الإنسان الطيب فى الطليعة الوتريات والنايات تهزم الدفوف

09/05/2016 - 10:27:14

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتب - د. حسن عطية

يولد الإنسان حرا ، نقيا ، عاشقا للحياة التى منحته الوجود ، متبتلا للسماء التى زرعت بأعماقه روحا صافية وعقلا يهفو للمعرفة ، فيخوض بحار الزمن شراعه الحب وهاديه التسامح واستقرار الوطن .


وكى لا نكفر بأبناء هذا الوطن ، وكى لا نتساءل عن آخر المسامير المدقوقة فى نعش عقله ، وكى لا تعمينا العملات الرديئة السائدة اليوم فى الأسواق عن رؤية نفر من أجيالنا الواعدة مازال صامدا فى وجه الزيف المستشرى فى ملكوت الله ، والهبوط الفنى والأخلاقي الذى تقذفه لنا الفضائيات الخاصة أسبوعيا باسم المسرح ، وسوف تلحق به قنوات الدولة الخدمية بما أسمته بـ(مسرح ماسبيرو) ، الذى قرر أن يستأجر مسرحا خاصا مهملا منذ سنوات بوسط البلد ، يتحمل القطاع الاقتصادى باتحاد الإذاعة والتليفزيون ميزانية تأجيره طوال فترة العروض ، وتقوم الهندسة الإذاعية بتجهيزه تقنيا ، بدلا من تأجير وتجهيز أى من مسارح وزارة الثقافة القائمة بوسط البلد لهذا الأمر ، فالحكومة تعادى نفسها ، وتحب أن تلقي بما لديها من مال قليل لدعم الخاص ، كما قرر هذا المسرح التليفزيونى الجديد مواجهة الهبوط الذى تقدمه القنوات الخاصة والتى نأمل ألا تكون بنفس توليفتها الهابطة ، وألا تكون عروضه تحمل عناوين هابطة مثل (عنتر بجد دكر) !!!


وحتى لا نتهم فى المجمل شبابنا بتحويل ذاته لسلعة تباع فى أسواق النخاسة ، تعالوا بنا ندلف لمسرح الطليعة المثابر على تقديم أعمال مختلفة عن الرائج ، ووسط منطقة عاد إليها الباعة الجائلون بشراسة ، وكأن شيئا لم يكن ، وغابت المحافظة عن تأكيد دورها فى هذه المنطقة ، لنلتقى مع عرض شديد الاختلاف عما يقدم فى الساحة ، للمخرج المتميز "سعيد سليمان" ، الذى يصر دوما إما على صياغة نصوص عروضه أو إعادة نصوص الآخرين ليرتكز عليها فى عروضه المسرحية ، وهو يضعنا فى عرضه الجديد (الإنسان الطيب) ، بعيدا عن أي إيحاء بنص "برتولت بريشت" الشهير بـ (الإنسان الطيب) عامة أو (الإنسان الطيب من ستشوان) ، دون أن تبارحنا فكرة حضور الإنسان الطيب فى الحياة ، وإجباره مجتمعيا على أن يتحول للشر كى يواجه المشاكل التى تواجه من أنظمة معادية للخير ، وشخصيات باعت نفسها للشيطان مقابل تحقيق مكاسب خاصة لها .


صراع الأبيض والأسود


مع دخولنا لقاعة (صلاح عبد الصبور) بعد أن اتسعت قليلا لهذا العرض المختلف ، وتحولت إلى مستطيل ، صاغ سينوجرافيتها "صبحى عبد الجواد" ليحدد بزوايا المستطيل القائمة حدة التباين بين طرفى الصراع فى العرض ، ومانحا فى البدء للستائر السوداء ذات الرسومات التجريدية فرصة غزو حوائط القاعة ومحاصرة ستائر أخرى بيضاء فى منتصف كل ضلع من أضلاع المستطيل ، والذى يجلس الجمهور على حدوده الأربعة ، تاركا مساحته كفضاء يتحقق فيه الصراع الأزلي بين الحب والكراهية ، عبر بناء مسرحي تتفاعل فيه الكلمات مع الموسيقى والغناء والتموجات الجسدية التى تصنع سيمفونية سمعية مرئية شديدة التميز ، قد تسحبك أحيانا لمناطق غامضة ، لكنها لن تتوقف لحظة عن إثارة الدهشة بأعماقك والبهجة بروحك .


تبزغ وسط هذا العالم الأسود المحاصر للبؤر البيضاء ، وبأحد أضلاع عرضه فتاة بزى أبيض أقرب لملابس العروس ، تجلس لتتغنى بأغاني الحب ، وعلى الضلع المقابل تبرز ثلاث فتيات بنفس الزى فتاة العرس ، وتميل خطوط ملابسهن لزى المصريات العازفات على المعابد المصرية ، ويحملن آلات وترية (كمان) والأكسليفون ، يفتتحن العرض وحدثه الدرامى الكامن بأعماقه ، بغناء مشترك مع الفتاة الأولى ، لأبيات من أشعار "الحسين بن المنصور الحلاج" الاسم الأشهر فى عالم التصوف ، والقائلة بـ"يا نسيم الريح قولى للرشا (صغيرات الظباء) / لم يزدنى الوُرد (الماء) إلا عطشا / لى حبيب حبه وسط الحشا / أن يشاء يمشى على خدى مشا / روحه روحى وروحى روحه / أن يشا شئت وأن شئت يشا" ، رفعا لهذا الحب الرائق بين الحبيب والمحبوب لدرجة التماهى والذوبان فى الذات العليا ، غير أن الفتاة العروس العاشقة تواجه مع فتياتها الصغيرات بإحاطة خفافيش الظلام والجهل والتخلف بهن ، يبدون لهن بعباءاتهم وأغطية رءوسهم السوداء كجثث خارجة من القبور ، ويحاصرنهن بالدفوف التى لا يعترفون بغيرها ، ويمارسون عليهن حجرا على أفكارهن وأرواحهن وأجسادهن سعيا لتحولهن إلى خرق بالية وأجساد تنتهك آدميتهن ، فيدفعهن فى مناحة تندب الحظ وتنعى بؤس حياتهن تحت مقصلة المقدر والمكتوب ، مكررات فى بكائية مقولة "ان اللى انكتب على الجبين لازم تشوفه العين" ، مؤكدات بذات أنفسهن على عدم قدرة الإنسان على المواجهة أو التمرد ، تاركين الفتاة / العروس تردد أبياتا من أشعار شاعر الهند والإنسانية "طاغور"أنا أنسى .. أنسى دوماً / أنني لا أعرف الطريق / وأنني لا أمتلك جواداً مجنحاً /. أنا لا أظفر بالطمأنينة / أنا شارد .. أهيـــم في قلبي" ، والتى تحولها لنغمة متكررة على لسانها حتى نهاية العرض .


خفافيش الظلام


بأشعار "الحلاج" الغارقة فى محبة الله ، وأشعار "طاغور" الداعية لمحبة الإنسانية ، وغيرها من أشعار وأقوال وبكائيات شعبية اختارها المخرج _سعيد سليمان" لينسج بها بنية عرضه الدرامية ، فيدفع بفتاته للغناء فى وجه الشر قائلة له "يا حرباية اختفى ارحلى" ، فيبدو انتصارها على خفافيش الظلام وطردهم من فضاء المسرح سهلا ، لتشد ستائر بيضاء تغطى كل فضاء المسرح ، معلنة انتصار الحب على الكراهية ، وهزيمة الدفوف الخشنة على يد الوتريات والنايات الراقية ، غير أن هذا الانتصار لا يصمد كثيرا ، فهزيمة الخفافيش التى نعرفها ، والتى استولت فى غفلة من الزمان على سلطة البلاد وأزيحت عنه ، ليست كاملة وفكرها المتخلف تجذر فى المجتمع ، وصار قادرا على أن يرتدى البياض والعقل مريض ، ولذا يواجه الإنسان الطيب المتجلى فى ثوب الفتاة العروس ، يواجه التخلف المختبئ فى الأزياء الملونة ، التى صاغها أيضا "صبحى السيد" ، وتدثر بها فريق من الشباب صاغ عقله فكر الخفافيش المختبئة فى الجحور والمؤسسات المدنية والتقاليد والعادات التى ألغت القدرة على التفكير لديه ، والذى يحركهم المخرج بتصميم حركى لـ "بيلا" ، فى طابور لامتناه من الشخصيات البلهاء والممسوسة تحاول أن تفرض عليها أفكارها المتخلفة ومبيعاتها العشوائية التافهة ، ومنتهية بسحقها أرضا ودهسها بالأرجل وتغطية جسدها ببعض أوراق نقدية وصفحات من الجرائد و بتوافه الحياة ، لكنها تعاود الغناء رافعة يدها فى وجه ساحقى روحها ومعطلى عقلها ، رافضة أن تموت أو أن تتحول لشخصية شريرة كما فى نص بريشت .


هو عرض تجريبى دون أن ينقل عن تجريب الغرب ، وحداثى دون ادعاء غرابة ما بعد الحداثة ، ومصرى صميم يستمد ديمومته من زمن الفراعنة دون أن ينتزع نفسه من سماوات الإنسانية ، تتكاتف كل العناصر الفنية والفكرية لتقديمه ، من سينوجرافيا ورقصات ، وفريق من الممثلين القادرين على الأداء التمثيلى والغنائى والرقص والعزف على الآلات المختلفة فى ذات الوقت ، يمزجهم موسيقى بارع هو د. "هانى عبد الناصر" داخل معزوفة واحدة ، أقرب للبناء السيمفوني بمذاق مصرى خالص ، تتقدمهم العروس المثيرة للدهشة بقدراتها الفنية المتعددة "نجلاء يونس" ، وصبياتها "هنا هانى" و"مريم سعيد" و"فاطمة الزناتى" ، ومعهن "حسام حمدى" و"آية جمال" و"مصطفى الزيات" و"عمر ميتشو" و"ميما أحمد" و"زياد سمير" و"نور الهدى" و"محمد عبد الفتاح" و"مارى جرجس" و"شروق القناوى" و"أحمد كاسبر" ..


عرض مختلف للمخرج "سعيد سليمان" الذى مازال مصراً على مدى عقدين من الزمان والعديد من العروض رفيعة المستوى ، أن يكون مختلفا ومتميزا ، نتمنى له الاستمرار ، ونأمل أن يكون باختلافه القاعدة التى تقدم لنا فنا صادقا راقيا دافعا لتغيير ذاته والإيمان بكل قيم الترقي والتقدم فى الحياة ، وليس مجرد استثناء نجمل به صفحة مسرحنا المتعثر .