السلفيون والسياسة

11/09/2014 - 9:44:40

محمد الحمامصي محمد الحمامصي

بقلم : محمد الحمامصي

يتقصى هذا الكتاب"السلفيون والسياسة" للمفكر الكبير  د.محمد حافظ دياب الذي يعد باكورة إصدارات "المكتبة السياسية" التي قررت الهيئة المصرية العامة للكتاب إصدارها، مفهوم السلفية قديما وحديثا، باعتبار أن ضبط المفاهيم من شأنه إزالة الغموض عن مقصد المساهمة في مقاربة علاقة السلفيين بالسياسة كتوطئة للخوض في النماذج التاريخية التي وقع عليها اختيار الباحث لسبر غور هذه العلاقة، سواء منها ما يتصل بالحركة الوهابية أو بالحالة المغربية أو بالمشروع المصري أو السلفية الجهادية، حيث يبدو التعرف على طبيعة العلاقة بين السلفيين والسياسة أمرا معقدا، وبالنظر إلى حضورها الممتد عبر مسيرتهم، منذ عقد أحمد بن حنبل صفقته بتقاسم السلطة مع الخليفة العباسي المتوكل عام 234 هجري.


ويرى الباحث أن أية قراءة ممكنة لهذه العلاقة هي بمثابة تساؤل صريح أو ضمني حول رهانات الحركة السلفية بما يضع الكتاب قبالة مهمتين متكاملتين: أولا تقصي تفاصيل هذه العلاقة بين السلفية والسياسة بهدف فتح إمكانيات تعين على كشف آلياتها ومراميها، وثانيا مقاربتها عبر حلقاتها الأساسية في التاريخ الحديث بدءا من الحركة الوهابية مرورا بالحالة المغربية، فالمشروع المصري وانتهاء إلى السلفية الجهادية.   


ويلفت الباحث إلى أن السلفيين مارسوا السياسة منذ عقود في باكستان والكويت والبحرين، فيما كان لهم دور سياسي في السودان من خلال "جماعة أنصار السنة المحمدية" السودانية عقب الاستقلال عام 1956، وفي السعودية من خلال مذكرة النصيحة والانتخابات البلدية التي قدمها سلفيو الصحوة عام 2004، وفي الإسكندرية من خلال مقاطعة الدعوة السلفية للانتخابات البرلمانية أبان حكم الرئيس السابق حسني مبارك، وإن جاز القول إن تلك التجارب لم تؤطرها قوالب حزبية ولم تحظ باهتمام إعلامي يذكر.


وعقب ثورة يناير 2011 فى مصر أضحى السلفيون لاعبا سياسيا جديدا، حيث تقاسموا الأصوات المحافظة دينيا في المجتمع مع جماعة الإخوان المسلمين ودخلوا في مواجهات ومنافسات مع القوى السياسية الأخرى، لكنهم رغم تحالفهم مع الإخوان قدموا خطابا سياسيا مغايرا في سماته العامة عن الخطاب الإخواني، بدوا فيه أقوى التزاما بمبدأ تطبيق الشريعة الإسلامية وأعلى وضوحا في تحديد هوية الدولة، وأكثر تشددا في الموقف من مصطلح الدولة المدنية، وأشد خصومة مع التيارات العلمانية.


من هنا يتوخى هذا الكتاب وفقا للباحث الكشف عما يسمح باستيضاح منظومة العلاقات المتشابكة بين السلفيين والسياسة انطلاقا من تواصل المشروع السلفي من دائرة المعتقد إلى لحمة الثقافة العامة حتى صوغ تيار حركي، يمتلك في الوقت الحاضر تواجده اللافت في العالمين العربي والإسلامي وخارجهما، وحضوره كطرف في الصراع الأيديولوجي الدائر داخل المجتمعات العربية والإسلامية المعاصر، بل ودخوله في خارطة الاهتمام الدولي، وتلك حيثيات أنتجت طلبا متزايدا على ضرورة مقاربة طبيعة هذه العلاقة، وأدت إلى تزايد حدة الجدال الاجتماعي والفكري والسياسي حولها.


ورغم انتشار السلفية فى كافة بلدان العالم العربى والإسلامي والغربى، وعدم إمكان إغفال حضورها في بلدان عربية مثل اليمن والأردن والكويت وتونس والجزائر، فقد وقع اختيار الباحث على مجالات أربعة هي السعودية والمغرب ومصر والسلفية الجهادية باعتبارها الأكثر تمثيلا وإبانة: السعودية كموطن نشوء هذا التيار فى التاريخ الحديث مع الحركة الوهابية، والمغرب مع ارتباط السلفية هناك بالقضية الوطنية منذ الاستقلال، ومصر بسبب الظهور اللافت للحركة السلفية فى الآونة الأخيرة وإعلانها التخلي عن واحدة من قناعاتها التي كانت تعتبر الاشتغال بالسياسة من المفاسد، فيما تبتغي السلفية الجهادية إسقاط ما تراه أنظمة كافرة وإحياء الحكومة الإسلامية التي تقوم على تجميع الأمة تحت راية الخلافة الإسلامية.


يؤكد الباحث أنه رغم تباين التعريفات المقدمة حول السلفية فإن هذا المصطلح"قد ادعاه  واشتهر به وكان يحتكره أولئك الذين غلّبوا النص، وفي أحيان كثيرة ظهر النص على الرأي والقياس وغيرهما من سبل وآليات النظر العقلي، فوقفوا عند الرواية أكثر من وقوفهم عند الدراية، وحرموا في الغالب الاشتغال بعلم الكلام فضلا الفلسفات الوافدة، وهؤلاء من أطلق عليهم أحيانا أتباع مدرسة أهل الحديث، وإمامهم أحمد بن حنبل منذ نهاية القرن الثاني الهجري لاشتغالهم بصناعة المأثور وعلوم الرواية، ورفضهم علوم النظر العقلي، وهو ما أدى على المدى إلى صوغ منظومة توجهات حكمت مسيرة السلفية "فهم القرآن والسنة احتذاء بما قدمه السلف، معاداة الخلف من كونه يعكر صفو السلف وينحرف به عن مساره، الأتباع لا الابتداع، الإجماع كرهان للحقيقة، الوثوقية المرتبطة بيقين اكتمال المعرفة النهائية، إغلاق باب الاجتهاد، الاستعلاء وما يقترن به من إطلاقية وتعصب"، وكلها توجهات قامت على تخطيف ملامح المعتقد الإسلامي، وتشبيح كيانه وسجنه في تصور قار، إلى درجة صيّرته أشبه بتلك"الكتلة المعتقدية الناجزة التي تحدث عنها جابرييل لويرا".


ويشدد الباحث على أن تطور المسار السياسي للحركة السلفية يبدو معوقا، ذلك أنه، ورغم تباين مواقفها من المشاركة السياسية فإن تحول بعضها نحو العمل السياسي والحزبي، لم يصحبه إعلان صريح وواضح يتبنى الديمقراطية بوصفها نظاما نهائيا بل باعتبارها نظاما انتقاليا يسعى نحو تطبيق الشريعة الإسلامية، والتي الهدف المعلن والواضح لدى كافة أطيافها وإن اختلفوا في الوصول إلى هذا الهدف".