قصة واحدة وثلاث روايات .. شم النسيم فى ضيافة عبدالسلام الفنجرى

09/05/2016 - 10:25:21

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

الكواكب

هذه قصة طريفة حدثت في شم النسيم، رواها لنا الموسيقار ولكن مع بعض التحفظ فوقف بنا عند نقطة معينة ورفض أن يكمل القصة، ونقلنا القصة كما سمعناها من فريد ووريناها لعبدالسلام النابلسي البطل الثاني في القصة فثار وزمجر وقال إنه سيعترف بالحقيقة مادام فريد قد افتري عليه وأفرغ لنا ما في جعبته ولكنه جانب الحقيقة عندما وصل إلي نفس النقطة التي وقف عندها فريد، ورحنا نطلب ايضاحا لهذه النقطة عند البطل الثالث للقصة وهو إسماعيل ياسين فضحك إسماعيل وروي القصة التي حاول أن يخبئها فريد وأن يتحاشاها عبدالسلام وهذه القصة بروايات أبطالها الثلاثة.


الرواية الأولي


قال فريد الأطرش:


في صباح أحد أيام شم النسيم منذ عدة أعوام مضت، فزعت من نومي علي هزات عنيفة، وفتحت عيني لأجد صديقي العزيز عبدالسلام النابلسي يهزني قائلاً: «يا راجل قوم، النهاردة شم النسيم، ولسة نايم لغاية دلوقت، الساعة بقت عشرة، قوم قوم خلينا نشم النسيم».


واعتذرت لعبد السلام وأنا أتثاءب بأنني متعب من سهرة الأمس، وليست لي رغبة في الخروج ولكن إلحاحه وشدة هزات يده المتوالية، جعلتني أستيقظ علي مضض.


ولم تمر دقائق حتي دق جرس الباب، ودخل علينا الزميل المرح إسماعيل ياسين وهو يضحك ويلقي نكاته اللطيفة النكتة تلو النكتة، فبعث فينا النشاط، وأشاع المرح والسرور بيننا، وانطلق يقول: «كل سنة وانتم طيبون. النهاردة شم النسيم، ناويين تروحوا فين».


كان سؤالا وكان علينا أن نجيب عنه.


واقترح عبدالسلام النابلسي علينا الذهاب إلي أحد المطاعم المنتشرة علي طريق الهرم، وقضاء النهار هناك بين المحتلفين بعيد الربيع.


ومصمص إسماعيل وقال: «مطعم ايه وبتاع ايه! احنا مش عاوزين زيطة، ايه رأيكم لو نقعد هنا في البيت ونعمل ندوة صغيرة ونبعت نجيب فسيخ وبصل ولمون، وناكل وفريد يغني وبالليل نروح نسهر في أي حتة».


وبين الاقتراح الأول والثاني وقفت موقف المحايد، وانتظرت حتي فرغا من مناقشتهما، حين التفت إلي عبدالسلام وقال: «إيه رأيك يا فريد؟» فهززت رأسي وقلت لهما:


«الرأي رأيكم واللي تتفقوا عليه أنا موافق!» وهنا انبري عبدالسلام وقال: «أنا عارف مطعم كويس يطل علي شارع الهرم نروح نقعد فيه وأنا عازمكم علي الغداء».


وهنا انفرجت أسارير إسماعيل وقال: «آه إذا كان كده مافيش مانع نروح مطعم شارع الهرم».


ونظر إلي عبدالسلام نظرة رأيت فيها كل معاني الغرور والزهو والانتصار لأنه استطاع أن يوجهنا كما يشاء.. وأقول الحق إنني وجدت في عرض عبدالسلام السخي اغراء للذهاب معه فقلت: خلاص يا عبدالسلام نروح مادام عازمنا والنهاردة انت زعيمنا وكل ما تأمر به مطاع دون أدني معارضة.


وحملتنا سيارة إسماعيل الصغيرة إلي المطعم، وفي الطريق عانينا من السيارة الأمرين، فيبدو انها كانت قد أصابها قليل من البرد فأخذت «تكح» طول الطريق، إلي أن انهكها التعب، فارتمت علي الأرض وأخذت تلهث بشدة، ثم خف صوتها الي أن انقطع واعتقدنا انها لفظت أنفاسها الأخيرة، ففكرنا في تكملة الطريق سيرا علي الاقدام، إلا أن إسماعيل ضحك وقال: «لا ما تخافوش أنا عارف دواها».


وفي لمح البصر وجدنا الحياة تدب في جسد السيارة وتنهض من كبوتها وتعاود السير بنفس الهمة التي بدأت بها، وبعد مجهود وصلنا إلي المطعم المرموق.


وما أن استقر بنا المقام حتي أخذ عبدالسلام يسرد علينا بعض مغامراته الغرامية التي كان لهذا المطعم نصيب كبير في شهودها. ولما لم يجد منا أذنا صاغية لهذه الاقاصيص «الخرافية» تحول وجهة أخري، وياليته ما فعل واستمر في أقاصيصه الغرامية، فقد أخذ في الغناء، وارتفعت عقيرته تجلجل في نشاز مزعج.


ونظر إلي إسماعيل، ونظرت إليه، ولكن أحدنا لم ينبس ببنت شفة، واضطررنا لاحتماله مكرهين، فقد كان صاحب الدعوة وعلينا أن لا نغضبه وإلا «باظت العزومة».


وكان إسماعيل بين الفينة والفينة، أو بين كل كوبليه وكوبليه يغنيه عبدالسلام، يصيح قائلا: «الله - الله - يا عبدالسلام - كنت تايه فين من زمان».. وكان عبدالسلام يطرب للمديح فيزيد من ارتفاع عقيرته.


وحان موعد الغداء، وطلبنا - تشفيا منا في عبدالسلام - ما نحتاج إليه وما لا نحتاج إليه من ألوان الطعام حتي يزداد ثمن الغداء. وأكلنا بنهم كبير وجاء «الجرسون» يطلب الحساب والتفت إلي، فالتفت إلي إسماعيل ولاحظت ابتسامة عريضة علي «فم» إسماعيل - لم أعرف سرها في وقتها - فالتفت إسماعيل إلي عبدالسلام.


- فابتسم عبدالسلام وقال للجرسون بكل عظمة: «حسابك كام يا .. يا جرسون؟» فنظر الجرسون في «نوتة» صغيرة في يده وأخذ يعد ويحسب ثم قال: «235 قرشا».


فقال عبدالسلام: «بس» انتم محل رخيص قوي!».


وضرب يده في جيبه اليمين ثم أخرجها إلي جيبه الشمال، ومن جيبه الشمال إلي جيبه اليمين إلي سائر جيوب بنطلونه وعلت وجهه صفرة الأموات ونظر إلي إسماعيل وقال: المحفظة!!» واكتشفنا ان عبدالسلام كان مفلسا؟


الرواية الثانية


ü وروينا القصة لعبد السلام فقال في انفعال:


فريد يقول لك؟ فريد بيفتري علي؟ يتهمني فريد بأنني كنت مفلسا عندما عزمتهم علي الغداء، ونسي أنني عزمته من قبل هو وهذا «الإسماعيل» مئات المرات علي الغداء.


إن الذي حدث بالضبط أنني عندما دعوتهما إلي الغداء كنت جادا في دعوتي، إذ كانت المحفظة في جيبي منتفخة بالنقود. ثم أنا أكذب هذا الادعاء القائل بأنني أخذت أروي لهما قصص مغامراتي النسائية، فهذه دائما أسرار شخصية لا أبوح بها لأحد.. وإنما هي فرية سخيفة من وحي خيال الموسيقار الكبير، وأما عن الغناء فإنني لم أغن إلا عندما ألح إسماعيل علي أن أغني، وفريد يعلم تماما أنني أملك صوتا جميلا عذبا، يطرب له كل من يسمعني.


ولما حان موعد الغداء أفهمتهم أن يطلبوا كل ما يشتهون «وأنا سداد» فقد كنت متأكدا مما أقوله اعتمادا علي المحفظة المتخمة بالنقود في جيبي، ولما جاء وقت الحساب تفقدت المحفظة فلم أجدها، فأيقنت أن إسماعيل قد لطشها دون أن أشعر بحركة من حركاته، لأجل أن يضعني في موضع غير لائق مع الجرسون.


الرواية الثالثة


وأبي عبدالسلام أن يتم القصة وعرفنا السر عندما أكمل إسماعيل القصة فقال:


لقد كان يوما جميلا استمتعنا فيه بشم النسيم حقيقة، ولكن علي حساب «الاورستقراطي» عبدالسلام، وقد كنت أتمني أن «أضربه» مقلبا إلي أن حانت الفرصة فلم أتوان عن تنفيذها.


عندما جمعتنا السيارة ارتفعت عقيرة عبدالسلام بالغناء، وحاولنا اسكاته بشتي الوسائل إلا أن «نزوة» الغناء كانت مسيطرة تماما عليه ولما وقفت السيارة في الطريق - وهذه حقيقة لا أنكرها - نزل فريد من السيارة يساعدني في إصلاحها ولو من باب الذوق ولو انه لم يفعل شيئا يذكر، وعصلج عبدالسلام في السيارة وأبي أن ينزل منها وزاد علي ذلك أن أخذ يضحك ويرفع من صوته مغنيا بصوت نشاز ولما اصلحت ما بالسيارة كان الغيظ قد ملأ قلبي، وصممت علي شيء ولم أشرك معي فريد فيه، وبحركة خفيفة كنت قد لطشت محفظة عبدالسلام من جيبه، وصممت أن لا أردها إليه.


وعندما جمعنا المطعم كان عبدالسلام مازال يشنف أسماعنا بغنائه الفظيع - وهناك لم أحاول أن أمنعه فقد كنت أعلم أن هذه «الزيطة» التي يعيش فيها عبدالسلام سوف «تكتم» عندما يجيء الجرسون ويطلب الحساب.


وعندما حضر الجرسون، واتهمني عبدالسلام بالسرقة لم أثر ولم أحاول أن أدافع عن نفسي وآثرت أن أقابل اتهامه بالابتسام، وكان منظر عبدالسلام في هذه اللحظة يثير الضحك والاشفاق حقا، مما دعا فريد إلي أن يستغرق في الضحك، ونظر إلي كمن يعلم ما فعلته بمحفظة عبدالسلام وانقاذا للموقف وكان يبدو علي الجرسون انه يستعد للخناق وقفت وقلت: «معلهش لا عبدالسلام، أنا حدفع الحساب وبعدين نبقي نتحاسب ودفعت الحساب من جيبي الخاص، واقترح فريد أن نسير قليلا وأن نذهب إلي الهرم ومضت بنا الساعات وأنا أبعزق في كل مكان نحل به، ولما حل الليل اقترحت عليهما أن نذهب لقضاء السهرة في الاوبرج - وعلي حسابي الخاص - ولم تصادف الدعوة هوي عند عبدالسلام بعكس فريد الذي شعرت انه يعلم السر وفي الاوبرج انفقت ما لا يقل عن سبعة جنيهات .


وفي ختام السهرة أخرجت محفظة عبدالسلام من جيبي وقدمتها له وأنا أقول : «متشكرين قوي يا عبدالسلام علي اليوم الجميل ده انت كنت فنجري بصحيح - وإن شاء الله عقبال كل سنة تيجي تعزمنا في شم النسيم».


وكاد يغمي علي عبدالسلام، بينما انفجر فريد ضاحكا وهو يقول:


- والله برافو عليك يا إسماعيل.. كنت بتصرف من فلوسه من الصبح؟


فقلت له: «أيوه علشان يبقي يبطل يغني تاني مرة».


هذه هي القصة الحقيقية لرحلة شم النسيم الرحلة التي قضيناها علي حساب عبدالسلام «الفنجري».. ورغم أنفه.. الكبير!!