عبد الحليم حافظ ..جسر التنهدات «6 » .. الفقر والحرمان والآلام التى عاشها وهو صغير دفعته إلى قمة الإبداع

09/05/2016 - 10:23:47

عبد الحليم حافظ عبد الحليم حافظ

عرض الكتاب : محمد المكاوي

وحيدا سافر عبد الحليم إلى لندن فى أول رحلة علاج له على امل ان يضع حدا لكل عذاباته وآلامه ، وامضى فى المستشفى 15 يوما أجرى خلالها عشرات الفحوصات والتحاليل ، بعدها قرر الجراح الإنجليزى ضرورة إجرائه عملية جراحية ، وبعد ثلاثة أيام استيقظ عبد الحليم وكان الطبيب الإنجليزى يتوقع أن يسأله عبد الحليم عن متى يستطيع أن يأكل أو يشرب ؟،ولكنه فاجأ الجميع بسؤاله .. هل هذه العملية تؤثر على صوتى ؟ فداعبه الجراح الإنجليزى قائلا: إذا كان صوتك جميلا وأنت كنت تعاني من كل هذه الآلام ونوبات النزيف المتكررة ،فما الذى تنتظره بعدما أصبحت سليما ؟ وأمره الجراح أن ينهض ويسمعه صوته ، وفى نصف دقيقة كان صوت حليم يدوى فى المستشفى بأغنيته ..ليه تشغل بالك ليه ..على بكره وتبكى عليه


الفصل السادس


مخزن الآلام


عاد عبدالحليم من لندن وقد فقد القدرة على الابتسام وأنا لا أقصد هنا الابتسامة التي تراها ترتسم على شفتيه إذا قابل صديقا عزيزا أو استمع الى نكتة أو نبأ سار وانما اقصد الابتسامة الحقيقية الصادرة من القلب فقد كانت مأساته قد وصلت الى القمة وكان هو قد وصل بمأساته الى قمة النجاح.


إن الفقر والحرمان والآلام التى عاشها وهو طفل صغير هي التي دفعته الى قمة الإبداع الفني !


فنحن نراه يضحك فنظنه إنسانا سعيدا .. ولكن الذى يتعمق في نفسه يراه يوهم الناس بأنه سعيد .. بل هو يوهم نفسه بأنه سعيد ولعله لم يعد في مقدوره أن يزيل الحزن الراسب في نفسه وفي قلبه.


في فبراير الماضي اتصلت بالمطرب إسماعيل شبانة «الشقيق الاكبر لعبدالحليم» لكي اكتب عنه تحقيقا صحفيا لآخر ساعة وكان ذلك بمناسبة قيامه بدور عنترة في اوبريت "عنترة" لشوقي التى قدمها حسني الحديدي وأعتذر إسماعيل في ذلك اليوم ورجاني أن اؤجل الموعد الى اليوم التالي فتملكتني الدهشة ثم سألته :


لماذا تؤجل هذا الموضوع الى الغد ان عبدالحليم نفسه لا يؤجل عملا كهذا الى الغد


فقال إسماعيل :


أصلي مشغول النهارده قوي


في ايه يا إسماعيل ؟


فذكر لي السبب وكدت اقع من فرط الضحك


هل تعلمون السبب ؟


لقد قال اسماعيل انه مشغول في ذلك اليوم بتسييح الزبدة


وفي اليوم التالي جاءني اسماعيل


وكان لابد من ان يدور الحديث بيننا عن عبدالحليم فقال اسماعيل بأسى :


-مسكين عبدالحليم


فقلت له : مسكين ليه؟


فقال: بيحاول يفرح مش قادر يفرح


وقال لي إسماعيل ان الآلام والاحزان والجروح التي مرت به في طفولته قد شغلت كل مكان في نفسه وفي قلبه فلم يعد يستطيع ان يفرح ، دعك من حكاية اليتم فكلنا يتامى والذين ليسوا يتامى يباتون ويصبحون يتامى ولكن مأساة عبدالحليم ليست في كونه يتيم الام والاب فهو يتيم من كل شيء في الحياة حتى الابتسامة ، لقد حرمته الحياة من امه ومن ابيه وحرمته زوجة خاله من الابتسامة.


وروى لي إسماعيل شبانه قصة الجحيم الذي عاش فيه حليم وهو طفل في بيت خاله ولم ينكر اسماعيل افضال خاله عليه وعلى أخوته ولكن البيت الهانئ السعيد تحول فجأة بعد زواج الرجل الى جحيم!، وقد رفض عبدالحليم نفسه ان يتكلم معي في هذا الموضوع بل انه قطب جبينه ورفض حتى مجرد التعليق بأية كلمة !


ولقد خرجت من بحثي مع اسماعيل شبانة بأن حليم انسان يحب ويتألم ويختزن في قلبه كميات وفيرة من العواطف والاحاسيس ولكن هذه العواطف والاحاسيس ليست هي التي تتسلل من قلبه الى الأغنية التي تثير الحزن والآلام في قلوبنا ونحن نستمع إليه وإنما هناك آلام أخرى اشد واقوى من كل آلام الحب وعذاباته.


ففي قلب عبدالحليم آثار من الجحيم الذي عاش فيه وهو طفل وهذه الأثار الباقية لا تمحوها الايام والسنون أبدا .


واسترسل إسماعيل شبانة في حديثه عن عبدالحليم فقال:


-هل تعلم اننى صفعت عبدالحليم قلمين لكي امنعه من الغناء ؟


-امتى ؟


-في يوم طلع في دماغه انه يغني .. فقلت له تغني ايه هي المغنى لعب علشان تغني لازم تحفظ الموشحات وأدوار عبده الحامولي وسلامة حجازي وسيد درويش


-فقال عبدالحليم


حامولي مين وسلامة حجازي مين ؟ انا ح اغني ولازم اغني وبكره ح اوريك


وظن الشقيق الاكبر ان عبدالحليم يهدده أو يتوعده فنهض على الفور وصفعه قلمين على وجهه أطرق عبدالحليم في الارض ثم قال:


انا اقصد أوريك انا ح ابقى ايه ..فقال له إسماعيل.


ياعبدالحليم ماتعارضنيش انا اكبرمنك واعرف أكثر منك ،الفن عمره ما كان ارتجال


فقال عبدالحليم :أنا عارف


فسأله اسماعيل: أمال بتتكلم في الموضوع ده كثير ليه؟


فقال عبدالحليم : الفن إحساس .. انا صحيح درست الموسيقى معاك في المعهد العالي لكن أنا لا اعترف بالعلوم دي أنا ح ابتكر طريقة جديدة في الغناء!


هل كان عبدالحليم حافظ يعتقد في قرارة نفسه انه سيبتكر طريقة جديدة في الغناء ؟


من المؤكد ان عبدالحليم حافظ ابتكر طريقة جديدة في الغناء فقد قالت لي ليلى مراد ان غالبية الملحنين الشبان يقدمون لها الالحان الجديدة بطريقة عبدالحليم حافظ.


وما تقوله ليلى مراد يقوله جميع المطربين والمطربات وهذا ما أشرت اليه في الفصل الاول من هذا الكتاب او التحقيق الصحفي عندما قلت انه احدث ثورة في الغناء بصوته وأدائه ،وعندما سألت الاستاذ كامل الشناوي عن رأيه في عبدالحليم حافظ أجاب بأنه واهب موهوب ، فقلت له:


هل تقول هذا الرأي بقلبك أم بعقلك؟


فقال: لقد سبق ان قلت ان الصداقة التي بيني وبين عبدالحليم انما هي بين صوته واذني.


والذي يرجحه شقيقه إسماعيل شبانة ان عبدالحليم قال هذه العبارة لكي يتخلص من موقفه الحرج امامه ،وهو يرجح ايضا ان عبدالحليم ظل يفكر ويفكر حتى استطاع ان يصل الى النقطة التي يبدأ منها الغناء ..كان ذلك في سنة 1948


وتركه اسماعيل يغني كما يشاء ولم يقل له سوى عبارة واحدة : اثبت هذا الكلام عمليا


في ذلك الوقت كان اسماعيل شبانة وكمال الطويل قد تخرجا فى قسم الاصوات بالمعهد العالي .. وكان عبدالحليم قد تخرج في قسم الآلات وبدأ يعمل في الفرق الموسيقية كعازف (أبوا) وبدأ عبدالحليم كفاحه بالغناء في الحفلات المدرسية وغير المدرسية واخذ شقيقه اسماعيل يراقبه من بعيد وفاجأه في احدى الحفلات وهو يغني اغنية صباح "ولع يابور الجاز ولع" فغضب اسماعيل غضبا شديدا وقال له :


ايه دى يا سي عبدالحليم هو ده التجديد


فقال له عبدالحليم : اسكت سيبني اتمرن على المسرح شوية


طيب ما تغني لعبدالوهاب؟


مالكش دعوه بيه


وفاجأه مرة اخرى وهو يغني على أحد المسارح اغنية عبدالمطلب "بتسأليني باحبك ليه"


وعندما تقدم عبدالحليم حافظ للجنة الاختبار بالاذاعة غنى أغنية أم كلثوم "ظلموني الناس ظلموني" ، واتصل يومها حافظ عبدالوهاب بالموسيقار عبدالوهاب وقال له:


أنا عندي صوت لو سمعته مش ممكن تنساه أبدأ


فسأله عبدالوهاب ..مين ده؟


فقال حافظ: شاب اسمه عبدالحليم


كان عبدالوهاب عضوا في لجنة الاستماع بالاذاعة واستمع بحكم مركزه الى صوت عبدالحليم في اغنية "ظلموني الناس ظلموني" وألح بعد ذلك على حافظ عبدالوهاب أن يعرفه بصاحب هذا الصوت.


واستأذن عبدالحليم من شقيقه اسماعيل في الذهاب الى عبدالوهاب


فقال له إسماعيل:


اسمع يا عبدالحليم أنا اسمع عن عبدالوهاب إنه قاتل المواهب واخشى ان يعطل هذا الرجل نشاطك فقال له عبدالحليم:


ربما كان هذا الكلام مجرد اشاعات ومع كل فأنا افضل ان اجتاز التجربة بنفسي بدلا من الاستماع الى كلام الناس


والتقى عبدالحليم بعبدالوهاب وغنى له في أول لقاء أغنية "على إيه بتلومني" واستعادها منه عبدالوهاب اكثر من عشر مرات ، ثم قدم له عبدالوهاب عقد الأفلام ولم يوقع عبدالحليم العقد ولكنه حمله معه وذهب الى شقيقه اسماعيل وقدمه إليه.


قال له إسماعيل:


اسمع يا عبدالحليم لا تأخذ رأيي في شئونك لقد اصبحت الآن رجلا ويجب ان تعتمد على نفسك في كل كبيرة وصغيرة


ومنذ تلك اللحظة بدأ عبدالحليم حافظ يعتمد على نفسه ووقع العقد مع عبدالوهاب ولكن عبدالوهاب لم ينفذ العقد إلا بعد سنتين.


وعندما سألت اسماعيل عن السر في هذا التأجيل قال لي : ان عبدالوهاب لم ينفذ العقد الا بعد ان تأكد ان عبدالحليم سيكون الفرخة التي تبيض ذهبا .


الأسبوع المقبل الفصل السابع من الكتاب