تكميم الأفواه هل ما زال ممكنًا؟!

04/05/2016 - 12:36:37

بقلم - يوسف القعيد

أتعجب ممن يقولون بتكميم الأفواه، - ولو على سبيل التهديد والوعد والوعيد - ويؤكدون أن الدولة ستمنع أى إنسان من الكلام، وأصبحت هناك حكايات لا أول لها ولا آخر عن تنفيذ التهديد وتحويله لأمر واقع، وسمعنا من بعض المستهدفين، أو من يتصورون أنهم مستهدفون كلاما عن مقاومة عملية تكميم الأفواه، الغريب أن الدولة التزمت الصمت تجاه هذا الكلام.


ولكن يبقى السؤال:


هل من الممكن تكميم الأفواه فى زمننا هذا؟!


إن الزمن الذى نحيا فيه هو زمن ثورة الاتصالات الكبرى والإنترنت وكل ما يشكل الفضاء الإلكترونى، لم تعد العبارة التى طالما استخدمناها من أن العالم أصبح قرية صغيرة صالحة للاستخدام الآن، لأن العالم أصبح أكثر من هذا، ما يجرى فى أى مكان فى العالم مهما كان بعيدًا نشاهده لحظة وقوعه ونحن فى بيوتنا، لا نقوم بأى جهد سوى معرفة آليات التعامل مع هذا الفضاء الجديد علينا، والذى سيظل جديدًا لفترة أخرى قادمة.


أتصور أن الدولة الحديثة لم تعد لها سيطرة على أجوائها، وأنا لست متخصصًا فى ذلك، وليس من حقى الفتوى فيه، ولكن سرعة وصول المعلومات كاملة غير منقوصة من مصدرها الأصلى، أى من المنبع إلى المصب، أصبحت تتم بسرعة الضوء إن لم يكن أكثر.


علينا أن ندرك طبيعة العالم الذى نعيش فيه لكى نتمكن من أن نجد لأنفسنا مكانًا فى هذا العالم، فالدنيا لم تعد ترحم الغرباء، ولم يعد هذا عالم مغسولا من أسراره، أسراره القديمة أصبحت فضائح يومية فى الدول الأكثر تقدمًا، وأكثر الناس استعدادًا لإدراك طبيعة التحولات الكبرى فى عالم اليوم هم من عاشوا فى الواقع القديم الذى كان بعيدًا عن الثورات الكبرى التى جرت للناس فى الدنيا.


عرفنا زمن العزلة القديم الذى ولَّى وطويت صفحته، ثم أهلت علينا الحضارة الجديدة، أحكى عن تجربتى الشخصية، نشأت فى قرية لا يصلها بالعالم سوى الراديو القديم، كانت له بطارية، يحملها الحمار إلى البندر ليشحنها، ولم نكن نسمع من هذا الراديو سوى المحطات المصرية، وما كان أقلها فى ذلك الزمان، ولعل الاهتمام الأول بهذا الراديو قد تم بعد قيام ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢، والأخبار التى هزت كيان الحياة فى قريتنا الصغيرة وكانت تتغير من لحظة إلى أخرى.


لكل زمان آيته التى يعرف بها، وتميزه عن غيره من الأوقات التى مرت بالدنيا، ولعلى لا أتجاوز عندما أقول أن النصف الثانى من القرن العشرين، والسنوات التى مرت من قرننا الحادى والعشرين، ستوصف فى التاريخ بأنها أزمنة الشعوب، من قبل رأينا أزمنة الحكومات، وعاصرنا أزمنة قوى الضغط فى المجتمع، وشاهدنا قوة أصحاب المصالح، كيف يعبرون عن مصالحهم ويخدمون عليها؟ ولو أدت هذه المصالح لتكميم الأفواه لكمموها، لأن المتاح من وسائل الاتصال كان أكثر من نادر.


فى سنة ١٩٦٨ بدأت تحركات الشباب فى فرنسا، وقرأنا فى مجلة الطليعة التى كان يصدرها الأهرام ويرأس تحريرها لطفى الخولى بمانشيت عريض يهز الوجدان:


- شباب ٦٨ يهز العالم.


من يومها فإن كل لحظة مرت بالعالم والحكومات تتراجع والشعوب تتقدم، لم يكن تراجع الحكومات سهلًا ولا بسيطًا ولا ممكنًا، ولكنها قاومت - وما زالت تقاوم - لأن أى حكم مهما كانت ادعاءاته الديمقراطية، هو يعنى فى نهاية المطاف مجموعة صغيرة ومحدودة من الحكام، تستمر وتبقى تقهر الأغلبية الصامتة، والتى لا تبقى صامتة لفترات طويلة.


هذا - وعلى بلاطة – مفهوم الدولة منذ أن عرفت وحتى الآن، وهذا الصراع حكم فكرة الدولة منذ بدء الخليقة وحتى آخر يوم فى حياة البشرية، وبعض الحكام الذين قدموا لمصر خدمات جليلة، مثل محمد على باشا، الذى نقول عنه أنه مؤسس مصر الحديثة، والقول دقيق وإن كان لا بد من إيضاح، فقد كان هدف محمد على من مشروعه أن يورث أسرته هذه المملكة، صحيح أن الشعب المصرى استفاد من إصلاحاته، لكن الاستفادة تمت بالصدفة، ما يهمنى فى قصة محمد على الآن، ما إن علم محمد على أن عبد الرحمن الجبرتى، المؤرخ المشهور يُلَسِّنْ عليه، مجرد تلسين وليس انتقادًا ولا هجومًا ولا معارضة، فأمر أن يقتل ابنه أثناء عودته من صلاة الفجر إلى بيته.


لكن زماننا اختلف تمامًا، فلا تستطيع دولة أن تمنع الهواء عن الناس، ولا ما يحمله هذا الهواء من أخبار وحكايات.


لا أُبرِّئ الحكومات من التجسس على الناس، للتجسس على المحكومين قصص دامية وطويلة منذ فجر البشرية، ونجحت محاولات كثيرة منها، ولعل التقدم الاجتماعى والاقتصادى والسياسى الذى أحرزته البشرية فى القرون الأخيرة لا يقل عن التقدم العلمى، فالعلم كما أفاد البشرية فى الكشوف العلمية، وغزو الفضاء واكتشاف الأمراض، وإطالة عمر الإنسان، ومعرفة نوع الجنين بمجرد الحمل به، وكل هذه خيرات كانت البشرية فى أمس الحاجة إليها، ولو لم تتوصل إليها لاخترعتها.


لكن لكل قضية وجهها الآخر، كانت هناك اختراعات شكلت شرورًا على الناس، عانت منها البشرية، لعل أهمها القنبلة النووية التى جربتها الولايات المتحدة الأمريكية فى نهاية الحرب العالمية الثانية وضربت بها: هيروشيما ونجازاكى فى اليابان حتى تتمكن من إنهاء الحرب العالمية الثانية.


زُرتُ اليابان سنة ١٩٩٤، وذهبت إلى هيروشيما، وقضيت فيها يومًا وأنا أتجول بين الآثار الناتجة عن القنبلة النووية، ثم ذهبت إلى المتحف الذى يحكى قصة ما جرى، وقد ذهلت لأن الحكاية لم ترد فيها كلمة واحدة عن أمريكا باعتبارها التى ضربت اليابان بالقنبلتين.


أعود لموضوعى وأقول أنه من علامات الرشد التى تبدو من سلوكيات الحكام فى أى مكان من العالم ألا تحاول قطع ألسنة الشعوب، وأن حرية التعبير التى هى حق أصيل لكل شعب قبل أن تكون منحة من الحاكم تلعب دورًا يُحدث التوازن فى المجتمعات، ويوفر لها حالة من الاستقرار لا وجود لها عند منع الناس من محاولات الكلام.


قديمًا قالوا: الكبت يولد الانفجار، وفى العصور الوسطى تحدثوا عن الصمت المفروض على الناس باعتباره يمثل صمت البحار الذى يحوى فى جوفه ثورات وثورات، وقال ميكيافيللى فى نصائحه لأميره فى العصور الوسطى، أن الشعوب التى تحصل على حظها من حرية التعبير، تفكر ألف مرة قبل الإقدام على الأفعال الكبيرة.


وكان طه حسين يقول لزائره:


- تكلم حتى أراك.


فى زماننا لا شىء يمكن منعه، وأن من الحماقة فعل هذا، وترك الأمور أفضل من المنع والمنح، من شروط العمران التى يجعلها ابن خلدون أساسًا للمجتمعات فى مقدمته الشهيرة أن تعبر الناس عما تعتقده، وألا يمنعها أحد من ذلك، لقد قيل هذا الكلام فى العصور الوسطى قبل أن تكون لدى البشرية كل وسائل الاتصال الحديثة، فما بالك بوضعنا الراهن الآن؟!