خروجا عن مبادئ الإســلام دماء على جدار السلطة٢٢

11/05/2016 - 10:42:31

رجائى عطية

يقتضى الإنصاف الإقرار بأن “محمد المهدى”ابن أبى جعفر المنصور، يختلف عمّن قبله من الخلفاء، بمن فيهم أبوه.


ولكنه ليس اختلافًا بالقدر الذى كان عليه “عمر بن عبد العزيز”بين خلفاء الأمويين، ومع ذلك فإن أخطاءه أقل كثيرًا من أخطاء أبيه ومن أخطاء عمه أبى العباس السفاح، وأنه بدا منه جوانب طيبة جديرة بالتنويه.


كانت فترة ولايته التى امتدت نيفًا وعشر سنوات، من سنة ١٥٨ هـ / ٧٧٥ م
إلى ١٦٩ هـ / ٧٨٥م، فترةً سعيدةً بالقياس على ما كان قبلها، فقد بدأ ولايته بإطلاق وتحرير مَنْ سجنهم أبوه المنصور ـ ما لم يكن الحبس على جرائم دم أو جرائم إفساد فى الأرض، وأطلق العلويين الذين حبسهم أبوه، ورد إليهم أموالهم التى صادرها، وأدى إليهم الأرزاق، ورد نَسَب أبى بكرة أخى زياد بن أبيه لأمه، وأجرى إصلاحات منها توسعة الطريق إلى مكة، وحفر الآبار وإقامة الأبنية والاستراحات فيه، وبناء الأحواض التى تُمْلأ من الآبار لسقاية القوافل، والزيادة فى المسجد الحرام وإن كان قد محا اسم الوليد بن عبد الملك من حائط الحرم وكتب اسمه بدلاً منه، وتنظيمه البريد بين المدينة ومكة واليمن، وكان إلى ذلك يعنى بالجلوس للمظالم، وتقويم ما يصل إلى علمه من أخطاء، ورفع كثيرًا من المظالم، وعَيَّنَ أمناء فى الولايات ليوافوه بأخبار ومسلك الولاة، وقيل عنه إنه كان من خلقه الحياء والعفو، والجود والحلم، معظمًا للقرآن ومتأثرًا به.


ومما روى عنه أنه تلا فى إحدى صلواته “فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ”(محمد ٢٢، ٢٣)، فتذكر حبس “موسى بن جعفر العلوى”، ونغَّصه ذلك، فأمر فور انتهاء صلاته بإحضاره من محبسه، فلما جىء به إليه ـ أفصح له عن أنه يخشى أن يكون قد قطع رحمه وحبسه ظلمًا، وأبدى أنه يرغب فى إخلاء سبيله على أن يعده بألاَّ يخرج مستقبلاً عليه، فلما وعده بذلك، أخلى سبيله. وكان إلى ذلك صاحب سياسة خارجية محمودة، وفتوحات أبلى فيها بلاءً جميلاً.


الداء الوبيل، فى ولاية العهد !


على أن “المهدى”على هذه الصفات والأعمال الطيبة التى تحدث بها المؤرخون، لم ينج من جرثومة السلطة وآثارها فيما يتصل بولاية العهد، وبعض الممارسات التى تناقضت مع ما أحسن فيه التصرف.


وقد كان شريكًا لأبيه المنصور ضالعاً معه فى خلع “عيسى بن موسى”من ولاية العهد، وعقدها له، وعلى أن تكون “لعيسى بن موسى”من بعده. إلاَّ أن المهدى لم يكفه ذلك ولم يقنع بأنه فاز بولاية على حساب صاحبها، وإنما ضاق ذرعًا بأن يعود الحق إلى صاحبه من بعده، فأعاد مع “عيسى بن موسى”ذات السيرة بعينها التى سلكها أبوه لخلعه من ولاية العهد ولتخلص لابنيه موسى، وهارون.


ويروى ابن كثير، وكذلك ابن الأثير، أن محاولات “المهدى”بدأت مبكرًا لإجبار «عيسى بن موسى» على قبول خلعه من ولاية العهد، فألح عليه وأكثر الإلحاح، ولكن عيسى المقيم بالكوفة امتنع عن إجابته لما يريده، فبعث إليه “المهدى”بأحد قواده الكبار وهو أبو هريرة محمد بن فروج فى ألف من أصحابه لإحضاره إليه، ودبر معهم أن يذهبوا إلى الكوفة حاملين طبولاً بغرض استخدامها فى القرع الشديد لإفزاعه، وبالفعل فإنهم لدى دخولهم الكوفة مع مطلع الفجر ـ قرعوا هذه الطبول قرعًا شديدًا ارتجت له الكوفة، مما أفزع “عيسى”وأخافه، وقام الوفد بباقى المهمة فضغط عليه حتى ذهب معهم صاغرًا إلى الخليفة
“المهدى”.


ويروى الطبرى أن عيسى وصل إلى مقر المهدى نحو السادس من
المحرم ١٦٠ هـ، وأنه مكث أيامًا يتردد عليه دون أن يفاتحه “المهدى”فى الأمر حتى أنس به بعض الأنس، ولكن “المهدى”لم يكن ناسيًا وكان فى تدبير تذرع به لخلع “عيسى بن موسى”من ولاية العهد، فدبرَّ أنه لم يكن مقبولاً من رؤساء الشيعة، وسواء صح ذلك الزعم أم لم يصح، فإن الثابت أن “المهدى”عاجل إلى طلب العهد لابنه “موسى”، واستدار إلى “عيسى بن موسى”ليضغط عليه ـ كما جرى سلفًا فى عهد المنصور ! ـ بأن يخرج نفسه من ولاية العهد التى فى عنقه وأعناق الناس.


وروى الطبرى فى تاريخه، أن “عيسى بن موسى”أبى إجابة “المهدى”لما يطلبه ويلح به عليه، فأحضر له “المهدى”عددًا من الفقهاء والقضاة ليقنعوه بما لم يستطع إقناعه به.


ومال الفقهاء والقضاة ـ كالمتوقع ـ إلى ما طلبه منهم الخليفة، وواجهوا “عيسى”بما رأوه، وصار إلى “المهدى”ـ وفقًا لهذا التدبير ـ ابتياع ما لعيسى من بيعة فى أعناق الناس ـ بأن يؤدى إليه “المهدى”من ماله المقابل اللازم للحنث فى يمينه ؛ وهو فيما روى الطبرى عشرة آلاف درهم، وضِيَاع (جمع ضيعة) بكل من “الزّاب الأعلى”و”كَسْكر”، وقيل إن “عيسى”قَبِل، أو بالأحرى لم يجد مناصًا ولا مهربًا من القبول، بدليل أن “عيسى”ظل محتبسًا عند “المهدى”فى دار الديوان فى “الرّصافة”إلى أن صار إلى الرضا بالخلع والتسليم !


وقد وصف الطبرى تفاصيل هذا المشهد المأساوى الذى خلع به ولى العهد “عيسى بن موسى”، وبويع “موسى”ابن المهدى. ففى يوم الخميس لثلاث بقين من المحرم سنة ١٦٠ هـ ـ أذن “المهدى”لأهل بيته، وهو فى قبة كان محمد بن سليمان قد أهداها له مضروبة فى صحن الأبواب، وطفق “المهدى”يأخذ بيعتهم رجلاً رجلاً لنفسه ولموسى ابنه من بعده !


ثم إن “المهدى”انتقل إلى مسجد الجماعة بالرُّصافة، فقعد على المنبر وصعـد ابنه “موسى”إلى درجة أقل بالمنبر، ثم نهض “المهدى”ليخطب فى الناس بأن “أهل بيته وشيعته وقواده وأنصاره وغيرهم من أهل خراسان، قد أجمعـوا ـ فيما قـال ـ على خلـع “عيسى بن موسى”وتصيير الأمر الذى كان قد عقد له فى أعناق الناس، إلى “موسى”ابن أمير المؤمنين، مما رأى إجابتهم إليه ؛ لما رجا من مصلحتهم وألفتهم، وخوف مخالفتهم فى نياتهم واختلاف كلمتهم، وأن “عيسى”(الذى لم ينبس ببنت شفة) قـد خلع نفسه، وحللهم مما كـان له من البيعة فى أعناقهم، وأن ما كان له من بيعة ـ قد صار إلى “موسى”ابن أمير المؤمنين، بعقد من أمير المؤمنين وأهل بيته وشيعته، وأن
“موسى”ـ ابنه ـ عاملٌ فيهم بكتاب الله وسنة نبيه بأحسن السيرة وأعدلها”.. ثم قال
“المهدى”للناس: “قوموا فبايعوا معشر من حضر، وسارعوا إلى ما سارع إليه غيركم، فإن الخير كله فى الجماعة، والشر كله فى الفرقة. وأسأل الله لنا ولكم التوفيق برحمته، والعمل بطاعته وما يرضيه، وأستغفر الله لى ولكم”.


ثم إن “موسى”نجل الخليفة المهدى، جلس دونه، لئلا يحول بين من يصعد إليه، لمبايعته والمسح على يده!


كل ذلك ولم ينبس “عيسى بن موسى”بكلمة، وإنما كان المتكلم الوحيد هو الخليفة الذى أفضى للناس بما ساقه إليهم، وبُدِئَ فى أخذ البيعة يدًا بيد، وعيسى قائم فى مكانه،لا يتحرك ولا يتكلم، وإنما قُرِئَ عليه كتاب خَلْعِه وخروجِهِ مما كان له من ولاية العهد وأنه أحلَّ الجماعة مما كان له فى أعناقهم من بيعة، وأن ذلك قد فعله ـ فيما قرأوه ـ وهو طائع غير مُكْره، راضٍ غير ساخط، محبٍّ غير مجبر !!!


وفى رواية الطبرى أن “عيسى”أقر بما تُلى عليه، وظنى أنه لم يكن بوسعه وسط هذا الحشد المؤتمر بأمر الخليفة، إلاَّ أن يٌقر، وإلاَّ أن يصعد فيبايع “المهدى”ويمسح على يده، ولكنه فعل ذلك وانصرف لفوره، تاركًا نَصْبة الفرح لمن أقاموه!


ودعنا من باقى “الزفة”، ومن الشرط المكتوب الذى أخذه الخليفة على “عيسى”ليكون حجةً عليه، وقطعًا لأى دعوى له فى المستقبل، وقد أورد الطبرى نص هذا الشرط من أوله إلى آخره لمن يحب الرجوع إليه.


الخطأ المتكرر الذى لم يتعظ فيه أحد !


لم يتعظ “المهدى”بما أدت إليه “ثنائية”ولاية العهد من مآسٍ عانى منها أسلافه فى الدولة العباسية الوليدة، ومن سبقوهم فى الدولة الأموية التى امتدت زهاء ثمانين سنة، فنبتت لديه فكرة أن يعهد لإبنه “هارون”بولاية العهد بعد أخيه الأكبر “موسى الهادى”، ثم فكر فى تقديم “هارون”على أخيه الأكبر منه سنًّا، بسبب إيثاره إياه ومشاركة أمه “الخيزران”فى محبته وإيثاره، ومع أن “المهدى”مات قبل أن ينفذ ما عزم عليه، إلاَّ أن هذا العهد الثنائى قد فعل فعله لدى “موسى الهادى”، مثلما فعل فعله مع “المهدى”ومع أبيه “المنصور”.


وقد نجم عن هذا العهد الثنائى شر كبير بدأ فى حياة “المهدى”نفسه، وطال علاقته بابنه “موسى الهادى”، فحين عزم على تقديم ابنه “هارون”فى ولاية العهد، وبعث بذلك إلى ابنه “موسى الهادى”وهو بجرجان، لم يستجب لرغبة أبيه، فبعث “المهدى”يطلب منه القدوم إليه، إلاَّ أن “موسى”اشتط وامتنع عن الذهاب إليه، وضرب الرسول الذى بعث به!


ولم يجد “المهدى”بدًّا من أن يسير بنفسه إلى نجله، ولكنه ما إن وصـل إلى “ما سَبَذان”، حتى دخل فى وعكة شديدة انتهت بموته ؛ وقيل إنه مات مسمومًا على إحدى روايتين، تقول إحداهما أن جاريةً من جواريه أرسلت بطعامٍ مسموم إلى “ضرة”لها، إلاَّ أن “المهدى”أكل منه خطًأ فمات من ساعته، وتقول الرواية الأخرى أن جاريةً له تدعى “حَسَنة”كانت تغار من أمةٍ محظية أثيرة للمهدى، فأهدت إليها كمثرى مسمومة، فرآها “المهدى”صدفة، وكان محبًّا للكمثرى، فما كاد يتناول ويأكل ثمرة منها ـ حتى صاح من ألم السم فى جوفه، ومات.


وليس فى وسعنا أن نرجح بين الروايتين، ولا أن نفترض روايةً ثالثة استرسالاً مع ما كان قد شاع فى البيوت الملكية فى ذلك الزمان، بيد أن وفاة الخليفة على أى من هذه الروايات، يبقى علامة استفهام وإن لم ترد عليها إجابة شافية قاطعة!


وسوف نرى أن مخاطر “ثنائية”ولاية العهد، قد امتدت إلى ما بين الأخين: “موسى الهادى”و”هارون الرشيد”، وأنها تضخمت بعد ذلك بولاية العهد الثلاثيـة التى عقـدها “هارون”لأولاده الثلاثة : الأمين والمأمون والقاسم، وأدت إلى قتل الأخ أخيه، والتمثيل بجثته، وتعليقها نهبًا للكواسر، وفرجةً للناظرين، على رؤوس الأشهاد !


سقطة شديدة خارج أى سياق !


أورد السيوطى فى “تاريخ الخلفاء” ـ أن “المهدى”تتبع الزنادقة، وأفنى منهم خلقًا كثيرًا، وأنه كان أول من أمر بتصنيف كتب الجدل فى الرد على الزنادقة والملحدين.


ومن المتفق عليه أن “المهدى”كان يشتد فى تعقب الزنادقة، وظل على هذا التشدد حتى وفاته سنة ١٦٩ هـ، ومما رواه ابن الأثير فى تاريخه أن “المهدى”اشتد فى طلب الزنادقة، وقتل منهم جماعة فيهم “على بن يقطين”، وقتل أيضًا “يعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب”؛ وكان سبب قتله أنه أقر بالزندقة حين عرض على “المهدى”، فتحرج من قتله لأنه “هاشمى”، ولكنه حبسه وأقسم على نجله “موسى الهادى”أن يقتله إنْ ولى الأمر، فلما مات المهدى قتله الهادى، وكان “المهدى”قد عهد إليه أيضًا بقتل “ابن لداود بن على بن عبد الله بن عباس”لأنه تزندق، ولكنه مات فى الحبس قبل ولاية الهادى.


وليس من شك أن شيوع الزندقة، ووصولها إلى بعض أفراد البيت العباسى نفسه، كان يستلزم موقفًا حازمًا، بيد أن معالجة الظاهرة بالقتل ولمجرد الاشتباه أحيانًا، لم يكن ليقضى عليها، وإنما إلى الاستخفاء بها، وليس هذا علاجًا، بينما كان الأجدى دراسة أسبابها، وما الذى جعل الدين يهن ويضعف فى نفوس من خرجوا عنه وألحدوا، لمعالجة هذه الأسباب بما تستوجبه، ولعله كان من أسباب ذلك انحراف الحكام أنفسهم عن “مبادئ وقيم الإسلام”الذى يحكمون باسمه، وإيغالهم فى المظالم وفى سفك الدماء بغير حق !


وقد يُفَسّر موقف “المهدى”المتشدد من الزنادقة والملحدين، ما عُرِف من تدينه وتعظيمه للقرآن، إلاَّ أنه كان الأولى به أن يدرس ويفهم ويعالج حتى لا تنتشر الزندقة سرًّا، على أن هذا ليس بيت القصيد فى قصة طويت على قسوة شديدة غريبة لا تستقيم تضاعيفها مع الإسلام الذى يؤمن به “المهدى”ويعظمه، ولا مع الرحمة وأبسط مبادئ الإنسانية.


كانت النفوس قد تغيرت بين “الربيع”الحاجب المقرب إلى البيت العباسى الحاكم، وصاحب الرأى المسموع لدى “المهدى”ومن قبله لدى أبيه “المنصور”، وبين “أبى عبيد الله معاوية بن يسار”الذى صار الوزير الأول للمهدى بعد توليه الخلافة، وعهد إليه بتدبير المملكة وسلم إليه الدواوين، وكان مشهودًا له مقدمًا فى ذلك، وكانت العلاقة بين الرجلين : “الربيع أبو الفضل”و”أبى عبيد الله معاوية بن يسار”علاقة جيدة فى خلافة “المنصور”، وروى الطبرى وابن الأثير سبب حصول الجفوة بينهما وما نجم عنها ـ فى أحداث سنة ١٦١ هـ، فأوردا أن “الربيع”كـان بمكـة عند وفاة “المنصور”، وبايع “المهدى”من هناك، ثم قدم إلى لقائه بدار السلام ـ بغداد، ولكنه ارتأى قبل أن يلاقيه أن يقابل أولاً “أبا عبيد الله”، فاستأذن عليه , وكان معه ابنه
“الفضل”, إلاَّ أن “أبا عبيد الله”أبطأ طويلاً فى الإذن له , ولم يأذن له إلاَّ بعد صلاة العشاء , فلما راما الدخول , قال الحاجب للربيع : إنما استأذنت لك يا أبا الفضل وحدك , فطلب إليه أن يبلغ “أبا عبيد الله”أن ابنه “الفضل”معه , فأذن لهما , بيد أنه لم يحسن استقبال “الربيع”بما يليق بمكانته , فلم يقم له , وظل متكئا , وتركه يجلس على البساط , ولم يُقْبل عليه , وأراد “الربيع”أن يذكر له ما كان منه فى أمر البيعة بمكة , فأعرض “أبو عبيد الله” عن سماعه، وصادر عليه بأن النبأ قد بلغه , وقد زاد من حرج “الربيع” من هذا الأسلوب فى معاملته أن ابنه “الفضل”كان حاضرًا معه , ورأى هذا المشهد يجرى أمامه , فخرج “الربيع”وهو موغر الصدر , وقال لابنه “الفضل”: “والله الذى لا إله إلاَّ هو لأخلعن جاهى ولأنفقن مالى حتى أبلغ من أبى عبيد الله”.


ويبدو أن “الربيع”لم يجد مدخلاً ميسورًا للكيد لأبى عبيد الله لدى “المهدى”, لأنه كان حاذقًا فى صناعته , ومن أعف الناس وأبعدهم عما يكرهه الخلفاء من وزرائهم , بيد أنه كان من دهاء “الربيع”وسعة حيلته، أنه توسل للضرب فى “أبى عبيد الله”من خلال ابنٍ له متهم فى دينه , مستغلا كراهية “المهدى”للزندقة والزنادقة , فما زال
“الربيع” يسعى ويحتال حتى استحكم عند “المهدى”ـ الظن بمحمد ابن أبى عبيد الله , وأمر بأن يحضروه إليه.


ويروى المؤرخون أن “أبا عبيد الله”كان حاضرًا مجلس “المهدى”حين
عرض عليه ابنه “محمد”, وأن المهدى أمر ابنه بأن يقرأ , فاستعجم عليه القرآن، فالتفت “المهدى”إلى أبيه , سائلاً :


ألم تعلمنى يا معاوية أن ابنك جامع للقرآن , فأجابه الأب بأنه فارقه منذ سنين , وأنه يبدو أنه حين نأى عنه نسى القرآن.


ومع أن غاية حجة الخليفة أن تكون على الابن الذى استعجم عليه القرآن , وهذا هو ما يأمر به الإسلام ويأمر به القرآن الذى يقول :”وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ”
(الإسراء ١٣)، وأَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، إلا أن “المهدى”التفت إلى الأب, وأمره قائلا : “قمْ فتقرّب إلى الله فى دمه”.


ويقول الرواة إن الرجل قام لينفذ أمر الخليفة بأن يقتل ابنه بيده , ولكن الرجل ما كاد ينهض لإنفاذ أمر الخليفة حتى وقع , وعند ذاك أخذت الشفقة “العباس بن محمد”وكان حاضرًا , فقال للخليفة على استحياء : “يا أمير المؤمنين إن شئت أن تعفى الشيخ !”ـ وما نظن أن ملاحظة فداحة أن يقتل الأب ابنه بيده , كان يحتاج إلى وساطة تبذل على استحياء للخليفة الذى لم يستوقفه أن الإنسانية لا ترتضى ذلك, وأن القرآن الذى يعظمه الخليفة ينهى عن ذلك، وأن الإسلام الذى يحكم باسمه لا يرتضى ذلك , بل وحض على آداب الذبح الحلال للطيور وبهائم الأنعام , مما لا يستقيم معه أن يأمر الأب بقتل ابنه بيده , وبمجلسه وعلى مشهد منه !


وإذ استجاب الخليفة لمرحمة أو شفاعة “العباس بن محمد”، إلاَّ أنه لم يرجئ قتل الابن, وكان ذلك فى وسعه دون أن يحتسب ذلك تفريطًا فى التشدد الذى التزم به إزاء الزندقة والزنادقة , إلاَّ أن “المهدى”أمر لفوره ـ بمحضر الأب ـ بضرب عنق الابن , وقد كان!


على أنه يبقى فى هذه القصة الغريبة , أن الاستعجام فى تلاوة القرآن ليس حجة على الزندقة أو الإلحاد , فهناك من خيار المسلمين من لا يتقنون التلاوة لعيب فى النطق أو فى اللسان , أو لعدم الإلمام الكافى بعلامات المصحف وعلامات الوقف والابتداء , ومن ثم فإن الخليفة أدان الابن بالزندقة على غير بينة كافية , ودون أن يناقش الابن فى الدين ليستظهر حاله , أو يسمع دفاعه , أو يستشهد عليه بمن يشهدون فى حقه بالزندقة والإلحاد !


ويتضح من ذلك , ومن الأمر إلى الأب بأن يقتل ابنه بيده ـ أن ممارسة الخليفة نفسه لسلطانه , أبعد ما تكون عن الإسلام ومبادئ الإسلام وأحكامه وقيمه.


النكاية تبلغ مداها !


على أن هذه النكاية المرسومة بدهاء , والتى نكبت الأب , لم تقتصر على هذه المحنة , فاستكمل “الربيع”كيده للوصول إلى بغيته بتنحية “أبى عبيد الله معاوية بن يسار”عن منصبه , فأوعز للخليفة أن الأب قد صار خطرًا عليه , فقد أحفظه وقتل ابنه, وأنه لم يعد محل ثقة , ولا يؤمن جانبه، فاستوحش “المهدى”من الرجل , وعزله, فبلغ “الربيع”ما أراد , واشتفى وزاد , وقامت الواقعة شاهدًا على آثار الاستبداد الذى سلكه هؤلاء الحكام , وجعلوا فيه آذانهم صيدًا لكل صاحب غرض , وأفرطوا فى التغوّل على حقوق الناس , وعلى دمائهم , على غير سنن الحق والعدل والإنصاف , وخلافًا لمبادئ الإسلام الذى يتشحون به , ويتخذونه تكئةً لحكمٍ خرجوا فيه عن مبادئه!


محنة الفقيه المتصوف سفيان الثورى !


ومن المفارقات المؤسفة المتكررة , أنه رغم تعظيم الإسلام للعلم والعلماء , فإن بعض الحكام لم يتحرجوا من إهانة أهل العلم والفقه والعصف بهم , وقد رأينا ما كان من أمر المنصور مع الإمام أبى حنيفة النعمان , ومع الإمام مالك , وكان من ذلك ما تعرض له سفيان الثورى الفقيه المتصوف ـ الذى تعرض لمحنة بدأت مع المنصور ذاته , وامتدت إلى عهد ابنه “المهدى”. وسفيان الثورى من كبار الفقهاء فى عصره وفى كل عصر , وكان معاصرًا لأبى حنيفة ومالك , ( ٩٧/١٦١ هـ ) وكان صوفيًّا لا مطامع له , ولا يُخْشى منه بأس , وكان لعراضة علمه وفقهه يطلق عليه “أمير المؤمنين فى الحديث”, وكان فى الجملة صورة مثالية من الطراز الأول للشخصية الإسلامية.


وكان أبو جعفر المنصور يضيق بشجاعة سفيان الثورى وصراحته فى الحق , وأوشك أن يرتكب إزاءه أمرًا فى غاية الحمق والرعونة لو تم لوصمت الدولة العباسية كلها بوصمة خزى هائلة!


فقد كان المنصور يطلبه حتى أعياه , فلما خرج المنصور إلى مكة , بعث إلى الخشابين بأن “يصلبوا”سفيان الثورى إذا رأوه , وقيل إن النجارين نصبوا الخشب فى البيت الحرام , وجعلوا يبحثون عن سفيان , وكان مستخفيًا , وخشى رفقاؤه أن يفتضح أمره ويعثروا عليه فيصيبهم من ذلك ضر، فقالوا له : “يا أبا عبد الله ! لا تشمت بنا الأعداء”.


ويقال إنه تقدم إلى أستار الكعبة , ثم دخلها وأخذ بها , وطفق يدعو الله دعوة صادقة أن ينقذه مما يدبره المنصور له , وقد حال الموت بين المنصور وما يريده، فمات قبل أن يدخل مكة. أما “المهدى”, فقد بدأ بمحاولة استمالة سفيان الثورى وضمه إليه , إلاَّ أن الفقيه المتصوف لم يستجب , مما أحفظ الخليفة عليه , ويروى المؤرخون مشهدًا وقع بينهما حين استدعاه المهدى بعد استخلافه , ودار بينهما حوار لم يكن فى مجمله على ما يحبه الخليفة , وكان أن طلب سفيان الثورى أن يؤمّنه الخليفة ويأذن له بالكلام , فأذن له وأعطاه الأمان , فقال له سفيان : “لا تبعث إلىّ حتى آتيك , ولا تعطنى شيئًا حتى أسالك” فغضب “المهدى” من ذلك غضبًا شديدًا وهَمَّ به, لولا أن كاتبه ذكرَّه بأنه أعطاه الأمان. إلاَّ أن
“المهدى” لم يهن بعد ذلك فى طلبه , حتى لم يجد الإمام الفقيه أمامه إلاَّ أن يستخفى هنا وهناك فى بقاع الأرض, حتى لاقى ربه.


ومن الغريب , أن يُطَارد أهل الفقه والعلم هذه المطاردة , من حكام دولة تتشح بالإسلام ومبادئه وقيمه , بيد أن ممارسات السلطة كانت تستسيغ ما تريد , حين تريد, فكان ما رأيناه وسوف نراه من ممارسات خرجت عن قيم ومبادئ الإسلام.