هل يمكن فعلا إغلاق المجال العام الافتراضى؟

04/05/2016 - 12:33:53

السفير د.عزمى خليفة

كثر الحديث مؤخرا حول مواقع التواصل الاجتماعى ودورها فى الحياة السياسية فى مصر فى الوقت الراهن حتى إن رئيس الجمهورية تناول الامر فى احدى خطبه، ولكن النقاش لا تتناوله النخبة الحاكمة فقط فالمتابع لمثل هذه المواقع لاسباب دراسية وبحثية سرعان ما يدرك أن بعض فئات الشعب قلقة من النفوذ الذى وصلت اليه بعض هذه المواقع، مؤكدة أن "الفيس بوك ينبغى ألا يحكم الدولة" فى صيغة مبالغة من بعض انصار الثورة المضادة وخاصة ابناء مبارك وبعض ممن أضيرت مصالحهم بقيام ثورة ٢٥ يناير وأنصار الإخوان المسلمين الذين حاولوا استغلال الظروف لضرب هذه الثورة الفتية.


بداية ينبغى الاتفاق حول نقطة جوهرية لم تتفق عليها فئات الشعب المصرى حتى الآن، ألا وهى هل مصر تمر بمرحلة انتقالية بالفعل؟ أم أن المرحلة الانتقالية انتهت بالفعل بانتخاب البرلمان وإقراره لمشروعات القوانين التى اصدرها رئيس الجمهورية لدى توليه السلطة فى فترة غياب البرلمان؟


هذه النقطة تثير لغطا للآن فالبعض – ومنهم الرئيس – يتحدثون على أننا مازلنا فى مرحلة انتقالية، والبعض الآخر يتعامل مع المرحلة الانتقالية على أنها انتهت بالفعل بتنفيذ آخر خطوات خارطة الطريق التى تم استفتاء الشعب المصرى عليها، ومن ثم فمصر من المفترض أن تطبع حياتها السياسية وأن تطلق الحريات وخاصة الحريات الشخصية وأن هناك مؤسسات ينبغى أن تقوم بعملها فى حماية امن مصر القومى.


بداية أقول إن كلتا وجهتى النظر سليمة وتلك أولى النقاط الواجب فهمها، فهاتان الرؤيتان غير متعارضتين كما يبدو لنا من أول نظرة، فمع الاقرار باستكمال مصر لمؤسساتها بانتخاب البرلمان، واقراره قوانين سبق لرئيس الجمهورية أن اصدرها خلال مرحلة تفويضه سلطة التشريع إلا أن مصر مازالت امامها مرحلة انتقالية هامة وربما اخطر مما سبق، فالانتقال فى المراحل وفى الحياة عامة وفى الزمن يعنى الانتقال من حالة بسمات معينة إلى حالة أخرى تختلف فى سماتها فى الحالة الاولى، وفى السياسة يعنى الانتقال من حياة سياسية غير طبيعية نتيجة الثورات – كما هو الحال فى مصر – أو الحروب إلى حالة أكثر استقرارا من الناحية السياسية بعد بناء مؤسسات سياسية تعبر عن اسباب الانتقال كتسوية الحروب مثلا أو لعكس إرادة الشعب فى الثورات وهى الحالة التى تهمنا.


إذاً مصر من الناحية السياسية تمر بالفعل بحالة انتقالية من الثورة إلى الاستقرار السياسى وكل ما يطبق حاليا من سياسات هى سياسات نطلق عليها انتقالية، وسأذهب لابعد مدى يتخيله القارئ، فأقول إنه حتى رؤية مصر ٢٠٣٠ هى رؤية انتقالية أيضا خاصة أنها تستند إلى احد ابعاد رؤية مصر ٢٠٣٠ وليس كل ابعادها وهى الخطة التى سبق لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار أن صاغها فى عهد رئيسه الدكتور ماجد عثمان وهو البعد الاقتصادى التنموى.


المهم أن ندرك أن طبيعة الانتقال السياسى يرتب نتائج مهمة على علاقات السلطة فى المجتمع، فهذه العلاقات ذات طابع اجتماعى تفاعلى فى المجتمع الذى انهى المرحلة الانتقالية أى انها ناتج تفاعل الحكم والمعارضة ومختلف التيارات السياسية للشعب بمختلف فصائله، أما فى المراحل الانتقالية فالوضع مختلف لأن الدول فى هذه المراحل تحكم بقرارات من أعلى لأسفل ولا فارق بين مصر وأمريكا والهند وروسيا والبرازيل والصين وبوروندى مثلا، ومن هنا ظهر مصطلح السياسات الانتقالية ليعبر عن هذه الحالة من الانتقال السياسى.


ولكن إذا اتفقنا على ذلك فهل هذا يعنى أن هذه الحالة الانتقالية ستمتد إلى ما لا نهاية أو على الأقل حتى عام ٢٠٣٠ بانتهاء البرامج التى قدمها الرئيس للشعب والتى ينفذها؟ وهل استمرار هذه الحالة الانتقالية يعنى الاستمرار فى إصدار الأوامر بلا تفاعل اجتماعى مما يستدعى تقييد الحريات أو الاستمرار فى السياسات الامنية الحالية؟ الاجابة هنا بلا لانه المفترض أن تقدم السياسات الانتقالية فى الزمن يعنى انفتاح الحريات الخاصة والعامة بالتدريج ولكن هذا الانفتاح بطىء بتأثير من عدة عوامل اهمها أن المجال العام فى هذا العصر أصبح مكونا من ثلاثة أبعاد هى المجال العام الفعلى وقد اثبتت التجربة فى نهاية حكم الرئيسين الاسبقين مبارك ومرسى أن هذا المجال المكون من بعض مقاهى وسط البلد ومراكز تجمعات الشباب فى بعض المقار الحزبية أو ميدان التحرير أو ميدان طلعت حرب كان هو منطلق اولى شرارات الثورة فى مصر، فثورة ٢٥ يناير هى ابنة المدن الحديثة كما عبر علماء الاجتماع ورصدوا ما سبقها من ثورات فى اسبانيا والبرتغال واليونان فى سبعينيات القرن العشرين ثم فى اواسط اوروبا ١٩٨٩ ثم فى جنوب افريقيا ١٩٩٤ وقبلها اندونيسيا فهذا نمط جديد من الثورات والقيم السياسية التى تتمسك بها ونمط الاحتجاج السياسى الحديث وهذا المجال العام الواقعى تم غلقه بل والاستحواذ عليه امنيا مثل المجال العام الفكرى الذى تعرض لاستقطاب حاد يعرضه لمخاطر عديدة، كما يعرض الدولة لحالة اقوى من عدم الاستقرار والصورة الاخيرة من المجال العام وهو المجال العام الافتراضى باستخدام مواقع التوصل الاجتماعى وهو مجال لا يتم التحكم فيه فعليا.


وثانى هذه الاسباب هو الحديث الدائر من بعض الاوساط سواء فى البرلمان أو الحكومة أو الصحافة ووسائل الاعلام حول ما يسمونه "وضع قيود حول الفيس بوك ومواقع التواصل الاجتماعى" وهو حديث يحتاج إلى توضيح ولكننى هنا أقصر حديثى للاجابة عن تساؤل هل يمكن بالفعل وضع قيود على الانترنت واستخداماتها؟ بكل تأكيد ونظريا نعم فالكلام كما قال اجدادنا مفيش عليه جمرك ولذا اعتبره من الامنيات اكثر منها من الكلام الواقعى واقول إن هذا امر غير ممكن لدرجة الاستحالة، لماذا؟ لان اختراق هذه المواقع عمليا وبصورة كاملة يحتاج أن نخترق حسابات كل الافراد فيها، وهذا الاختراق يتطلب اولا كسر قواعد حوكمة الانترنت نفسها أى كسر القواعد المنظمة لاستخدامات الانترنت وهى قواعد تنص على حرية استخداماتها وفى حالة ثبوت سوء الاستخدام أو التقييد أضحت هناك عقوبات على ذلك، وبطبيعة الحال فإن تطبيق هذه العقوبات تشمل عدم الاستفادة مستقبلا من استخداماتها وهنا تتوقف ماكينات الصراف الآلى للبنوك وحسابات العملاء والاتصال بين القاهرة وأطراف الدولة وخاصة المعتمدة على الانترنت أى أن تصاب مصر بالشلل، ثم نأتى لحزمة تأمين حساب أى شخص على مختلف تطبيقات وسائل الاتصال الاجتماعى على الانترنت مثل تويتر أو الفيس بوك وهى حزمة يبلغ عدد برامجها ١٧ برنامجا لكل شخص وبالتالى مراقبة الفيس بوك ومعرفة ما يدور عليه بالكامل ومن قال ماذا يتطلب برنامجا يشمل اختراقا لجميع المشتركين فى الفيس بوك البالغ عددهم ٢٩ مليون مواطن مضروبا فى ١٧ خطوة أمنية فهل يوجد مثل هذا البرنامج من الناحية الواقعية؟ أشك تماما فمن سيصممه؟


وثالث هذه الاسباب الخلافات بين استمرار المرحلة الانتقالية أو انتهائها وفقا لما شرحت طبيعة المرحلة الانتقالية والسياسات الانتقالية، وهنا أضيف أن مصر تمر بمرحلة انتقالية جديدة لم نستعد لها من قبل واغلب الظن اننا لم ندرك طبيعتها للآن وهذا هو الاخطر، فانتشار ملكية اجهزة الكمبيوتر والتليفونات الذكية المتصلة على مدار اليوم بالانترنت قد حولت المصريين إلى الشكل الشبكى وهى صورة من صور التنظيم الاجتماعى والسياسى الحديث التى تؤدى إلى زيادة انتشار السلطة فى الدولة لأنها تنتشر من مؤسسات الحكم التشريعية والقضائية والتنفيذية التقليدية إلى المجتمع ومؤسساته وهذه المؤسسات هى نفسها مؤسسات المجتمع المدنى والشبكات التى تكون فى مجموعها المجتمع حتى وإن كانت شبكات تمثل الدولة فى شكلها القومى التقليدى وللشبكات منطقها الذى لا يقبل إلا حدا أدنى من التدخل الانسانى وهذا أحد أبعاد مأساة سوريا الآن - لا قدر الله - فالمجتمع فى ناحية والأسد وجيشه الطائفى فى ناحية أخرى والمجتمع الدولى فى ناحية ثالثة، وكل من الجيش وطبيعته الطائفية والمجتمع الدولى الذى اقترب من تحقيق اهدافه فى سوريا عوامل حاسمة فى الحالة السورية إضافة لنمط القيادة السياسية وعدم تمتعها بالدعم بالشعبى.


هذه التحولات الشبكية فى مصر تحتاج لتكاتف القيادة السياسية مع الشعب وتحتاج لنمط جديد من السياسات الامنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية بما يسهل عبور المرحلة الانتقالية للمجتمع الشبكى، ولا خوف من ذلك فى ظل استمرار تمتع الرئيس السيسى بكتلة صلبة من المؤيدين تبلغ ٨٥٪ من إجمالى الشعب وفقا لآخر احصاء لمركز بصيرة لبحوث الرأى العام والاستطلاعات والأهم أن الرئيس يتمتع بثقة قطاع أكبر من الشعب لنزاهته وأمانته، ووطنيته ووطنية الجيش المصرى الذى يمثل كل مصر بمسلميها ومسيحييها، بشمالها وجنوبها، واتفاق الجميع فى مصر حكاما ومحكومين، حكومة ومعارضة وهذا التماسك الاجتماعى ضمانة مهمة من ضمانات الانتقال بسلاسة تامة.


كذلك من المهم طرح رؤية متكاملة لمسار الانتقال ومتطلباته الفكرية والتنظيمية والفنية والسياسية، وهى قضية مهمة لمجمل قطاعات الشعب وخاصة الشباب وهم القطاع الأكبر الذى يستخدم المجال العام الافتراضى، فهذا الانتقال بالمجتمع للحالة الشبكية لا فكاك منه ولن يؤدى لاختفاء الدولة القومية بل سيبقى عليها وأقوى مما كانت، ولكن غاية ما فى الأمر أننا سنحتاج إلى إعادة تعريفها لنفهم كيف يتم التفاعل فى المجتمع الشبكى ونتعرف أيضا على مصادر السلطة فى المجتمع الشبكى الجديد.


أيضا فهم ما تقدم ضرورى لادماج المعلومة فى الاقتصاد وإقامة اقتصاديات المعرفة القادرة على توليد عشرات المليارات من الدولار فى العام، ويكفى أن أذكر أن ٤٠٪ من ثمن أى سيارة فى السوق اليوم يتولد من الشق المعلوماتى للشركة الأم صاحبة الاقتراح.


كذلك فإن حركة التآمر الخارجى على مصر ستقل لأن أى مؤامرة تحتاج السرية وتسريب معلومات مضللة أو مسمومة ومع انتشار الشبكات سيصعب تسريب أى معلومات من هذين النوعين لانفتاح المجال أمام الشعب عامة والشباب خاصة.


والخلاصة أن الاستمرار فى غلق المجال العام فى مصر لن يستمر بطبيعة المرحلة والسياسات المتبعة، ولذا فإننا فى حاجة ماسة لتخطى هذه المرحلة الانتقالية بأسرع ما يمكن وتمكين المجتمع الشبكى وسيلة هامة لتحقيق ذلك