90 عاماً .. من المصوّر

09/09/2014 - 10:00:41

العدد الاول من المصور العدد الاول من المصور

بقلم: أحمد النجمي

حين يصدر عدد «المصور» يوم الأربعاء 22 أكتوبر المقبل، حاملاً الرقم «4698»، تكون «المصور» قد أتمت 90 عاماً من الصدور.. بالتمام والكمال.. وتكون عشرات الآلاف من الصفحات قد صدرت ضمن هذه المطبوعة، وآلاف الصور.. وملايين الكلمات، قد طُبعت في أعداد هذه المجلة، حررها مئات المحررين ومئات الكتاب، وآلاف التحقيقات الصحفية، والحوارات، والمقالات.. قد صدرت في هذه الأعداد التي ظهر عددها الأول 24 أكتوبر 1924، وتكون عشرات الآلاف من الأخبار والتقارير الصحفية، قد نشرت في «المصور».. وتكون مطابع «دار الهلال» قد سهرت آلاف الساعات تواصل الليل بالنهار لتطبع «المصور».. لا يعلم القارئ كم من البشر يشاركون في هذه المجلة العريقة، المحررون، المخرجون الصحفيون، السكرتارية التنفيذية، التصحيح، الجمع والإسكانر، الإعلانات، الطباعة بمراحلها، الاشتراكات.. ربما نحتاج - نحن العاملين في «المصور» - إلي وقت لحساب هذه الحسبة، وأفضل من أن ننشغل بها، أن نحتفي بالمصور، احتفالاً ثقافياً وإعلامياً ضخماً، ليس حباً في الاحتفال في ذاته، وإنما لنعطيها حقها في التكريم، ونعطيها دفعة جديدة إلي الأمام، لاسيما أنها تستعد بالفعل لكي تجدد دماءها شكلاً وموضوعاً.


تختار المطبوعة الصحفية من يقرؤها من العدد الأول، سواء أكانت مجلة أو صحيفة، الكلام هنا عن المطبوعة الورقية، أما الإلكترونية - التي تصدر علي الإنترنت - فهي مفتوحة لجميع القراء.


«المصور» اختارت الطبقة المتوسطة قارئاً أساسياً، نقول «أساسياً» لأن المجلة تتجه في بعض الأحيان بموضوعاتها إلي الطبقتين الدنيا والعليا، حسب الاهتمام الأساسي لكل عدد، هذا الاهتمام الذي يظل يتأرجح من السبت إلي الاثنين - صباحاً - لكي يتصدر الغلاف، ذلك الذي يقوم المدير الفني بإخراجه في الساعات الأخيرة.. لكي يواكب الاهتمام الأساسي للعدد وموضوعه الرئيسي وبقية العناوين المهمة، فـ«الإيقاع الأسبوعي» للصدور، وإن كان يعطي الفرصة في الكتابة والتجويد في الإخراج، إلا أنه صار مرهقاً للغاية في هذا الزمان، فآليات الإعلام تغيرت تماماً.. انفتحت الآفاق عبر الفضائيات ومن خلال الإنترنت لتقدم الخبر لحظة بلحظة من هنا صار اللحاق بالأخبار - صحفياً - يحتاج إلي حرفية شديدة ليس فقط في التقاط الخبر ولكن في أسلوب كتابته أيضاً.


تلك مسألة من ضمن شبكة من المسائل التي نجتهد في حلها في «المصور» ويجتهد الزملاء في جميع المطبوعات الأسبوعية في إيجاد مَخرج لها.


ويعمل بـ«المصور» الآن، التي صدر عددها الأول في 24 أكتوبر 1924، أكثر من 60 صحفياً وصحفية، يمثلون جميع أجيال العمل الصحفي، من شباب تحت الثلاثين إلي شيوخ يقاربون الستين، أجيال يسلم بعضها إلي بعض راية العمل في هذه المطبوعة، منهم من هو تحت التمرين وينبئ بالكثير، ومنهم من يشغل المناصب الصحفية الرفيعة، وقد لا يصدق القارئ القول بأن هؤلاء جميعاً يختلطون بروح الأسرة الواحدة، فالقارئ اعتاد النظر إلي العمل الصحفي برؤية الأفلام السينمائية التي لاتزال بعيدة عن حقيقة هذا العمل، رئيس تحرير «المصور» الحالي الأستاذ «غالي محمد» علي سبيل المثال يفضل الجلوس في مكتب سكرتارية التحرير خلال أيام الصدور «السبت والأحد والاثنين»، أما كاتب هذه السطور - العبدلله - فقد اضطر إلي كتابتها في مكتب رئيس التحرير، لأن مكتبي ببساطة كان يجلس فيه عشرة أشخاص بين مخرجين وصحفيين، ورئيس التحرير ذاته.. هذه الروح الطيبة البسيطة لا تجدها إلا في «المصور».. وتلك الصلات الإنسانية العميقة ربما تندر إلا في «المصور»، وإذا لم تتوافر في السابق لكانت «المصور» قد توقفت عن الصدور.. بالأساس!


هكذا طفنا بك قليلاً - أيها القارئ الكريم - في عالم «المصور» الذي لا تعرفه، فأنت تعرف فقط المطبوعة التي بين يديك، التي تلتقطها من بائع الصحف صباح الأربعاء من كل أسبوع، وأنت غير مطالب بمعرفة «ما وراء المطبوعة»، لكننا نعلم - يقيناً - ذلك الحب الفريد الذي بينك وبيننا، نحن في «المصور» تعلمنا ألا نعمل إلا لمصلحة القارئ، لا نقدم له إلا المعلومة المدققة، والكلمة الصادقة، والصورة الملتقطة بعناية، هذه هي الأمانة الصحفية التي توارثناها أجيالاً بعد أجيال في هذه المطبوعة ذات التسعين عاماً.. ومن منطلق الحب المتبادل هذا، نطلعك علي المزيد من أسرار وتاريخ هذه المطبوعة، بعد أن أطلعناك علي شئ من «دولاب» العمل اليومي بها..!


رؤساء التحرير


حين صدرت «المصور» في 24 أكتوبر 1924، تعاون علي تحريرها «إميل وشكري زيدان» - وريثا «جورجي زيدان» مؤسس دار الهلال - وكان علي رأسها «فكري أباظة»، الذي حمل لقب «الباشا» بعد ذلك، ليس فقط لكونه من عائلة «أباظة» وجميعهم من كبار أعيان ذلك الزمان، بل لأنه حصل علي هذا اللقب رسمياً في عصر الملك «فاروق»، ويحكي أن «فكري باشا» كان نموذجاً فريداً في السلوك، فهو متحدث شديد اللباقة، متدفق، مثقف، كريم لدرجة تفوق الخيال، قيل إنه كان يدعو محرري المصور إلي ولائم طبقها الرئيسي هو «العدس الأباظي»، الذي انتسب إلي عائلة أباظة، وهو ليس العدس الذي اعتدنا عليه، بل هو «اختراع» مذهل، فيه من الدسم و«الخلطة» ما يجعل أثره أكثر فعالية من أثر «ديك رومي»! هكذا - أيضاً - كانت صحافة فكري أباظة، التي جعلت توزيع «المصور» في الأربعينيات يصل في بعض الأعداد إلي مائة ألف نسخة، وهي حقيقة تاريخية ثابتة، تجعل «المصور» في ذلك الزمان واحدة من أكثر المجلات توزيعاً في العالم كله..!


اعتمد «أباظة» علي الصورة بالأساس.. أليست المجلة تحمل اسم «المصور» - بالواو المفتوحة المشددة - بمعني المطبوعة المصورة؟ كانت الصحف والمجلات وقت صدور «المصور» لا تنشر صوراً إلا في أحوال نادرة، وصدرت المصور لتتحدي جميع الإصدارات بالفوتوغرافيا، والصور الرائعة الالتقاط، التي تفرد لها مساحات ضخمة من المجلة، كانت تصل في عصر فكري أباظة لنحو ثلثي الإصدار.. أما الكتابة فلم تكن تزيد علي الثلث بحال..! وإلي جانب الصورة - التي جاء منها اسم «المصور» - جاء الانفراد الصحفي، وكان محررو المجلة سباقين إليه.. ولم تكن هناك «وسائط» إعلامية في ذلك العصر سوي «الراديو»، الأمر الذي جعل لـ«المصور» دوراً إعلامياً ضخماً في الحجم والتأثير..!


ثم جاء «تأميم الصحافة».. المؤسسة التي تصدر «المصور» وغيرها من المطبوعات - دار الهلال - نزعت ملكيتها من «آل زيدان» وصارت ملكية عامة للشعب، وأتي عصر جديد.. بأدوات جديدة ومفاهيم مغايرة، كان هذا في مطلع الستينيات، حين جاء «علي أمين» - أحد رواد الصحافة المصرية الكبار - رئيساً للتحرير، واجتهد في عمل «المصور» في شكل ومضمون جديدين، وهو ابن «الصحف» لا المجلات.. والصحفيون يعرفون الفارق تماماً، لكنه اجتهد كثيراً في عمل مطبوعة صحفية جديدة.


مرت - سريعة - فترة أمين.. وجاءت الفترة الأهم، حين اختير الأستاذ «أحمد بهاءالدين» رئيساً للتحرير، كان هذا في «عز» عصر جمال عبدالناصر - رحمة الله عليه - ولم يكن «بهاء» مجرد صحفي نابغ، سبق له أن رأس تحرير مطبوعات مهمة وهو ابن 25 سنة - مثل مجلة «صباح الخير» - لكنه كان كذلك مفكراً سياسياً مرموقاً، ومثقفاً يسارياً عظيماً، لتغير «المصور» اتجاهها من جديد.


في عصر بهاء.. شهدت «المصور» قفزة تحريرية، فقد انضم إليها كتاب كثيرون، وأصبحت منبراً سياسياً وفكرياً وثقافياً وفنياً مرموقاً، وإلي جانب قلم ورأي بهاء - وما كان أروعه من قلم، وما كان أخطره من رأي! - كانت أقلام كثيرة قد انضمت لـ«المصور» ولمعت فيه.. وإذا أمسكت بعدد من أعداد «المصور» في عهد بهاء - الذي استمر في رئاسة التحرير إلي العام 1971 - لوجدت فيه مقالات بأقلام: علي الراعي، صالح جودت، رجاء النقاش، كمال النجمي، صبري أبوالمجد، أمينة السعيد، عبدالنور خليل.. وغيرهم من ألمع الأسماء.. وقد حافظ «بهاء» علي منهج «الصورة» الذي أسسه فكري باشا أباظة، الذي ظل من كتاب «المصور» وأعمدتها الرئيسية في فترة الأستاذ بهاء.. لكن المساحات المخصصة لها تراجعت قليلاً لحساب الكلمة.. فقد ظهر «التليفزيون» - عام 1960 - في مصر، فأغني المصريين عن فكرة الصورة قليلاً، وهو ما سيتضخم فيما بعد من العقود..!


وبعد حركة التصحيح التي قام بها السادات في مايو 1971، لم يستمر الأستاذ بهاء في دار الهلال.. وكان الصحفيون من ضمن أكثر الفئات التي ظلمت في هذه الحركة، وجاء عصر «يوسف السباعي» رئيساً للمؤسسة، وقد كان - إلي جانب عمله كضابط في القوات المسلحة قبل أن يشغل مناصب ثقافية وإعلامية - مثقفاً وأديباً وكاتباً، وكان آية في التهذيب والأخلاق، يشهد بها من عاصروه إلي الآن.. وجاء في منتصف السبعينيات عصر «أمينة السعيد - صبري أبوالمجد»، هذا الثنائي الذي قاد «المصور» حتي جاء شيخ الصحافة «مكرم محمد أحمد» رئيساً لمجلس الإدارة ورئيساً لتحرير المصور، قبل 35 عاماً من الآن.


نتوقف عند تجربة الأستاذ مكرم.. فجميع العاملين بالمجلة الآن ممن هم فوق الثلاثين، عملوا إلي جانبه ولو لفترة قصيرة من الزمان.. وأسعدني الحظ - شخصياً - بالعمل تحت قيادته 8 سنوات، تعلمت فيها الكثير، كان مكرم لا يكتفي بأن يحصل علي موضوع صحفي جيد من المحرر، بل كان حريصاً علي تعليم هذا المحرر أو هذه المحررة شيئاً جديداً في المهنة، أهم ما كان الأستاذ مكرم يعلمه للصحفيين - دون أن يقول ذلك - هو أن الصحافة هي كل شئ في حياة الصحفي، يختلف هذا عن أية مهنة أخري، الصحافة أولاً ثم أسرتك وزوجتك وأولادك، «المصور» هي بيتك الحقيقي، ولا يرضي مكرم محمد أحمد عن خبر إلا إذا كان صادقاً وجديداً ومكتوباً بعناية ومؤكد المصدر، ولا يرضي عن حوار صحفي إلا إذا كان شديد الخصوصية، لا يغادر كبيرة ولا صغيرة مع «المصدر» إلا أحصاها، وكان شديد الدقة في اختيار الصورة الصحفية، والعنوان، وعلي يديه تربي عشرات الصحفيين في «المصور»، شغلوا المناصب فيها - وخارجها - ولا يزالون.. إنه شيخ الصحافة ليس فقط لكونه أكثر المصريين الآن معرفة واشتغالاً بها، ولكن أيضاً لأنه أسس مدرسة صحفية لاتزال قائمة منتجة إلي الآن.. فضلاً عن تاريخه الناصع كنقيب للصحفيين لعدة دورات.


وحين انتهي عصر الأستاذ مكرم رئيساً للتحرير - صيف 2005 - كانت الفضائيات قد اشتعلت بالأخبار والتقارير والحوارات الصحفية، وكانت مواقع الإنترنت تلتهم «القماشة» التي نشتغل عليها.. مثل «غول» لا يشبع، وجاء عصر الأستاذ «عبدالقادر شهيب» الذي امتد 4 سنوات، وكأنه مكتوب علي هذا الرجل أن يناضل للأبد.. في السبعينيات ناضل ضد سياسات «السادات»، وظل يدفع ثمن اختياره السياسي طويلاً، وحين جاء إلي «المصور» في منتصف التسعينيات لم يغير موقفه، وحين اختير رئيساً للتحرير بعدها بعشر سنوات، استمسك بأصعب ما يمكن الاستمساك به: أن تظل شريفاً مرفوع الرأس، في عصر صار الفساد فيه هو المبدأ السائد لا الاستثنائي، وهكذا كرس «شهيب» صفحات المصور للدفاع عن الطبقة الوسطي، والطبقات الدنيا المطحونة.. ولمحاربة الفساد، ولولاه لتمكن «يوسف بطرس غالي» وزير مالية «المخلوع» والمطلوب علي ذمة قضايا حالياً، من ابتلاع دار الهلال، حاربه شهيب بالقلم علي صفحات «المصور»، ومع الأيام تمكن شهيب من الاحتفاظ بالمؤسسة بعيداً عن مخالبه..!


في 2009، جري تعيين «حمدي رزق» رئيساً للتحرير، لتنبعث «المصور» من جديد، شابة، قوية، ناضجة، ولتحقق مبيعات طالما ابتعدت عنها.. وظف حمدي رزق - وهو الإعلامي اللامع، والقلم الرائع - كل مواهبه في إدارة المطبوعة.. جلب إليها دماء شابة، جعل المجلة أكثر اشتباكاً مع قضايا الواقع.. أعاد تقديمها شكلاً بصورة جديدة، وأعاد تقديمها مضموناً بما جعلها الأولي في السوق.. ومع اشتداد منافسة الفضائيات والإنترنت، احتفظت «المصور» في عصر حمدي رزق بأصعب شئ: القدرة علي الانفراد الصحفي.. وعادت الصورة التي كانت مساحتها انكمشت في 30 عاماً، إلي المساحات الكبيرة التي كانت عليها.. والأهم؟ أن كل التيارات السياسية كانت تكتب في «المصور»، التي أصبحت «ليبرالية» مفتوحة علي اليسار والوسط واليمين، شديدة الانحياز إلي التنوير.. وكانت انفرادات حمدي رزق عن الجماعة المحظورة تزلزلها كل «أربعاء»، وهي الانفرادات التي صارت اليوم من أخبار المحاكمات اليومية.. كتبها حمدي رزق قبل هذه المحاكمات بسنوات!.


وفي صيف 2012 جاء «عزت بدوي» رئيساً للتحرير، وهو المحرر الاقتصادي الشهير، وصاحب الانفرادات الصحفية علي مدار تاريخه.. أتاح الفرصة لجميع الأجيال لتعمل في «المصور»، وواصلت المجلة في عهده إصرارها علي الانتصار للطبقة الوسطي، وعلي عكس ما كان متوقعاً لم تتحول إلي مطبوعة اقتصادية، كما راهن علي ذلك البعض بحكم كون «بدوي» متخصصاً في الاقتصاد، صارت مجلة رأي، وسياسة، وفن، وثقافة، ورياضة، وملفات صحفية بالغة الأهمية.


وفي أواخر «يونيه» 2014، تم اختيار «غالي محمد» رئيساً للتحرير، وهو - بالأساس - رئيس مجلس الإدارة، لتدب روح جديدة في «المصور»، أولاً لأن غالي محمد صاحب رقم قياسي في الانفرادات الصحفية علي مدار تاريخه المهني الذي يزيد علي 33 عاماً والعمل مع هذا النوع من رؤساء التحرير يعني أن تكون ممسكاً - جيداً - بكل أدواتك المهنية، وهو - ثانياً - رجل قدير في فن الإدارة، جمع كل الأجيال في دولاب العمل، وأعاد للمكان روحه القديمة، روح الأسرة الواحدة، وغالي محمد يجتهد في «المصور» كل عدد، كأنه في اختبار جديد.. لا يجلس في مكتبه، يتحرك دائماً.. صبور، مهذب، دءوب، لكنه لا يتسامح مع من يخطئ، يفتح «المصور» لأصحاب الأقلام من جميع الاتجاهات، لا عدو له إلا التطرف الديني ومن يحاولون تفكيك الوطن من «المحظورة وأخواتها»، يرد الاعتبار مجدداً للصورة الصحفية، ويستعد لعمل «نقلة» ضخمة في المجلة، سيراها القارئ - شكلاً وموضوعاً - قريباً، لتولد «المصور» من جديد..!


قضايا وملفات


وفي هذه الرحلة الطويلة لـ«المصور»، نراها التزمت خطاً اجتماعياً واضحاً هو الدفاع عن مصالح الطبقة الوسطي المصرية، تلك الطبقة المتعلمة التي تعتمد علي «المهنة» في دخلها سواء أكانت المهنة حكومية أو خاصة، ولا يمكنها إدخار المال إلا في حدود ضيقة، إن أمكنها هذا أصلاً.. طبقة «الميري» التي تهوي البقاء في خانة «الدولة» ووظائفها، أو تعلو قليلاً فتعمل بمهن كالطب والهندسة والمحاسبة أو الصحافة.. «والأخيرة باتت لها همومها التي توشك أن تنزل ببعض العاملين فيها إلي طبقة أدني!».


هذه الطبقة - التي استهدفتها «المصور» بالأساس - تؤمن بالاستنارة، وتغّلب التحديث علي جميع التيارات، وهي التي خرج منها جميع المثقفين المصريين العظام.. وطريق التنوير لا يمكن أن يقبل بالتقدم الفكري والمدنية في الحكم، دون أن يكره الفساد ويحض علي محاربته.


هكذا سارت «المصور» معظم الوقت.. تنشر الاستنارة، وتحارب الإرهاب الفكري، إذا نظرنا - مثلاً - فيما كتبه «حمدي رزق» في 20 عاماً من تاريخ التحاقه بـ«المصور» وحتي اليوم، لوجدنا أنه يعري التيارات المتطرفة - عموماً - والإخوان بصفة خاصة طوال الوقت، ابتداءً من انفراده بالحوار مع القاضي الذي أصدر الحكم ضد المفكر الكبير الراحل «نصر حامد أبوزيد» 1994، مروراً بضرباته الموجعة ضد «المحظورة».. ونذكر منها - مثالاً - كشفه الرائع لوثيقة «فتح مصر» التي طبقها الإخوان بحذافيرها بعد ذلك.. وتغلغله داخل الجماعة المحظورة، حتي أنه كان أول صحفي مصري وعربي يكشف أن «مهدي عاكف» هو مرشد الإخوان الجديد.. بل يجري معه حواراً.. وانفرادات حمدي رزق في المسألة الإخوانية - بخاصة - لا يتسع لها هذا المقال.. قام بها وهو محرر، مثلما قام بها وهو رئيس للتحرير.


أما اتجاه «المصور» إلي التنوير.. فحسبك منه مقالات ودراسات وتحقيقات الأستاذ «حلمي النمنم» الذي رأس مجلس الإدارة «عامي 2011 و2012» خلال عمله الصحفي الذي سبق توليه هذا المنصب.. أو مقالات أحمد بهاء الدين في الستينيات، أو السلسلتين اللتين كتبهما «كمال النجمي» في الثمانينيات والتسعينيات: «يوميات المغنين والجواري» و«أرباب السيوف والأقلام» اللتين كشف فيهما ما غمض من التاريخ الإسلامي، حلوه ومره، ومجده وانكساره.. وتبشير «يوسف القعيد» بعشرات المواهب الأدبية علي صفحات «المصور» بما لا يحصي من المقالات التي نشرت الثقافة والاستنارة.


ولا يصعب - أبداً - وصل ما كتبه «حمدي رزق» مع ما كتبه الأستاذ بهاء أو النجمي أو القعيد أو النمنم، فمن سعي لنشر التنوير لابد أن يسعي لكشف من يريدون نشر الظلام!.


أما الحرب علي الفساد، فقد شنها «غالي محمد» طوال الوقت.. حملاته المتكررة للدفاع عن القطن المصري ومحاولات ضربه لصالح أقطان دول أخري أو لصالح رجال أعمال بعينهم، وحملاته المتصلة في مجال الطاقة، وبيع الغاز لإسرائيل، فضلاً عن كشف غالي محمد لعدد من أخطر قضايا الفساد.. أشهرها قضية «الحباك» في التسعينيات! وليس بعيداً عن هذا السياق ما فعله «عزت بدوي» في الثمانينيات، فقد انفرد - مرات كثيرة - بأخطر التفاصيل عن القضية التي شغلت مصر كلها آنذاك: توظيف الأموال، والريان، و«أشباه الريان» ممن ضيعوا ثروات أهل مصر!


إذن.. امتلأت «المصور» طوال الوقت بحملات صحفية، تستهدف نشر الاستنارة في المجتمع، ومحاربة الظلام والظلاميين، وتقديم بشرة الأمل في الغد.. دور أكبر للمرأة، فقهاء مستنيرون، نوابغ وعباقرة في سن صغيرة، بالتوازي مع هذا الخط انبرت لحرب طويلة ضد الفساد.. سواء في جهاز الدولة أو في عالم رجال الأعمال والقطاع الخاص..!


بقيت نقطة بالغة الأهمية تحسب لـ«المصور».. فقد حافظت في أوج الاستبداد سواء في أواخر عصر السادات أو في عصر مبارك - علي هامش اختلاف بينها وبين النظام، ركع الآخرون ولم تركع «المصور»، وقد دافع الأستاذ «مكرم محمد أحمد» طويلاً عن استقلال «المصور»، وعن هذا الهامش من الاختلاف مع النظام، ووصل في خصومته مع الدولة في بعض الأحيان إلي ما لم تصل إليه صحف المعارضة وقتئذ.. وقال للنظام - في أوج قوته - ما لم يكن النظام يحب أن يسمعه أو أن يقرأه، وواصل هذا الاتجاه من بعده «عبدالقادر شهيب».. الذي حارب رموزاً للفساد في الحكم.. وهم في قوتهم وهو لا يملك إلا قلمه..!


المجد والعقاب


هذه شذرات من تاريخ طويل لمجلة عريقة، حاربت طوال الوقت لأجل نشر الاستنارة، ومحو الظلام، وضرب الفساد، فاستحقت مكانتها الراسخة في عالم الصحافة.. وهي - إذ تبلغ خلال أسابيع 90 عاماً - تبدو مستعدة لخوض معركة جديدة، لعلها «معركة البقاء»..!


يبدو أن البعض يتجهّز لعقاب «المصور» علي هذا المجد الصحفي، الذي قد تختلف أيها القارئ الكريم مع بعض عصوره، أو بعض رؤساء تحريره.. لكن تبقي «المصور» أمامك مطبوعة فريدة في نوعها، عصية علي الانهيار، سواء الأخلاقي - وهو سهل، وكان من الممكن أن يرفع مبيعاتها في بعض الأوقات التي تدنت فيها! - أو المهني، أو حتي الانهيار المالي..!


وقد انتصرت «المصور» طوال الوقت علي أعدائها.. حتي لو كانوا في السلطة، أين يوسف بطرس غالي الآن وأين عبدالقادر شهيب؟ بطرس غالي هارب تطارده الكاميرات في لندن، وشهيب كاتب وطني رائع ومقروء في عدة صحف في بلده مصر.. لكن البعض لا يتعظ، ولا ينظر وراءه، ولا يقرأ التاريخ، حتي لو كان هذا التاريخ قريباً لم تمر عليه سوي بضع سنوات!.


اليوم.. يحارب وزير المالية «هاني قدري» دار الهلال - ويحارب أيضاً روز اليوسف ودار المعارف - يريد عامداً أن يغلقها، برغم ما أكده الرئيس السيسي في لقائه الأخير برؤساء تحرير الصحف والمؤسسات علي أن هذه المؤسسات لعبت دوراً عظيماً، وأنه يساندها.. لكن لوزير المالية رأي آخر، وإذا كان الوزير المطارد في لندن يوسف بطرس غالي أراد أن يستأثر بممتلكات «دار الهلال» لحسابه الخاص، فما الذي يريده هاني قدري وزير المالية الحالي؟ «المصور» كانت في طليعة المجلات والصحف القومية التي ساندت ثورة 30 يونيه المجيدة من اليوم الأول، حاربت «المصور» ولاتزال وستظل ضد الإخوان وأعوانهم، وهذه «فريضة صحفية» لا ننتظر عنها جزاءً ولا شكوراً، وحاربت الفساد، وستظل.. وانتصرت لدستور مصر الجديد، وحققت جهداً صحفياً ضخماً في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.. «المصور» هي نبض الشارع المصري، ذلك الشارع الذي يجهله السيد وزير المالية فيما يبدو، ولذلك يريد أن يكافئ «المصور» ودار الهلال كلها، بأن يضربها في مقتل.. بدلاً من أن يساندها أو علي الأقل يكف عنها أذاه.. الأذي الذي يريد أن يطال كل شيء.. من رواتب الصحفيين إلي بدلاتهم الشهرية إلي كل مليم حلال يدخل جيوبهم، تلك الجيوب التي لا يعرف وزير المالية أنها لا تبتلع «المال الحرام» ولا تقبله، لذلك يريد أن يكافئ صحفيي دار الهلال، بإغلاقها.. غير مكترث بأن التاريخ لن يسامحه، فضلاً عن أن صحفيي المؤسسة - والمصور في القلب منها - لن يصمتوا، ولن يسمحوا بالأساس بأن يمس أحد مؤسستهم  او حقوقهم الماليه او القانونيه او الأدبيه .