاسنا وصراخ أمى يرتفع ويشق عنان السماء ورأيت أبى يمتقع وجهه ويستحيل لونه ويتصبب من جبينه عرق بارد وتطلعت أعيننا إلى باب حجرة مغلقة كان الصراخ يزلزله تطلعنا اليه لما كف الصراخ فجأة وانتظرنا دقائق مضت كقرن من الزمان وأخيرا خرجت القابلة لتقول وتشفع قولها بزغرودة : مبروك ياعم شبانة .. ولد زى القمر !


هذه الصورة لا يمكن أن تفارق مخيلتى عن مولد عبد الحليم فإنها ترتبط بصور أخرى كثيرة أحاطت بالصبى الصغير الذى فرحنا به والذى كنت أحمله بين يدى مسرورا مبتهجا وقد كنت فى العاشرة من عمرى ولا أدرى أن آلام الولادة ستتسبب في وفاة الأم، فقد مرضت أمى وجعلت وطأة المرض تشتد عليها ولم نكن نملك غير الدعاء لها بعد أن همدت أنفاسها وصارت تتحدث ببطء ومشقة ثم صارت تعرفنا فى عناء وجهد ثم وبعد أسبوع واحد من مولد عبد الحليم لفظت آخر أنفاسها وبكينا كثيرا .


حتى الطفل الصغير الذى لم يكن يعى من أمور دنياه شيئا صرخ طويلا وسالت الدموع من عينيه وأدركه الجوع ونحن نستقبل المعزين والمعزيات فاتصل صراخه حتى تقطعت له نياط القلب وحملته بين ذراعى وجعلت أهدهده ودموعى تغسل وجهه ولكن صراخه لم يكف ولم ينقطع وكنت واقفا قرب بعض النساء من أقاربنا فرمين الطفل بين يدى بنظرة نارية وقالت إحداهن : « يقعد يعمل ايه بعد المرحومة لازم نلاقى له حل ...» وقالت ثانية : « داحنا حتى نرحمه من الجوع واليتم « وقالت ثالثة : «نرضعه منها يموت زيه زيها»


ونظرن إلى .. وتقاربت رءوسهن وتهامسن وأحسست بالخطر المحدق بأخى الصغير البرئ فجريت بعيدا إلى أبى فى الحجرة التى كانت أمى مسجاة فيها وأشرت إليه فترك الناس وأقبل عليه وقلت له : «الستات عاوزين يرضعوا أخويا من أمى علشان يموتوه»


فقال فى غضب : «ستات مين .. هما فين ؟ «


فمضيت أمامه وذهبت به إلى حيث كانت تجلس المتآمرات على حياة عبد الحليم وقلت له وأنا أشير إليهن : «اهم دول ..»


وتقدم أبى منهن فاستولى عليهن الاضطراب وقال لهن : « عبد الحليم إبنى وأنا هاربيه على إيدى .. أمه ماتت ده قضاء الله .. دا أجل مكتوب ولو حاولت واحدة منكن تمس عبد الحليم أنا هابلغ النيابة .»


وامسكنى ابى واخذنى بعيدا عنهن وهن يفترسننى بنظراتهن ثم قال لى أبى : «أوعى تسيب أخوك لما تتعب من شيله حطه على السرير واقعد جنبه أحرسه أوعى واحدة تضحك عليك وتقول لك هاته أرضعه أو هاته أشيله «


وعاد إلى حجرة أمى وهو يقول لى :


« أنت مسئول عن حياة أخوك .. خد بالك خالص يا إسماعيل» وأحسست بالفعل أننى مسئول عن تردد الأنفاس فى صدر هذه القطعة من اللحم الآدمى بين يدى فدخلت حجرتنا وأغلقت الباب ووضعت عبد الحليم على الفراش وأنا أداعبه حتى أدركه النوم رغم الجوع وأقمت حارسا عليه .


وحامت بعض النسوة حول الحجرة ولكنهن وجدننى يقظا لا أغفل ومضى النهار كله ووريت أمى الثرى فلما أقبل الليل ازداد بكاء عبد الحليم بعد أن عض الجوع أمعاءه وظللت ساهرا به طول الليل وبين لحظة واخرى كان أبى يستيقظ من إغفاءاته القصيرة فيهدهده ويبكى ثم يتركنا ويخرج وظللت ساهرا به حتى طلع الصباح .


وقال لى أبى : «أخوك لازم يرضع إنزل شوف مين فى البلد والدة ترضعه وخرجت بعبد الحليم إلى دروب قريتنا وطرقت الأبواب وهو على ذراعى بعد أن حصرت فى رأسي أسماء اللواتى وضعن فى وقت مقارن لمولد أخى وكانت كل واحدة منهن تستقبل عبد الحليم بترحاب وترضعه وهى تنظر إلى وأنا جالس فى إنتظاره باشفاق ورضع عبد الحليم من أكثر من مائتى والدة فى قريتنا ويبدو أن العناية الآلهية كانت تحرسه فقد كان هذا العدد أكبر من أن يكون فى قرية محدودة العدد ولم أكن أعود إلى البيت إلا بعد أن أطمئن إلى أن أخى قد شبع تماما وإلا بعد أن أستطيع أن أجد ابتسامة الشبع على شفتيه .


ومضى على هذا الحال أربعة اشهر وغضبت قريبة لنا أشد الغضب لأننا نطوف بعبد الحليم على البيوت ولا نتركه لها تربيه وترضعه وتجعله ولدا لها مثل سائر أولادها وفى أحضان هذه المرأة نما عبد الحليم وترعرع وقد حذرتها من اللواتى تآمرن عليه فطمأنتنى وقالت لى أن الذى سيلمس عبد الحليم ستفتك به وفرحنا لما استطاع عبد الحليم أن يتكلم ويصيح بتلك المــــــرأة :« امى».


نعم كانت أمه وإلا فماذا تستطيع الأم ان تقدم لولدها أكثر من هذا ؟ ولم يعرف عبد الحليم أن امه قد ماتت إلا عندما كبر عقله واستطاع أن يستوعب معنى الموت والحياة ومن هنا أدركه حزن هائل حزن شاع فى نبرات صوته ولازمها وصار له فى هذه النبرات رنين هو الذى يلمس القلوب وهذا هو سر الحزن فى صوت عبد الحليم ولأخى عندى نصيحة :إذا حاولت يا أخى أن تتزوج فخذ حذرك إنك رضعت من مائتى ثدى وكل اللواتى رضعن معك من هذه الأثداء أخوات لك بالرضاع لا يجزن لك على سنة الله والرسول فخذ حذرك يا أخى إذا أردت أن تتزوج واسأل وتحر وابحث ونقب واعرف الأصل والفصل والجذر والفرع قبل أن تختار شريكة حياتك خذ حذرك يا أخى حتى لا تتزوج أختك .


وقد تميز عبد الحليم فى طفولته بالشقاوة ذلك النوع من الشقاوة البيضاء التي تستدر الضحك ولا تثير الغضب كان يهوى اصطياد الدبابير والعجيب أنه كان يصطادها بأعداد غفيرة دون أن يقرصه دبور منها كما هى العادة وكان لمنزلنا فى قرية الحلوات سطح كبيرة والقرية كلها كانت شهيرة بصناعة العجوة لتوافر البلح فيها وحولها فى موسمه .


وكان البلح الرطب يترك على سطوحنا ليجف ثم نتولى عمل العجوة منه بالطرق المألوفة وكان البلح يجتذب الدبابير أسرابا وخشيت على عبد الحليم عندما عرفت عنه هوايته فى اصطيادها ولما نبهته إلى الخطر الذى يكمن فى طيات هذه الهواية ضحك فى سذاجة وطلب منى أن أصعد معه الى السطح وعندما صعدنا اندفع عبد الحليم إلى سرب من الدبابير وراح يمسكها بيديه وأنا أصرخ فيه أطالبه أن يبتعد حتى لا يصاب بالأذى وهو يضحك ملء شدقيه وجاء أبى على صراخى وعندما رآه فى وسط سرب الدبابير يضحك ولا يصاب بالأذى قال لى: « عبد الحليم فيه شئ لله وإنه سيكون له شأن كبير .»


كنا معا طلبة فى معهد الموسيقى العالى وسافرنا خلال اجازة الصيف إلى الإسكندرية ودخلنا مدينة الملاهى وحلا لنا أن نجرب حظوظنا كما يفعل الزوار جميعا وتميز حظ عبد اللحليم فإذا هو يفوز بعدد كبير من الهدايا تزيد قيمتها عن جنيهات كثيرة مقابل قروش معدودة والتف الناس حولنا وهم يعجبون من الحظ الفريد الذى يتمتع به عبد الحليم ومن يومها عرف عن عبد الحليم أنه محظوظ وأن ما من شئ يضع عليه يده الا ويربحه .


وسقطت من ذاكرة عبد الحليم عند كتابة المذكرات تلك الفترة التى كنا نسكن فيها فى بركة الفيل بالسيدة زينب كنت أيامها موظفا بوزارة الصحة وكان عبد الحليم طالبا فى معهد الموسيقى ورغم المدة الطويلة التى قضيناها نسكن هذا الحى فلم أتعرف على أحد حتى جارنا الذى يسكن قبالتنا لم أعرف اسمه بخلاف عبد الحليم الذى نال شعبية كبيرة لدى سكان الحى من الرجال والنساء والأطفال كانوا يحبونه حبا عميقا ويدعونه إلى بيوتهم ليغنى لهم أغانى عبد الوهاب وعبد المطلب وصباح وكنت أضطر كل ليلة إلى الطواف بالحى كله بيتا بيتا لأعثر عليه فى سهرة عائلية عند واحد من أهل الحى .


وعبد الحليم يمتاز بذكاء نادر وعميق ويتمتع بأذن موسيقية واعية حتى أنه يحفظ اللحن لمجرد سماعه مرة وكانت العادة فى امتحانات معهد الموسيقى العالى أن يؤدى الطالب امتحانا فى مادة تسمى « سولفيج شرقى غير متطور « أى أن الممتحن يفاجئ الطالب بقطعة موسيقية على النوتة ويطلب منه قراءتها وفى يوم الامتحان كنا نزيد على ستين طالبا وعندما جاء دور عبد الحليم طبنا منه أن يحفظ السطرين الأولين فى هذه المادة ليقرأهما لنا بعد خروجه وأذكر من الطلبة الزملاء أيامها عبد الحميد توفيق زكى وفؤاد حلمى وعبد القادر مدبولى ناظر معهد الموسيقى العربية الآن وخرج إلينا عبد الحليم بعد أن أدى الامتحان وأحطنا به لنسمع منه الموازير الأولى من القطعة موضوع الامتحان ولكنا فوجئنا به يقرأ القطعة الموسيقية كلها من ذاكرته وكان لهذا فضل نجاح ستين طالبا فى هذه المادة .


وإذا كان هناك شئ يجب أن أضيفه إلى هذا كله فيهمنى أن أقول أن عبد الحليم يتمتع بموهبة كبيرة لم يستغلها حتى الآن هى موهبة التلحين ولو لحن عبد الحليم حافظ لنفسه بعض أغانيه لسمع الناس شيئا عجيبا رائعا .