نادر حليم جريس.. الطبيب مصرى .. والتكريم يابانى!

11/05/2016 - 10:38:45

  أكرم السعدنى أكرم السعدنى

بقلم - أكرم السعدنى

من حسن حظى فى الحياة أننى تعرفت وتشرفت باثنين من الأطباء كان كل واحد فيهما علامة على عصره وعبقرى فى مجاله وصاحب مدرسة تخرج فيها عشرات النوابغ والأفذاذ الأول هو عمى وتاج رأسى الدكتور حليم جريس قدس الله روحه، كان جراحاً عبقرياً جعل من مستشفى الإنجلو بإمكانياته التى كانت متواضعة كعبة لهؤلاء الذين يبحثون عن علاج وعن مشرط يزيل الألم والورم ولا يجرح الجيوب، أما الثانى فهو الدكتور فايز بطرس قدس الله روحه الرجل الذى تولى مهمة الإشراف الطبى على الولد الشقى والأسرة السعدنية بأكملها لأكثر من عقدين من عمر الزمن


ويا سبحان الله يكتشف السعدنى الكبير عن طريق المصادفة أن حليم جريس يمت بصلة قرابة إلى فايز بطرس، فهما ابنا خالة فرقت بينهما الأيام فاتجه الدكتور فايز ليبحث عن مستقبله فى عاصمة الضباب، واستطاع أن يصبح محل تقدير واحترام كل العرب لدرجة أنه أصبح الطبيب المعتمد لدى ولى العهد السعودى فى تلك الأيام عبدالله بن عبدالعزيز والوفد المرافق له كلما زار المملكة المتحدة.. وإذا كان حليم جريس قد غادر دنيانا منذ سنوات طويلة فإنه فى الحقيقة قد ترك وراءه من صالح الأعمال ما يجعلنا ندعو له جميعا، وفوق ذلك فإن صدقات الرجل لاتزال شاهدة على حسن صنيعه مع خلق الله، أما أجمل ما ترك خلفه عمنا الدكتور حليم جريس فهو ولده الصالح الذى يدعو له ويستكمل مسيرة عطائه النبيل التى لم تشمل هذا البلد العظيم وحده، ولكن امتد أيضا ليتواصل مع كل عابر ومقيم من أحباب القاهرة، سواء من الأشقاء العرب أو الضيوف الأجانب، وقد كانت المرة الأولى التى وقعت عيناى على الدكتور نادر حليم جريس .. عندما تعرضت شقيقتى الكبرى هالة لأزمة صحية اكتشفنا أن سببها تضخم حاد فى الغدة الدرقية، وكانت هالة قد بدأت عملها مذيعة فى التليفزيون المصرى لسنوات ليست ببعيدة، وعندما استسلمت لمشرط الجراح الكبير حليم جريس كان ولده الدكتور نادر متواجدا ونظر إلى تشعب الورم والتفافه حول الأحبال الصوتية.. ثم قال لوالده: ح نشتغل إزاى دى المسألة معقدة جدا؟! فأصر الوالد على استكمال مهمته ولكن الدكتور نادر يومها قال: دى مذيعة وأى لمسة للأحبال ح تفقد رأس مالها .. وهنا قرر الدكتور حليم أن يعمل بمفرده وأمضى ثلاث ساعات ونصف الساعة يعمل وحده حتى انتهت المهمة بسلام.. وجلس الولد الشقى رحمه الله والدكتور حليم جريس قدس الله روحه والدكتور نادر متعه الله بالصحة.. وشخصى الضعيف .. فإذا بالدكتور نادر الذى يعرف السعدنى تماما من خلال كتبه ويعشق روحه الساخرة.. خاطب السعدنى بنفس الأسلوب وقال: ياعم محمود أنا لو منك ماكنتش عملت العملية دى لبنتى أبدا - وأضاف الدكتور نادر - بالطبع بعد أن اطمأن السعدنى على صحة هالة - أنا هربت من غرفة العمليات، ويضحك الدكتور حليم ويقول لو نسبة نجاح المريض واحد فى المية.. أنا ح أجرى ورا النسبة دى، ومن خلال التجربة الطويلة مع حليم جريس تعلم بشكل عملى الدكتور نادر على خوض التجربة وتحدى المخاطر والاعتماد على الله أولا ثم على القدرة والمهارة بعد ذلك.. وفى الأسبوع الماضى كان لعطاء هذا الطبيب الإنسان أن يتوج بأرفع الأوسمة ومن قبل الحكومة اليابانية وهو الوسام الشهير.. وسام الشمس المشرقة لعام ٢٠١٦ فقد أعلنت الحكومة اليابانية عن أسماء الحاصلين على هذا الوسام من الأجانب وعددهم ٩١ مكرماً من بينهم تقلد الوسام الدكتور نادر حليم جريس قلدس الرئيس الفخرى لجمعية مستشفى الأنجلو أميركان ونائب رئيس مجلس الإدارة ورئيس قسم الجراحة وذلك لإنجازاته، التى ساهم بها فى تحسين الرعاية الصحية لليابانيين المقيمين بجمهورية مصر العربية .. أما هذا الوسام فيمنح لمن قام بإنجاز بارز تجاه الدولة أو المجتمع، وقد رشح الدكتور والجراح المصرى الكبير لهذه الجائز ة بعد أن قام بالفعل بإسداء خدمات طبية ورعاية فائقة لضيوف مصر من اليابان.. ومنذ بداية الثمانينيات من القرن الماضى، وحتى يومنا هذا بلغ عدد المترددين على مستشفى الأنجلو من رعايا اليابان خلال هذه الفترة ما يزيد على الألف شخص.. وهو الأمر الذى اعتبره مركز الثقافة والإعلام بالسفارة اليابانية مصدرا للأمان وركيزة أساسية يعتمد عليها اليابانيون المقيمون بجمهورية مصر العربية، وبالتأكيد الدكتور الفاضل نادر حليم جريس شأنه شأن والده الراحل لم يسع يوما وراء الدعاية أو الظهور الإعلامى ولم يسلط أحد عليه أى ضوء من أى نوع، وكانت أعمال الدكتور حليم جريس هى خير دعاية له.. فقد كانت أبواب المستشفى مفتوحة دائما لكل صاحب حاجة طبية، وكان الطبيب الكبير القلب يجرى جراحات شديدة الدقة للبسطاء والفقراء ويمنحهم إقامة مجانية ورعاية طبية لا تختلف على الإطلاق لهؤلاء القادرين، وعلى غرار المستشفيات الكبيرة فى بريطانيا هناك ثلاثة أجنحة فى المستشفى جناح للقادرين وجناح لأصحاب الدخول المتوسطة وعنابر وحجرات لهؤلاء الذين كان يحرص الدكتور حليم جريس على أن يلقوا كل رعاية دون أن يجرح شعورهم.. وعلى هذا الطريق سار الدكتور نادر حليم جريس.. بل وأشهد أنه درب ابنه «حليم» الوافد القادم من هذه العائلة الطبية النابهة على أن يكون حامل الشعلة والحافظ للمسيرة وللسيرة أيضا.. عمنا الدكتور نادر حليم جريس الطبيب الشهير الذى لم يتأخر ذات يوم عن محتاج أو مريض ولم يقصر أبدا فى أداء مهمته الإنسانية تجاه خلق الله أسعد كل أحبابك ومرضاك وأصدقائك ومريديك. إن رحلة العطاء العظيم كان لها أن تأتى بأجمل الثمار.. من خلال هذا الوسام اليابانى..


وإن كنت أتمنى أن يأتى التكريم من هذه الأرض الطيبة المباركة التى عشنا عليها آلاف السنين لم تفرق فيها بين أحد من أهلها وتعانق فيها الصليب والهلال تماما كما كان مستشفى الأنجلو نموذجا مصغرا من المحروسة الشقية البهية مصر.. فيها لم يعرف مشرط الجراح فرقاً بين من يتجه إلى السماء بأى ديانة، ولكن كان الجميع محل رعاية باعتبارهم أبناء لهذه الأرض التى علمت الإنسانية الحضارة والسماحة، بارك الله فى كل أبناء مصر المخلصين..