.. وتعطلت لغة الكلام

11/05/2016 - 9:54:29

  حمدى رزق حمدى رزق

بقلم - حمدى رزق

من يستمع إلى الرئيس عبد الفتاح السيسى فى كلماته الأخيرة يفتقد بالكلية طلّة المشير عبد الفتاح السيسى، الأخير (المشير) رغم سمته العسكرى الصارم، كانت لغته طيبة، ناعمة، هادئة، تعطى رونقا لشخصية قادمة من عالم طيب، ترد التحية بأحسن منها، وتتعطف فى الأخير على الشعب، أنتم نور عينيا، وهذا الشعب لم يجد من يحنو عليه.


ملك المشير القلوب جميعا إلا من كان فى قلبه مرض، والغرض مرض،  ونال شعبية مستحقة، يستحقها على موقفه الصلب فى قلب شعبه ضد الاحتلال الإخوانى الغاشم، والرئيس السيسى يذكرنا بشيء من هذا فى عيد حصاد القمح فى الفرافرة تحت عنوان، اللى وقف يوم ٣ يوليو مبيخافش.


نحن شعب تؤثره الكلمة الحلوة ، تملكه بكلمة، وتؤثره بلفتة، وتملك قلبه بمعروف، شعب طيب لم يجد من يحنو عليه فعلا، والطريق إلى قلب هذا الشعب ليس معدته بل كرامته، وكرامة المصرى هى أغلى مايملك، والكرامة الإنسانية قبل الخبز أحيانا، تحسبهم أغنياء من التعفف.


المشير السيسى كان موهوبا فى خطاب الشعب، يصل إليهم سريعا، ينفذ إلى قلوبهم بكلمات طيبات، ويستحوذ على مشاعرهم ببساطة وعفوية العبارة ولمحة الحزن التى تلوّن قسمات وجهه، وما يحمله من آمال عريضة للبسطاء، فى هذا السياق الإنسانى أحبه العاديون وفى القلب منهم النخب، وكافأه الطيبون بأغلبية فى الانتخابات الرئاسية، كانت نزهة خلوية أو قل استفتاء على جدارة شخص المشير بشغل منصب الرئيس .


رويدا رويدا وخطبة وراء خطبة، وكلمة وراء كلمة، تحول الخطاب العاطفى  المحبب إلى خطاب رئاسى  جامد جاف قاس أحيانا، تظهر فى جمله « خنقة « وفى عباراته  « غضبة « وبين فقراته رسائل مبطنة» ميصحش كده « ، رسائل بعلم الوصول.


أخشى افتقاد الخطاب الرئاسى عاطفيته، ورقته، وصار خطابا رئاسيا خانقا، خنيقا، فانفض الناس من حول الخطاب، أخشى كلما خطب الرئيس أو تحدث من مغبة توتر تجتاح الشارع السياسى، أصبح الخطاب مشفرا ملغوما بالقلق،  تحتاج إلى خبرة نادرة فى علم الكلام وتحليل المضون لفك الشفرات وتحليل الرسائل، خطابات ثقيلة على القلب، محيرة للعقل، لم تعد تشع سطورها بروحه الطيبة، وكأن من يكتبها مسكون بالمؤامرة، أو يخشى من مجهول.


حقا وصدقا، كان الله فى عونه شايل شيلة وحشة، وورث تركة ثقيلة، ويحكم بلدا ممزقا سياسيا، ومنهارا اقتصاديا، محاصرا دوليا، مهددا داخليا « معسكرات العدو دلوقت جوه البلد «،  وطن على شفا جرف هار، إن أخذنا على يديه نجا ونجونا معه، وإن شاء الله من الناجين، حفظ الله مصر وشعبها وجيشها .


معلوم كل بنى آدم له طاقة فى الاحتمال، ولايكلف الله نفسا إلا وسعها، ومخزون الصبر قد ينفد، والرئيس فى النهاية بشر، إنسان، يحزنه  النكران، ويؤلمه التقول والاجتراء والافتئات، ولكنه رئيس، مهضوم أن يكون هذا شعور الإنسان إذا كان إنسانا عاديا ولكن إذا كان رئيسا فهذه قضية أخرى.


هنا يجب توقف الرئيس ليتبين فقرات وجمل وتعبيرات خطاباته الأخيرة ، لعل وعسى يعود إلى خطاباته الأولى بشيء من التنقيح الصريح تستوجبه التحولات السياسية التى تعصف بالبلاد دون أن يفقد الطريق إلى قلوب الناس، بالحسنى وزيادة   .


جمل الحمول، والحمل ثقيل، ربنا فى العون، لن يعين الرئيس  على كل هذا بعد توفيق الله سبحانه وتعالى، وحسن اختيار طواقم معاونيه وشخوص حكومته، ورؤساء أجهزته،  إلا استعادة الرئيس للغة خطاب المشير، يعود سيرته الأولى قبل عامين، قبل ٣٠ يونيه، عندما كان حبيبا للكل، وصديقا للكل، ويفتح أبوابه للكل، لم يكن يفرق بينهم، بل يجمع شتاتهم، لم يقطع وصلا، ولم يتأخر  فى اتصال، ولم يمارِ فى حق يعتقده، وحمل رأسه بين كفيه عازما على إنقاذ البلاد من حرب أهلية ضروس ما كانت تبقى ولا تذر.


عشمى محبا أن يراجع  الرئيس  مفرداته الأخيرة فى خطبه الأخيرة بأريحية، وشموخ، وشمم، وإذا تبين صدق ما نقول، وتعطلت لغة الكلام كما يقول أمير الشعراء أحمد شوقى ، فليغير فى خطابه ما استطاع إليه سبيلا، وإذا حدثت أخطاء فى الممارسة السياسية أو إجحاف، أعتقد واثقا من سعة أفقه، أنه لن يكابر، ولن يتعنت، ولن يمنعه ضيق صدره ، صار صدره ضيقا حرجا، ولن يجد غضاضة أن يطبطب، ويبلسم، ويشجع، بل ويعتذر، كان الرئيس كبيرا بل كبير جدا وهو يعتذر للمحامين، وجميلا بل جميلا جدا وهو يطيب خواطر الطيارين، وملهما وهو يستميح أخوة الوطن فى قلب الكتدرائية عذرا على التأخير فى إعمار الكنائس التى حرقها الإخوان المجرمين، لذا تعلقت الأنظار بطلة هذا الرجل  المحترم، وتعلقت القلوب  بهذا الرجل الطيب، ورغم أن طيبته وأخلاقه ورقته لم تعجب من فى قلوبهم مرض، إلا أن هذه الصفات الطيبة كانت رسوله إلى المعارضين قبل المؤيدين.


صحيح لا يزال الرجل على حسن أدبه وأخلاقه العالية ولا يغلط فى أحد، ولكن هناك لغة أخرى مرذولة يصوغها آخرون للرئيس. ورسموا للسيسى صورة غير الصورة البهية، ولسانا غير اللسان الحلو، ولهجة مغايرة غير اللهجة الطيبة، غادر الرئيس لغته هو ومفرداته هو  وألفاظه هو، صارت خطبه خشبية، جافة، رقمية، لغة متحدية، إحنا مبنخافش، ومخفناش، يقينا هذه لغة غريبة على خطاب الرئيس.


لماذا تغيرت لغة الرئيس ؟!.


سؤال لا أملك الاجابة عنه من موقعى البعيد جداً من الرجل، لا أراه إلا وسط الجموع، سؤال يملك الإجابة عنه الرئيس، وعلى سيادته أن يراجع سلسلة خطبة الأخيرة وكلماته المناسباتية، اللغة تغيرت من النقيض إلى النقيض، من الطبطبة إلى التهديد، من الرقة إلى الجفوة، ومن العطف إلى القسوة، حتى قسمات وجه الرئيس منقبضة، غابت الابتسامة التى كانت تلون طلته، صار عبوسا.. إن بعد العسر يسرا، وبشّر الصابرين. 


 اعلم أن لا أحد يرسم صورة الرئيس، وهو أصلا لا يتكلف ولا يعمد إلى رسم صورة  بالألوان الصناعية، ومعلوم اللى فى قلبه السيسى على لسانه، ولا يجيد الإخفاء والتمويه رغم أنه رجل مخابرات، واعلم أنه هو من يكتب خطاباته بقلمه، وكل محاولات الكتابة إلى سيادته لم ترق إليه، ويفضل أن يكتب حروفه بنفسه، ويجسد هو أفكاره على الورق قبل أن ينحيها جانبا فى استطرادات شفاهية كانت أفضل تجلياته السياسية .