منتهِى الصلاحية

11/05/2016 - 10:00:04

أحمد سعدة

فى «نص الليل».. تتهيأ القلوب للشكوى والبوح بما فيها، وترسل أوجاعها إلى السماء، بعد أن يئست من رحمة أهل الأرض.. «المصور» تحاول أن تشارك قراءها هذه الآلام وتلك الاعترافات وتقدم لها الحلول


يسألنى الجميع عن أزمتي، وأتساءل أنا: إلى متى سأظل أتحامل على نفسى وأتقبل دور الضحية الصامتة؟ .. عشت ماضيًا كاذبًا، سقطت صورته أمام عينى فى ثوانٍ معدودة، وسقط معه كل ما رسمته لحياتى من أفكار ساذجة عن الحياة والكفاح والحب.


أنا امرأة عاشت تتباهى بوهمٍ كبير أمام نفسها إلى أن انتهى وقت الخداع، وأصبحت فى مواجهة حقيقية وحاسمة أمام نفسها والواقع.


حينما انتصر الحب وتزوجت بإمكانيات بسيطة جدًا كنت فى قمة سعادتى .. تجاهلت همسات الجميع من الأقارب والمعارف الذين رفضوا فكرة أن أعيش فى شقة إيجار جديد، حجرة واحدة وصالة صغيرة وأثاث بسيط .. لكنها كانت جنتى التى عشت فيها أسعد أيام عمرى سنوات صافية لا طعم فيها إلا للسعادة والهناء والحب والضحكات.


كنا ننام ونصحو ونقرأ ونحب ونستمتع بمشاهدة فيلم - كل هذا فى حجرتنا- التى لا تروق للجميع .. منحنى السعادة جرعات وحاولت جاهدةً أن أسعده .. ما أحمق البشر حين يتمردون على واقع جميل !!


ورزقنى الله منه بطفل اكتملت به سعادتنا .. وبعد خمس سنوات من زواجنا قام زوجى بتأسيس مكتب صغير للاستيراد والتصدير مع أحد أصدقائه .. لم نكن نملك شيئا، لكنى كنت أثق فى ذكائه وفطنته وتميزه، واتفق معى على أن تكون حصته فى هذا المكتب باسمى لأنه يتفاءل بى دائما.


وأصبح زوجى يعمل ليل نهار .. وبعد سنة واحدة صار المكتب الصغير شركة كبيرة، وكانت نقلة كبيرة فى حياتنا انتقلنا معها لشقة جديدة فى منطقة راقية .. واشترك لنا فى نادٍ طالما رفضت الذهاب إليه على عضوية الصديقات لأنى أراه ترفًا مبالغًا فيه، ووقتى أثمن من أن أقضيه فى النوادي.


صحيح أنه أصبح مشغولا عنى وأنه فقد كثيرًا من رومانسيته معي، ولم نعد نجلس أمام فيلم السهرة كما كنا نفعل، وما عاد يقف معى فى المطبخ لإعداد الطعام، وما عاد يداعبنى ويلاطفني، لكنه حبيبى .. سعيدة أنا بنجاحه وأحب حتى انشغاله عنى ما دام سعيدا.


وتوالت نجاحاته، وأهدانى فى عيد ميلادى مفتاح سيارة جديدة، لتصبح لدى سيارة خاصة، رغم أن سيارته قديمة .. كم هو جميل !!


وألحقنا ابننا فى مدرسة أجنبية، وكنت حريصة على أن أبدأ أنا الأخرى فى دورات لتعلم الإنجليزية من أجل ابنى .. وتوالت قفزات زوجى ونجاحاته، واستقال من عمله الحكومي، وأصبحنا زوجين لامعين فى المجتمع .. وأصبحت أنا المحظوظة التى لم تتخلَ عن الحب، فحصدت الحب والمال والمركز والابن الجميل .. كل هذا دفعة واحدة.


لم أتدخل أبدا فى شئون عمله ربما لثقتى المطلقة فيه، وربما لأننى امرأة غبية .. وزيارتى الأولى لعمله كانت مع أخى الأصغر الذى توسطت له للعمل فى شركة زوجي.


كان سعيدا بزيارتي، ولم يرد طلبى فتم تعيين شقيقى فى نفس اليوم .. فى البداية كان أخى سعيدا ومنبهرا بزوجى فائق الذكاء، وتوطدت علاقتهما وصارا صديقين خلال أشهر قليلة، وأصبح أخى ذراعه الأيمن الذى يفوض إليه معظم الأعمال.


وبعد فترة ترك أخى العمل بعد مشادات ومشاكل بينه وبين زوجى .. وحاولت التدخل لإقناعه بالعودة للعمل، لكنه فاجأنى باعترافات صادمة عن زوجي، حبيبى المكافح، والد ابنى الوحيد الذى يستغل علاقات عمله القديم فى استيراد وإدخال سلع وأطعمة منتهية الصلاحية .. وأن كل ما نحياه كذبة، وأننا نأكل ونخرج ونعيش من مالٍ حرام.


وهددنى أخى بأنه سيبلغ الشرطة عن فساد زوجى .. فى البداية لم أصدقه واتهمته بالحقد على زوجى والغيرة من نجاحه وطلبت منه أن يترك العمل فى هدوء .. وترك شقيقى العمل فعلا، لكنه ترك عندى ألف سؤال.


ولأن الفاسدين يتركون دائما آثار فسادهم، كان سهلا على التأكد من صحة ما قاله شقيقى عن طريق بعض التدقيقات والتفتيشات البسيطة فى أوراق زوجي، والتنصت على مكالماته ورسائله.


وللأسف .. فإننى اكتشفت صدق كل ما قاله أخى .. وبعدها عشت وحدة موحشة وصارت حياتى رديئة جدا .. وأصبحت أفحص تاريخ الصلاحية المكتوب على أى شيء أشتريه، بل أصبحت لا أشترى إلا السلع والمنتجات الطازجة بعد أن أصابتنى حالة من التوجس سببها زوجي.


وأدركت بعد ذلك السبب الذى دفع زوجى ليكتب حصته باسمى أثناء فترة عمله الحكومي، وهو أن لوائح وقوانين العمل تمنع من أن يكون له نشاط آخر .. كما أدركت أيضا أنه بعد استقالته من وظيفته الحكومية قام بنقل ملكية الشركة باسمه بموجب توكيل رسمى عام كنت قد حررته لصالحه.


وحين واجهته وأنكر، تركته لنفسه أياما ربما يتراجع، لكنى أعرف أن الرجوع صعب، كما أن استمرار حياتى معه بعد ما عرفته صعب، وبعدى عنه أصعب الصعاب.


فأنا سيدى لم أترك فى جدار حبى له أية نافذة أو حتى ثقب يطل منه شعاع اختيار .. أحببته، واستسلمت لحبه وسعدت به، وصرنا واحدا، فكيف لى أن أعيش نصف إنسان؟


أنا حائرة، ولا أملك من القوة ما يجعلنى أفضح فساد زوجي، وأضعه فى قفص الاتهام بين المجرمين بعدما أصبح واحدًا منهم .. ولا أملك من الضعف ما يجعلنى أواصل الصمت وأقبل الحياة مع إنسان فاسد ومخادع .. فهل عندك نصائح أو حلول؟


الــــــــــــــرد


إن الحلول ليست عندي، ولكنها عند مباحث التموين .. وستكون حلولًا مقنعة أكثر من أى نصائح ترغبين فى سماعها مني.


أنتِ الآن تتسترين على مجرم، وربما قاتل يموت بسببه أبرياء .. اتركى أخاكِ ينفذ تهديده بإبلاغ الشرطة، ولا تخافي، فرجل كزوجك مستعد للحظة كهذه، وسيخرج منها كالشعرة من العجين .. لكن على الأقل سيبدأ فى مراجعة نفسه وإعادة حساباته.


أما لو أن حكاية السيارة الحديثة والشقة الراقية والنادى والمدرسة الأجنبية وحياة الرفاهية قد أعجبتك، فذاك شيء آخر، لكن ستدفعين ثمنه من عذاب الضمير وانعدام راحة البال.


وأعرف أنك تحبين زوجك، لكن الحب ليس عذرًا فى ألا نتصرف بمسئولية وشرف تجاه أنفسنا، وتجاه المجتمع الذى نحيا فيه .. وإذا كانت نيتك هى التستر على البيه المحترم، فلم يكن هناك داعٍ من الأصل لرسالتك.


والحب الحقيقى قد يكون فى حياة بسيطة عادية، لكن يشعر فيها الإنسان براحة العقل واطمئنان القلب وسعادة الروح والجسد، وهكذا كانت حياتك .. أما الآن، فقد انتهت صلاحية حبكما فى اللحظة التى سقط فيها قناع الشرف عن زوجك، تماما كصلاحية السلع التى يستوردها.


وبالطبع، فإن خراب بيتك وانهيار حياتك جريمة، لكن استمرار زوجك فى تقديم السم للناس فى أطعمة معلبة بمثابة جريمة أكبر .. ومسئوليتك هى إيقاف هذه الجريمة الكبرى بأن تمتنعى عن استخدام السيارة وارتياد النادي، وتلوحى بطلب الطلاق، وتضعين زوجك تحت الحصار والتهديد والمراقبة.


إن شهوة الثراء السريع هى التى تقود زوجك وتدفعه بجنون فى طريق منحرف .. ولن يعود لصوابه إلا حينما يهدده القلق، ويشعر بأنه يخسر فى بيته وفى حبه وفى راحته.


إن نظرة السعادة التى رآها فى عينيكِ حينما أهداك السيارة أفقدته عقله، وجعلت الأموال التى يكسبها بطريقة غير مشروعة العقل الذى يفكر به .. وقد حان دورك لتغيير هذه النظرة، واستبدالها بنظرة غضب ولوم وعنف ترد إليه عقله من جديد.


وأنا أثق أن فى يديكِ الكثير لتفعليه .. لكن صمتك أمام ما يفعله، سيحولك إلى شيطان أخرس يرتكب جريمة فى حق نفسه، وفى حق بيته، وفى حق المجتمع.