في ذكراه : العملاق محمود مرسى

09/05/2016 - 10:44:12

عاطف بشاي عاطف بشاي

بقلم : عاطف بشاي

أخيراً يا "بشاي" هكذا جاءني صوته العذب الحنون عبر أسلاك التليفون حينما وافق على أداء دوره في مسلسل "وهج الصيف" الذي كتبت له السيناريو والحوار عن قصة لأسامة أنور عكاشة وإخراج هشام عكاشة تلميذه الصغير أيضاً .. فمنذ تتلمذى على يديه بمعهد السينما ، ولمدة أكثر من عشرين عاماً وأنا أتحرق شوقاً أن يجسد لي شخصية درامية اكتبها على الورق ليبث فيها من روحه الآسرة ، وحضوره الطاغي، وأداءه الباهر، حياة تدب على الشاشة، وقيمة تثري حياتنا الفنية، ذلك أنه كان قد رفض الكثير من السيناريوهات التي أرسلتها له على مدى هذه السنوات الطوال لأسباب مختلفة فكرية أو فنية أو إنتاجية .. فكانت فرحتي طاغية بموافقته الأخيرة وثنائه على ما كتبت فصحت مهللاً : أخيراً يا أستاذ ..


أيام قليلة .. وعاود الاتصال .. فهالني تواضعه الجم .. وأدبه الآسر الذي يفوق التصور .. وهو يبدأ المكالمة بسؤال : هل يضايقك أن اتصل بك بين الحين والآخر .. صرخت مأخوذاً : يا أستاذ لا تحرجني بفرط تواضعك وعظيم حيائك .. أننا _ في زماننا الردئ هذا الذي يبدو وكأنك لا علاقة لك به _ نلهث وراء ولد مسبسب يتهته أمام الكاميرا .. أو سنيورة بنت امبارح لا تعرف من فن التمثيل سوى ماكياج ثقيل والتواءات جسد يتأوه بالرغبة .. وندوخ لننال شرف أن يتكرموا بالرد علينا .. مجرد الرد .. وإذا ردوا تصفعنا كلماتهم المعجونة بالصلف والعنجهية .. مشغولة في ثلاثة أفلام وأربعة مسلسلات .. انتطروني سنتين .. أرسل "الورق" وها أرد عليك بعد شهرين .. سيبه عند "السكيورتي" .. حاتدفعوا كام؟! .. كام جوه العقد .. وكام بره العقد ؟! .. الماكيير والكوافير بره العقد .. شهرا يوليو وأغسطس انا مش في مصر .. مقدرش أديكم أكتر من ثلاث ساعات في اليوم .. اتصرفوا أنا مالي .. اسمي يبقى أول اسم .. حاتعرضوا في "رمضان" ولا لأ؟! دوري لازم يبقى من الجلدة للجلدة.


قلت له إن الاستاذ يأمر ولا يستأذن .. وسماع صوتك هو بالنسبة لي عيد أحتفل به .. فضحك ضحكته الخجول الشهيرة .. وهتف مداعباً : كده ؟! طيب .. خد بقى العيدية .. ولشد ما كانت دهشتي حينما يهاتفني ليسألني عن كلمة .. مجرد كلمة جاءت كخطأ مطبعي في حوار أحد مشاهد المسلسل وأنه قد قام بتصويبها .. ويعرض علىّ التصويب ويستأذنني في الموافقة عليه إن كان يروقني !! ثم دارت الكاميرا .. لتصور أول مشاهده .. فهل علينا .. واقتحم "الكادر" بقامته الباسقة الشامخة .. بكبرياء وهيبة لم تنل منها سنوات عمره الثمانين .. وعيناه تشع بألق ذكاء ألمعي كالشهاب .. وتأثير عميق أخاذ .. وأنفه الأشم الجميل الذي يشي بعزة وحدة .. وسيماء وجهه التي تتراءى في ملامحها علامات دهشة طفل وعقل فيلسوف يسأل عن سر الوجود .. وينعي ذلك الزمان الضنين .. كأنه مالك الحزين على ضفة النيل القديم .. دارت الكاميرا فأمتعنا واستولى على جماع مشاعرنا بقدرته الفذة على التقمص والتعبير في صدق عفوي لا يخلو من حنكة أستاذ خبير .. وبراعة ساحر ملهم ركبه شيطان الفن ، فأبدع بكل لفتة وخلجة وإيماءة ونبرة .. واستولد من المعني الظاهر عشرات المعاني الباطنة ومن بين السطور الميتة .. حياة كاملة لشخصية متعددة الأبعاد ..


وحينما انتهى من تصوير مشاهد ديكور مكتبه .. وما أن رآني داخلاً إلى الاستوديو حتى صاح في لهفة قلقة وغاضبة .. أصابتني بالحيرة والارتباك: إنت فين؟! .. كويس إنك جيت .. فسألته عن سبب قلقه فأخبرني أن هناك جملة في مشهد سوف يصوره قريباً .. يراها غامضة وتحتاج إلى توضيح، وأني قد تكاسلت في ذلك رغم سابق تنبيهه لي .. دهشت دهشة بالغة لقلقه وتوتره .. وذكرته أن هذا المشهد لن يصور قبل أسبوع من الآن .. فأخبرني أنه يعلم ذلك .. لكن الأيام تمر بسرعة.. والزمن سارق .. وهو يريد أن يكون جاهزاً من الآن ..


ثم فجأة .. ودون انتظار أو تمهيد انقض .. طائر الموت .. واختطفه منا .. اختطف الأستاذ .. وتركنا في العراء .. في وهج صيف كئيب .. دون أن تكتمل التجربة .. ودون أن يتحقق حلمي الذي انتظرته عشرين عاماً كاملة.