عفواً حلمي بكر

29/05/2014 - 12:27:05

بقلم : محمد المكاوي

«أنا واحد من الناس الذين عاشروا الموسيقار محمد الموجي وقضينا معاً أياما وليالي ولنا جولات وصولات وحتي الأيام الأخيرة من حياته، ولما هرب من المستشفي بالروب «دي شامبر» جاءني وسألني: عندك قهوة فقلت: نعم، فقال: اعمل لي فنجان قهوة، ولما رجعت له ومعي فنجان القهوة وجدته يبكي، فقلت له: خير يا أستاذ محمد وكنت دائماً أقبل يده، فقال: أنا لا أعاني من ألم المرض ولكن ما يؤلمني هو عدم الوفاء من الجيل الذي لا يرقي إلي حجم الغناء ولما يكون فيه ميعاد بروفة ولا يأتون فهم يكرهونني في أبو الفن، فطيبت خاطره، وقلبتها له ضحك، وبعدها بأيام رحل عن حياتنا».


هذا هو نص كلام الموسيقار حلمي بكر الذي استمعت إليه أكثر من مرة عبر أحد البرامج التليفزيونية، لأنني لم أصدق ما قاله موسيقار كبير في مكانته الفنية.


وعلي صفحتها علي موقع التواصل الاجتماعي «الفيس بوك» كتبت الدكتورة غنوة الموجي:


- أكيد اختلط عليه الأمر بين بابا وواحد تاني عشان اللي بيقولوا ده مالوش أي أساس من الصحة.. بابا لا هرب من المستشفي ولا راح بيت حلمي بكر قبل وفاته بيومين ولا حاجة، لأنه دخل المستشفي يوم 18 مايو 1995 وتوفي 1 يوليو 1995 يعني حوالي شهر ونص لم يتحرك من المستشفي ومعلق له محاليل طوال الوقت، وبعدين أمة لا إله إلا الله جاءت لزيارته من فنانين وسياسيين وعامة الشعب، وكمان عمر ما حد من الفنانين ما احترمش بابا في مواعيد البروفات، أرجوك يا أستاذ حلمي زي ما قلت في الفيديو انك بتحبه ياريت تبقي تدقق في الكلام عنه.. عشان ده هرم ما ينفعش يتشوه بكلام زي اللي حضرتك قلته.


أما أنا فقد اقتربت من الموسيقار محمد الموجي في العشر سنوات الأخيرة من عمره، وكنت متابعا جيدا لحالته الصحية بحكم العمل وبحكم العلاقة الطيبة التي ربطتني بأسرته، ولم اسمع أبدا أن محمد الموجي هرب من المستشفي بالروب ليذهب إلي منزل صديقه الموسيقار حلمي بكر، ولا أدري حقا لماذا اختار حلمي بكر لفظ «هرب»، ولم يقل مثلا أنه غادر المستشفي مما يوحي لمن يشاهده، بأنه هرب خشية أن يراه الأطباء المتابعون لحالته أو إدارة المستشفي حتي لا يطالبوه بقيمة فواتير الإقامة والعلاج مثلا!! ثم كيف يغادر المستشفي وهو محاط بأسرته وبالزائرين ليل نهار؟!


عفوا حلمي بكر كلامك لا يصدقه إنسان عاقل بل إنه يثير الدهشة والاستغراب، ليس مني فقط، ولكن أيضاً ممن عرفوا محمد الموجي عن قرب وكانوا أقرب إليه منك ومني، وحسب التقارير الطبية، أنه كان يعاني قبل وفاته بأيام من صعوبة في الحركة وصعوبة في النطق.. لكن يبدو أن تقدم سنوات العمر فرضت قوانينها علي ذاكرة الموسيقار الكبير لأن ما قاله أشبه بحلم حيث انتظرت أن يقول في نهاية روايته وهنا صحيت من النوم!!.


وفقدنا نغمة.. من زمن الفن الجميل


التقتيه منذ عدة أشهر في وسط البلد بالقاهرة، حيث كان يهرب من أزمة المرور الخانقة بالسير علي قدميه، فأشرت له عابرا فأشار لي دون أن يتذكرني وسط زحام الوجوه لكن ارتسمت علي وجهه علامات السعادة لأن أحد المارة عرفه، أما آخر لقاء به فقد شكا لي من تجاهل الإذاعة والتليفزيون لجيله وتركه في العراء بلا عمل، وكما كانت الإذاعة في أوج نشاطها وانتاجها الغنائي في مرحلة الستينيات، فجلس هو وجيله علي رصيف الشارع الغنائي يستمع إلي أصوات وألحان كان يصفها دائماً بالمنغوليين، فكلهم متشابهون في الملامح وفيما يقدمونه من غناء، إلي أن جاء خبر رحيله وهو في مستشفي التأمين الصحي قبل اجرائه جراحة في القلب.


رحل الموسيقار «إبراهيم رأفت» بعد رحلة عطاء طويلة مليئة بالألحان والأنغام لكثير من نجوم الغناء، حيث وضع ألحانا لحوالي 45 مطربا ومطربة، بالإضافة إلي ألحان 30 مسلسلا إذاعيا وأوبرتين غنائيين لدولة السودان وأوبريت لدولة الإمارات في عيدها الوطني.


وتكمن عبقرية وموهبة إبراهيم رأفت كملحن، في تلحينه لأصوات عرفها الجمهور بأغنيات ناجحة ولحن لها ملحنون كبار، والتحدي الكبير الذي واجهه هو تقديم ألحان ناجحة يرددها الناس لهولاء المطربين والمطربات، فوجدناه يلحن لشادية واحدة من أجمل أغنياتها هي «أنا وقلبي يا روح قلبي» فأعطاها لونا غنائيا يناسب صوتها وامكانياتها في تلك المرحلة الغنائية من حياتها، وكذلك فعل عندما لحن لوردة «أيامنا عيد» ولياسمين الخيام «الليلة عيد» ولمحمد رشدي «نعنانة» ولمحمد العزبي «كرامة لله» و«ياسين» لسوزان عطية أربعة ألبومات غنائية كاملة «أتحداك» و«مستغربين» و«إنذار» و«كان علي عيني» ولأنغام مجموعة من الأدعية الدينية التي أذيعت خلال أحد شهور رمضان.


وقطعا لا ننسي ألحانه الشعبية لماهر العطار «افرش منديلك» و«أيوة يا واد خدت الأمورة» و«قمري أنا» وحققت نجاحا مدويا وقت انطلاقها وعلي مدي سنوات طويلة، وأضحت علي كل لسان في عز نجاح أغنيات حليم وصعود نجمه بقوة في سنوات الستينيات.


رحم الله إبراهيم رأفت الذي عاش وهو يذكر دائماً أنه أحد تلاميذ شقيقه الأكبر محمد الموجي، وبرحيله فقدنا نغمة من زمن الفن الجميل.