د. أحمد زايد أستاذ علم الاجتماع: الطبقة الوسطى تفككت ولم تتآكل

09/09/2014 - 10:03:48

د. أحمد زايد أستاذ علم الاجتماع د. أحمد زايد أستاذ علم الاجتماع

حوار : إيمان رسلان

الطبقة الوسطى تفككت ولم تتآكل. قد يكون هذا خبراً جيداً، لكن غير الجيد هو أنها فقدت حماسها الذي كان رأس حربتها وجواز مرورها إلي عهد عبدالناصر حيث ازدهرت وقادت نهضة.


ورغم عدم تآكل الطبقة الوسطي إلا أنها غير قادرة علي القيام بدورها التاريخي، لأن الشللية والفردية والخوف علي الذات، أمراض ضربت غالبية أفرادها، لذلك يقترح الدكتور أحمد زايد، أستاذ علم الاجتماع وعميد كلية الآداب بجامعة القاهرة أن يتولي أبناء هذه الطبقة إصلاح التعليم، بفرض ضريبة أوإنشاء صندوق للتعليم يموله أعضاء الطبقة الوسطي معتبراً أنها مهمتهم الأولي.


د. أحمد زايد يشرّح بمشرط العالم أوضاع الطبقة الوسطي حالياً ويقول إنه لا نهوض للطبقة الوسطي إلا بخلق الأهداف العامة لتوحيد أفراد هذه الطبقة بدلاً من حالة التشرذم الحالي الذي تعيش، وأول الحل يكون بمفتاح التعليم.


> كيف نعرف الطبقة الوسطى أو من هى ؟


- هناك عدد من التعريفات للطبقة الوسطى ولكن هناك شبه اتفاق على أنها الطلائع من المتعلمين وخاصة خريجى الجامعات الذين احتلوا مراكز متقدمة فى وظائفهم المتخصصة نتيجة دراستهم وعملهم .


l هل هناك نسبة أو تحديد لحجم الطبقة الوسطى فى مصر ؟


- نستطيع أن نستنتج حجم الطبقة الوسطى وذلك من خلال الأرقام والإحصائيات المعلنة وأخيراً أعلن الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء أن نسبة الفقر فى مصر 26% وأن هناك نسبة 5.6 % دخلها السنوى فى حدود قليلة أى فوق خط الفقر قليلا وبالتالى بجمع هذين الرقمين يصبح الباقى أو خارج هذه النسبة هم أفراد الطبقة الوسطى.


l ما أهمية الطبقة الوسطى حتى يشعر الجميع بالقلق أو الخطر تجاه أحوالها ؟


- تاريخ الطبقة الوسطى هام للغاية خاصة فيما يخص الحراك الاجتماعى والسياسى للمجتمع المصرى وعلى سبيل المثال سنجد أن الطبقة الوسطى قبل ثورة 1952 هم من قادوا الكفاح ضد المستعمر البريطانى وأفراد من الطبقة الوسطى هم من قاموا بثورة 1952 لذلك سنجد أن بعد عام 1952 وحتى نهاية الستينيات وأوائل السبعينيات تضخمت الطبقة الوسطى وارتفعت أعدادها ولكن منذ منتصف عام 1975 بدأت هذه الطبقة فى التآكل ونلاحظ أن التآكل تم من داخل الطبقة أيضا وأصبح هناك تفكك فيها على مستويين، مستوى منه نطلق عليه التفكك البنائى من خلال عدد محدود وقليل قفز إلى أعلى من خلال المغامرات المالية والقروض من البنوك والاستيراد إلى آخره. والمستوى الثانى هو ما تم عن طريق الترقى فى الوظائف وخاصة طبقة المدراء وغيرهم وهؤلاء شكلوا أيضا جزءاً متباعداً إلى أعلى من هذه الطبقة فى المقابل سنجد أن هذا تواكب مع انسحاب الدولة من تقديم الخدمات أو دورها الاجتماعى فحدث إفقار لأعداد كبيرة من الطبقة الوسطى لتقترب من الطبقة العاملة.


أيضا سنلاحظ أن فئة المهنيين من أصحاب التخصصات حافظوا على وجودهم فى الوسط بين الجزء الذى انتقل إلى الدرجة العليا من الطبقة الوسطى أو من انتقل إلى الطبقة الدنيا - وهذا ما سوف نلاحظه أو تجسده تماما قضية الزى فى مصر خلال حقبات مختلفة.


> ماذا تقصد أو لنعطى أمثلة تفصيلية لذلك؟


- قضية الزى خاصة للمرأة هى انعكاس لما حدث فى المجتمع من تغيير وخير تجسيد لذلك إعادة مشاهدة حفلات أم كلثوم وكيف كانت الأزياء التى أفراد الطبقة الوسطى فى هذه الحفلات، وسنجد أنه كان هناك تشابه كبير بين الجميع ولا نستطيع التفرقة بين من هو مثلا مسلم أم مسيحى، أستاذ جامعة أم مهندس أو موظف، أما الآن فلاحظوا شكل الزى فى الحفلات الحديثة ستجدون فيه خير تجسيد لما حدث فى الطبقة الوسطى ومدى المؤثرات والتغيرات التى يعكسها الزى أو الملابس ويجب إجراء دراسات مستفيضة فى ذلك حتى نرصد ماذا حدث.


كذلك أيضا وجدنا أن رأس المال الاجتماعى منذ منتصف السبعينيات قد أخذ فى التدهور وحدث تعظيم للفردية والسلوك والنجاح الفردى بين تقليل نجاحات الدولة فى مقابل تعظيم النجاحات الفردية، وتواكب مع ذلك تحويل للأهداف أيضا، فلم يصبح هناك هدف قومى يتفق عليه، وإنما اتجه أبناء الطبقة الوسطى إلى التقوقع والأهداف الفردية للأسرة نفسها، وسنجد مثلا أن تعليم الأولاد والأبناء أصبح هو الهدف الأعظم الرئيسى للأسرة وأن تعليم الأبناء أصبح هو الهدف الشخصى، وبالتالى لم تصبح قضايا المجموع أو الوطن فى التفكير الفردى أى أنه تم الاتجاه إلى الخلاص الفردى فقط فمن النتائج التى توصلنا إليها أنه فى مقابل احتكار قلة من الأشخاص للسلطة حدث فى المقابل أن اتجه أعضاء الطبقة الوسطى إلى الأحلام الشخصية للفرد أو العائلة وهذا يجسده أن الآمال أصبحت أو تلخصت فى بناء منزل متكامل يجمع الأسرة، توفير التعليم الجيد للأبناء .


وبالتالى قل معدل الثقة جدا فى السلطة ومن هنا قلت المشاركة فى العمل العام بكل صوره بدءا من السياسى وحتى الاهتمام بالشارع أو الحى الذى يسكن فيه فالخلاص أصبح أن الفرد لايهتم إلا بنفسه فقط وبيته وخارج ذلك لايشارك فيه .


> هل نستطيع أن نقول إن هذه السلوكيات تعنى أن الطبقة الوسطى تآكلت ؟


- لا أستطيع أن أقول ذلك بشكل قطعى وإنما ما أستطيع أن أرصده هو أن الطبقة الوسطى فقدت دورها التاريخى فى أنها بوصلة الحراك والمفارقة أنها رغم ذلك هى التى تسيطر أو تحكم العديد من المجالات الآن بمعنى أنها هى التى تحكم وتسيطر فى مجال الثقافة - الإعلام - التعليم ولكن يبدو أنها تدير كل ذلك بدون حماس حقيقى وتسيطر عليها ثقافة الشللية سواء فى الجامعة أو المؤسسة .


> كيف تصف الطبقة الوسطى أو أوضاعها الآن ؟


- كما قلنا الطبقة الوسطى تنقسم إلى ثلاث فئات: الدنيا والوسطى والعليا ولكن نلاحظ أن الفئة الثالثة أو محدودى الدخل زاد عددها فى السنوات الأخيرة وإذا قلنا إن الطبقة الوسطى نسبتها 65% من المجتمع فإن هذه الفئة الثالثة زاد عددها أكثر من الشريحة الوسطى والعليا وبالتالى ما نستطيع أن نقوله إن الطبقة الوسطى تفككت ولم تتآكل ولذلك لم تصبح تقوم بأدوارها التى قامت بها تاريخياً وهذا التفكك الذى حدث أصبح عميق الجذور ومتشعباً وله الكثير من المظاهر.


> هناك ملاحظة أو مقولة أن الطبقة الوسطى تشعر بالخوف فهل هذا صحيح ؟


- يمكن أن يكون ذلك صحيحاً وعلى العموم هى ملاحظة مرصودة وهذا نتج من أن القلق على الوجود نفسه نتيجة ما حدث منذ منتصف السبعينيات خلق قلقاً على وجود الشخص نفسه داخل الطبقة، لأنه كلما ازداد حجم عدم الثقة فى الحكم والحاكم والسلطة والمجتمع، يزداد حجم الخوف للفرد داخل الطبقة ويتحول هذا الخوف إلى البحث عن نوع أو سياج من الأمن الشخصى للفرد أى يبحث الفرد عن أمنه الشخصى فقط وليس الإحساس بالاندماج فى المجتمع وهو ما كان حادثاً للطبقة الوسطى حتى الستينيات من حيث إن الفرد مندمج أو جزء من المجتمع، ولكن التفكيك الذى حدث فى بنية الطبقة الوسطى منذ السبعينيات أدى حتى إلى عدم الكفاءة المهنية فى العديد من التخصصات، ويمكن أن يؤدى أيضاً إلى انحدار المستوى المهنى للافراد نتيجة للتدهور الحادث فى مختلف المجالات وعلى رأسها التعليم وهذا يمثل تحدياً كبيراً وخطراً أيضاً لأنه فى ظل التنافس العالمى حالياً فإن استمرار التدهور سيؤدى إلى خروجنا تماماً من التنافس العالمى .


> ما الخطوات التى يجب اتخاذها لوقف هذا التدهور الخطير ؟


- أهم خطوة على الإطلاق هى إصلاح التعليم، وهذا ليس واجب الدولة فقط وانما أيضاً هذا واجب أفراد الطبقة الوسطى نفسها بمعنى أننى اقترحت إنشاء صندوق للتعليم هذا الصندوق يموله أعضاء الطبقة الوسطى لأن ذلك هو مهمتهم الأولى كما أعتقد الآن وليست مهمة رجال الأعمال.


فمثلاً سنجد أن كثيرين خاصة من أبناء المهنيين أعضاء الطبقة الوسطى وصلوا إلى مستوى معيشة واقتصادى جيد هؤلاء عليهم واجب مهم هو المساهمة فى تمويل التعليم من أجل إصلاحه، لأنهم المستفيد الأول منه.


> ولماذا لا تقترح فرض ضريبة تخصص بالكامل لتمويل التعليم بدلاً من الاعتماد على المناشدة والضمائر الشخصية للتبرع ؟


- المتبرعون بالتأكيد هذه فكرة جيدة وقد طرحنا ذلك فى السنوات الماضية وقلنا بضرورة فرض ضريبة تسمى واجب التعليم ومن خلال هذه الضريبة وأموالها نحسن مستوى التعليم ويتم إنشاء مدارس جديدة، ولكن هذا لا يلغى أو ينفى فكرة التبرع أو واجب دعم التعليم من جانب من وصل إلى مرحلة الاستقرار الوظيفى والمادى فيجب عليه الآن دفع نفقات تعليم التى تحملتها الدولة وهكذا يمكن أن نرد للدولة أموالها التى تساهم بها مرة أخرى فى تعليم أجيال جديدة فالطبقة الوسطى هى الوحيدة القادرة على إنقاذ نفسها بنفسها.


وهذا لن يتم أو لا سبيل للوصول إليه إلا من خلال التعليم فبدون إصلاح أحوال التعليم لن ينصلح حال الطبقة الوسطى ونحن بذلك نخلق هدفاً عاماً وهو إصلاح التعليم، لأن خلق الأهداف العامة قضية محورية لإعادة التوحد والمشاركة المجتمعية ولا سيما من جانب الطبقة الوسطى، وبدلاً من حالة التشرذم والتفكك لابد وأن نسعى إلى خلق أهداف عامة يتفق عليها وهذا يمثل إحدى السبل لعودة التلاحم أو العمل الجمعى والمشاركة للطبقة الوسطى لذلك أرحب للغاية بطرح فكرة المشاركة فى بناء قناة السويس الجديدة وأقترح أن ينضم التعليم ليصبح الهدف الثانى والأكبر لخلق وعى مجتمعى .



آخر الأخبار