د. محمود خليل: الصحافة المصرية «انضربت فى خلاط السلطة»

04/05/2016 - 12:55:52

  د. محمود خليل أثناء حواره مع رانيا سالم عدسة: محمد فتحى د. محمود خليل أثناء حواره مع رانيا سالم عدسة: محمد فتحى

حوار: رانيا سالم

ما المعايير التى يمكن الرجوع إليها لتقييم الحرية التى تتمع بها وسائل الإعلام فى مصر؟.. هل تخشى السلطة القائمة وسائل الإعلام أم أنها تفتقد الأداة الإعلامية التى تريدها؟.. أين يقف الرئيس عبد الفتاح السيسى ونظامه من وسائل الإعلام؟.. صدور قانون موحد للصحافة والإعلام هل سيكون ذا أثر إيجابى على الوضع القائم؟


الأسئلة السابقة وغيرها حملناها إلى طاولة الحوار مع الدكتور محمود خليل، رئيس قسم الصحافة والإعلام بكلية الإعلام، جامعة القاهرة، والذى يمكن القول أنه قدم لها إجابات واقعية، بجانب إصراره على تقديم قراءة حقيقية سواء للوضع الإعلامى الراهن، أو موقف النظام الحاكم من وسائل الإعلام.


رئيس قسم الصحافة بـ«إعلام القاهرة»، تحدث أيضا عن التغييرات التى شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة الماضية، والتى كان لوسائل الإعلام نصيب منها، ولم يكن منحازا لوجهة نظر فريق بعينه، ففى الوقت الذى انتقد فيه تعامل القيادة السياسية مع الصحافة والإعلام بشكل عام بسياسة «واستعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان» خرج ليؤكد أن هناك من هو داخل الوسط الإعلامى أصبح «ملكيا أكثر من الملك».


د. «خليل» تحدث أيضا عن المتغييرات التى من الممكن أن يفرضها القانون الموحد، كما تطرق الحوار عن أزمة «تيران وصنافير»، وقدم رؤيته للواقع الحالى، والمستقبل القريب.. وعن هذه الأمور وملفات أخرى كان الحوار التالى:


بناء على المعايير التى يمكن الرجوع إليها لتقييم الحق فى حرية الرأى والتعبير.. هل يمكن أن تقيم لنا حال الإعلام والصحافة تحديدا فى مصر؟


نبدأ من نقطة «حرية الإصدار» التى أستطيع أن أقول إنها مكفولة على الورق إلى حد كبير، من الناحية القانونية والدستورية هناك اتفاق على الإخطار لإصدار الجريدة، لكن عملياً هناك إجراءات معقدة، فخلال الفترة الأخيرة لم نشهد صدور جرائد جديدة، ومازلنا فى انتظار قانون موحد للصحافة والإعلام، لأنه سيحدد الإجراءات المطلوبة لإصدار الصحف، ووقتها نستطيع أن نحكم، فالمسألة ليست مرتبطة بالإخطار فقط، لكنها مرتبطة باشتراطات أخرى يمكن أن يحددها المشرع تعوق من حق إصدار الصحف.


كما أننا عند الحديث عن إصدار الصحف، نتحدث عن الصحف الورقية والمواقع الإخبارية الإلكترونية، خاصة أن الصحافة الإلكترونية جزء لايتجزأ من المشهد الإعلامى الحالى.


هذا بخصوص حرية الإصدار.. ماذا عن الحق فى تداول المعلومات؟


أرى أننا نتمتع بحرية نسبية، حيث إننا نمتلك المقدرة على الوصول إلى المعلومات، لكن ليس كل المعلومات، وهذه المقدرة لابد أن تقنن فى إطار قانونى واضح.


إذن.. وفقا لكافة المعطيات التى سبق أن أوردتها.. كيف تقيم حرية الصحافة والإعلام؟


خلال الفترة الأخيرة، هناك نوع من التمدد والاتساع لمساحات الرقابة، وهناك أيضا ثمة حالة من حالات الخوف لدى الصحفيين تقابلها حالة من الكتمان لدى السلطة السياسية، وأرى أن هذا الأمر برمته مرتبط بالظرف الحالى الذى نعايشه، وهناك مؤشرات على تراجع الحريات، كتأخر صدور بعض الصحف التى أُعلن عن إصدارها، بما يشع قدرا من التعنت أمام هذه الصحف، وهناك أيضا عمليات حبس الصحفيين، كما حدث فى ٢٥ أبريل، صحيح أن هناك عددا أفرج عنهم، لكن مازال منهم من هو قيد الاحتجاز.


وفى هذه النقطة أعود إلى سياسة الكتمان التى تتبناها السلطة السياسية، فالرئيس عبد الفتاح السيسى يتعامل بمنطق أهل الشر، فهو دائما ما يتحدث عما يُطلق عليهم أهل الشر، الذين يكايدون لمصر أو يكايدونه سياسياً، ويرى أنهم إذا عرفوا بعض المعلومات عن المشروعات التى تدار فى مصر يمكن أن يعوقوه، ويضعوا العراقيل فى طريقه، لذلك هو شديد الحرص على الكتمان.


ومع ذلك هناك مساحات أخرى للنقد توجد ومكفولة، لكن من خلال مقالات الرأى على وجه التحديد، وأخشى أن أقول إن هذه المساحة بدأت تضيق بعد أزمة تيران وصنافير، فهذه القضية أرى أنها محطة هامة فى مجال حرية الرأى تفصل ما قبلها عما بعدها.


من وجهة نظرك.. هل من الممكن أن تتأثر الصحافة بنظرية أهل الشر تلك؟


بالتأكيد، فالصحافة عندما تصلها معلومات، تعتمد على آلية التكتم، أو ترفع ذلك المثل الشعبى الشهير «اكفى على الخبر ماجور»، وهذا ما يحدث حالياً، وأرى أنه وضع يضر بالمشهد الصحفى أشد الضرر.


هل تتساوى فى هذا الأمر الصحف القومية والصحف الخاصة؟


بالطبع.. فالقارئ لا يستطيع اليوم أن يميز مابين صحيفة خاصة أو قومية أو حزبية، فالصحافة المصرية «انضربت فى خلاط السلطة» ولهذا لدينا هذا المنتج الذى يوجد الآن، فالتمايزات بين الصحف أصبحت غير موجودة على الإطلاق.


وعندما ننظر فى الأمر من الزاوية المهنية، فلابد أن يكون هناك خلل ما فى الرؤية المهنية، ففى الإعلام المصرى أو الصحافة على وجه التحديد نمارس سياسة أكثر مما نمارس مهنة، تطبيقاً لرؤية رئيس الدولة فيما يخص الإعلام.


فى سياق حديثك ذكرت الرئيس عبد الفتاح السيسى ومصطلحه «أهل الشر».. هل يمكن لك أن تقدم لنا ما يمكن وصفه بتحليل لرؤية الرئيس للإعلام؟


من البداية فى مجال الإعلام، تحدث الرئيس عبد الفتاح السيسى أن الرئيس جمال عبد الناصر كان محظوظا فى إعلامه، لكن هذا الإعلام كان فى الستينيات، هل تستطيع أن تحيي زمنا ميتا فى زمن وعصر جديد، من الصعوبة أن تقدر إعادته، فلا يمكن إعادة معادلة الإعلام الناصرى لسببين، الأول أننا نعيش فى ٢٠١٦ وليس فى ١٩٦٠، والسبب الثانى أن عبد الفتاح السيسى ليس جمال عبد الناصر، فعودة هذا الإعلام وهم.


كما أنه إذا كان من الممكن أن تقنع شاباً فى العشرينات بأن يستمع لقصيدة أم كلثوم «ريمٌ عَلى القاعِ بَينَ البانِ وَالعَلَمِ» «أَحَلَّ سَفكَ دَمى فى الأَشهُرِ الحُرُمِ» التى أنتجت عام ١٩٦٢، فمن السهولة أن تقول إن هذا الشاب من الممكن أن يقتنع بمانشيتات الجرائد اليومية، كما كانت تُكتب فى الستينيات، فلا يمكن أن يتقبل هذا الشاب إعلاما كان يقدم فى الستينيات


وأخيرا أريد التأكيد على أن القول بعودة إعلام الستينيات فى ٢٠١٦ فهذا الأمر من كل الوجوه لن يستطيع أحد أن يفعله بأى حال من الأحوال، وأن يقال هذا الكلام بعد ثورتين قام بهما الشعب فهذا أمر غير موضوعى، وأن يقال هذا الكلام على لسان رئيس الدولة، فهو أمر لنا عليه بعض التحفظ، فمن يريد إحياء الستينيات سياسة أو إعلاما أو اقتصادا سيكون كمن يريد إحياء ميت.


لكن الرئيس تحدث أكثر من مرة عن عدم مساندة الإعلام له.. إلى أى مدى ترى أن الإعلام لا يساند القيادة السياسية؟


لا خلاف على أن الإعلام لابد أن يكون له دور تنموى عن طريق تسليط الضوء على المشروعات التى تتولاها الدولة، لكن على الجانب الآخر السلطة مطلوب من ناحيتها توفير معلومات عن هذه المشروعات، لكنها لاتوفر معلومات خوفا من أهل الشر..!


كما أن الرئيس انتقد الإعلام وانتقد الصحافة فى أكثر من موضع، لكن لا أرى أن النقد فى محله، السبب أنه يأتى من رأس السلطة التنفيذية فى مصر، فبالتأكيد الإعلام يعيش حالة من حالات الفوضى، لكن قبل أن ننتقده علينا أن نتساءل (أين القانون الذى ينظمه؟)، فكما أوضحت فى إجابة سابقة أننا مازلنا ننتظر صدور القانون الموحد للصحافة والإعلام، فهناك بطء فى التعامل مع القانون الموحد للصحافة والإعلام.


إذن.. هل تتوقع أنه بصدور القانون سيتم ضبط حالة الفوضى الإعلامية؟


صدور القانون سيكون خطوة على طريق طويل، وتنظيم الحالة الإعلامية الحالية مسألة تأخذ وقتا، لكنها خطوة مهمة، لابد أن تتبعها خطوة أخرى، وهى خطوة تصالح ما بين الرئاسة والإعلام، فهناك حالة خصومة ظاهرة من جانب السلطة، وخصومة مبطنة أو خفية من جانب الإعلام، لابد من حل هذه الإشكالية، فالدولة والسلطة التنفيذية فى مصر لابد أن تقتنع أن للإعلاميين أدوارهم، وأن دورهم فى الرقابة هو أهم دور لصالح هذا الوطن، إذا كنا نريد حماية الدولة المصرية، فعلينا أن نمكن وسائل الإعلام من أداء دورها الرقابى.


الإعلاميون من ناحيتهم لابد أن يكون لديهم وعى بأنهم يلعبون دورا مهما فى دفع عجلة التنمية إلى الأمام، وفى تحريض المواطن المصرى على المشاركة فى عملية التنمية، لابد للإعلام أن يقوم بدور بناء فى تطوير المواطن المصرى، الذى يعانى الكثير من المشكلات فى رؤيته الثقافية، كما أنه مطالب بأن يكون مشاركا وبقوة فى إيجاد حلول للعديد من المشكلات التى تواجه المجتمع كالمشكلة الأخلاقية، والتعليم، فى التوعية بالمشروعات القومية التى تقوم بها الدولة.


من وجهة نظرك.. ما أهم المواد التى يجب أن ينص عليها فى قانون الصحافة والإعلام الموحد؟


لابد أن تلغى عقوبة الحبس فى جرائم النشر، وفى جرائم الرأى عموماً بشكل واضح وصريح، ولابد أن يتم النص على ذلك، حماية لحق الصحفيين فى ممارسة النقد، المشكلة الأساسية أن الحق فى النقد هو حق مكفول لكل العاملين فى مجال الإعلام، لأنه حق من أجل المجتمع.


فالإعلام سلطة رقابية، تراقب على أداء السلطة التنفيذية على وجه التحديد، فلابد أن تيسر لها القدرة والإمكانية على ممارسة النقد دون ضغوط أو تحديد بالحبس، حتى يؤدوا مهمتهم على الوجه الأكمل، فعند وضع عقوبة السجن كيف أمارس حقى النقدى.


بعيدا عن هذا الأمر.. كيف ترى إدارة مظاهرات ٢٥ أبريل إعلامياً وسياسياً؟


الإعلام مارس نوعا من أنواع التعتيم إلى حد كبير على هذه المظاهرات، وللأسف التعتيم توازى معه نوع من أنواع الشائعات على مواقع التواصل الاجتماعى، كما أن الطريقة التى تعامل بها الأمن مع المتظاهرين لدى تحفظ عليها، لأن المظاهرات خرجت للتعبير عن الرأى، فيجب أن تترك لهم الفرصة، وتعلم أنه معترض على قانون التظاهر فلماذا لا تتركه يعبر عن رأيه؟!


كما أنه فى مقابل التعامل بمنتهى الصرامة والحسم مع تظاهرات الشباب أمام نقابة الصحفيين، وجدنا تعاملا مغايراً مع من يؤيدون السلطة السياسية ويؤيدون أن تكون صنافير وتيران سعودية، تاركهم للاحتفال كما شاءوا، بعضهم رفع الأعلام السعودية فى مشهد جرح مشاعر الكثيرين، والبعض منهم تظاهر أمام النقابة وسمح لهم باقتحام مبنى النقابة.


ومطاردة وملاحقة للصحفيين أساءت كثيراً إلى هذا اليوم، كما أنها كانت ممارسات شديدة الفجاجة، تنتمى إلى عصور قديمة، نحن لا نريد إحياءها أو عودتها، فالقاعدة تقول إن تشابه المقدمات يؤدى إلى تشابه النتائج، واليوم هذه المقدمات التى تعاينها ونراها، كانت لها نماذج سابقة فى أنظمة سياسية سابقة، ونحن نعلم ما انتهت إليه هذه الأنظمة، فالعقل والحكمة يقتضى أن يتم علاج هذه المشكلات بدرجة أكبر من العقلانية، وبدرجة أعلى من الحكمة والتفهم، وهو المطلوب.


كيف يمكن الارتقاء بالصحف القومية والإعلام الرسمى اتحاد الإذاعة والتليفزيون تحديدا؟


الإعلام القومى بشكل عام فى حاجة إلى إعادة هيكلة، وتطوير، فالإعلام القومى فى مصر إعلام فى منتهى الأهمية، ويمكن القول أنه المساحة الأساسية التى يمكن أن نخلق من خلالها ما يسمى بإعلام الخدمة العامة، والذى يقوم بأدوار فى التثقيف والارتقاء بوعى المتلقى وتحقيق أهداف تعليمية، والارتقاء بذوق المصريين فى الفن والثقافة والرياضة، وفى كافة مناحى الحياة.


فالإعلام القومى ثروة حقيقية، لابد أن تعاد هيكلته وتنظيمه، بصورة تجعل من الصحف والنوافذ الإعلامية أدوات قادرة على المنافسة، وهى تستطيع تحقيق هذا، فداخلها كوادر، ولديها إمكانيات، لاينقصها إلا حسن الإدارة، فما تراكم من مديونيات أراه نتيجة لفساد السنوات الماضية فى عصر مبارك .


هناك من يطالب بإعادة وزارة الإعلام.. إلى أى مدى ترى أهمية هذا الأمر وهل الوضع الحالى يفرض علينا إعادتها؟


أكثر شىء يميز وجود وزارة إعلام أن تكون هناك جهة واحدة تتدخل فى مساحة الرقابة والمنع، أما الآن فهناك عدة جهات تتدخل فى المضمون الذى يتم تقديمه، ولهذا يتصور البعض أن المنع يتم من خلال الرئاسة وهو أمر غير صحيح، ففى كثير من الأحوال أجهزة أخرى هى التى تمنع، وهو الذى يؤدى إلى حالة الضغوط على الصحف ووسائل الإعلام، إن ثمة أجهزة كثيرة تتدخل اليوم، وهو أمر خاطئ، إلى الحد الذى يجعل بعض الناس تتباكى على وزارة الإعلام.


لكننى رغم هذا أرفض عودة وزارة الإعلام تماماً، لأن الدستور نص على وجود مجالس محددة، والحل يكون بأن يتم تشكيل تلك المجالس لأن وزارة الإعلام ظاهرة ديناصورية منقرضة فى كل التجارب الإعلامية فى العالم.