تكميم أفواه الدولة

04/05/2016 - 12:23:24

  أحمد أيوب أحمد أيوب

بقلم: أحمد أيوب

خرج أحد الأشخاص على إحدى القنوات يهدد الرئيس ويتوعده وما زال فى موقعه سواء كرئيس ناد أو عضو بمجلس النواب، وآخر زايد على الرئيس وادعى أنه من قام بتوصيله للرئاسة، ورغم ذلك لم يصبه مكروه وعندما حاول التجاوز لحدود القيم المجتمعية كان جزاؤه الفصل من مجلس النواب وغلق قناته.


ثالث كتب مدونة تشويه فى الرئيس وادعى عليه وعلى أجهزة سيادية ولم يفكر أحد حتى فى استدعائه، وصحفى يبتكر كل صباح مانشيتات صحيفته كى ينتقم من الرئيس وإدارته ولم يجرؤ أحد على الاقتراب منه، سخرية لا حدود لها لم تفلت منها مشروعات الرئيس ولا قراراته ولا تحركاته، ولم تقف السخرية عند حدود الفيس بوك والتويتر، وإنما مارسها إعلاميون وصحفيون معروفون وكل ما فعله الرئيس هو التصحيح وبأدب.


قائمة المتطاولين والمتجاوزين والساخرين كثيرة، لا تقتصر على إعلاميين وصحفيين وسياسيين، وإنما تضم من كل الفئات والأعمار، وأقصى ما يفعله الرئيس أن يلوم أو يعتب أو حتى ينفعل فى رده وتصحيحه لبعض ما يقال أو يردد عنه، ولم يصدر منه توجيه تصريح أو تلميح أو حتى إشارة لمحاسبة من تجاوز فى حقه، حتى فى الصحف القومية تتعدد التجاوزات ولم نسمع مرة أن رئيس تحرير تلقى اتصالا ليمنع كاتبا أو يصادر على مقال


وعندما طالب بعض الصحفيين الرئيس باتخاذ موقف حاسم ممن وصفوهم بالمتطاولين، أو حتى سرعة اصدار قانون ينظم الفوضى التى طالته، رفض وأصر أن يكون هذا بيد أبناء المهنة أنفسهم، وعندما اقترح عليه أن يسارع بالتغييرات الصحفية بدعوى أن بعض رؤساء التحرير لا ينتهجون خط الدولة جاء رده بأنه لن يتدخل فى عمل الصحافة والجهة المسئولة عن التغييرات هى التى من حقها ان تمارس دورها وفقا للقانون، وليس الرئيس..


يوميا شائعات لا حصر لها لا تنجو منها وزارة أو هيئة أو مؤسسة فى الدولة، ومنها مؤسسات كانت على مدى تاريخها محصنة ولا يستطيع أحد الاقتراب منها بخير أو شر، لكن الآن يتناولها الإعلام والصحافة دون حدود ويروجون حولها الشائعات المتعمدة من أجل الإساءة، ولم نسمع عن واحد من هؤلاء طاله عقاب أو حتى إجراء انتقامى، وكل ما يتم للرد لا يتجاوز تكذيب الشائعة، بل حتى من يمارسون الآن أشد درجات الهجوم الانتقامى من الرئيس لمجرد أن أملهم خاب فى أن يكونوا أصحاب القرار والأمر والنهى أو أن يكونوا أصحاب وصاية على الرجل، لم يطالهم سوء يوازى سوءهم، بل تركوا يقولوا ما يشاءون.


فى قلب التليفزيون المصرى وعلى شاشات قنواته المختلفة تنتقد الحكومة بل والرئاسة أيضا ولم يقطع الهواء عن أحد، ومعارضون أصبحوا ضيوفا مرحب بهم فى ماسبيرو بعد أن اختفت قوائم الممنوعين من دخول المبنى، والتى كانت سرا فى عهد صفوت الشريف ثم توسعت، وأصبحت علنا فى عهد صلاح عبد المقصود وحكم الإخوان، واختفت تمامًا الآن فلم يعد هناك قرار بمنع ضيف أو حرمان مذيع من الظهور، حتى عندما خرجت مذيعة عن حدود المهنية لم تتدخل الرئاسة، وإنما تعامل التليفزيون بالقواعد المعمول بها وشكلت لجنة خبراء هى التى اتخذت القرار


هذه هى مظاهر تكميم الأفواه فى مصر الآن،


طبعا الرد واضح وسيدعى البعض على زورا بأننى أمارس الاستغباء ويدعون أن التكميم المعنوى أشد وطأة وأقوى تأثيرا،


الحقيقة أنه لا يوجد تكميم مادى ولا معنوى، ولا ظاهر ولا باطن، ولا مكتوب ولا شفوى، الموجود فقط تجاوزات فردية وسوء تقدير أو تصرف من بعض الأشخاص المسئولين أو الأجهزة، بعض هذه التصرفات إتقاء شر يتوقعون حدوثه، كمن يقرر إغلاق الشوارع المختارة لتكون مقرا للمظاهرات كمحاولة لمنع المتظاهرين من الوصول إلى المكان أصلا، وعندما تساءل وتتقصى عن السبب تكتشف أن القصة لا تتعدى أن من خطط لمواجهة المظاهرات لا يريد أن يترك أى فرصة للاحتكاك بين المتظاهرين وقوات الشرطة فيحدث ما ليس فى الحسبان بمنطق من لسعته ٢٥ يناير سينفخ فى أى مظاهرات أخرى.


قد يكون التصرف غير محسوب العواقب وقد يتجاوز تأثير الخطأ أو سوء التصرف حدود ما توقع، لكنها تبقى فى مربع الأخطاء الفردية وليس التعامل الممنهج، فالقاعدة العامة التى اعتمدها الرئيس الحالى ويسير عليها أنه لا عودة لعصر تكميم الأفواه، بل وعندما يعلم بنتائج بعض الأخطاء والتجاوزات يسعى لتصحيحها، وسجين التى شيرت ورسام الكاريكاتير خير شاهدين على هذا،


الرئيس بشهادة من نعرف عنهم معارضتهم الدائمة للنظام ليس من هواة كبت الحريات ولا عدو للمعارضة، بل لديه تقدير للإعلام ربما لم يوجد عند من سبقوه، فالرئيس يعلم تأثير الإعلام والدور الوطنى الذى يقوم به، ويسعى لدعمه وليس كبت حريته أو هدمه..


لكن فى المقابل لا يمكن إغفال المزايدين الذين لا يكفيهم شيء ولا يرضيهم حال، ودائما يطلبون المزيد، يضغطون من باب الاحتياط ويهاجمون بمناسبة أوغير مناسبة، ومنطقهم اللى ييجى من الحكومة فايدة، فقد تنتج الاحتجاجات والاعتراضات والهجوم تنازل الدولة عن بعض سطوتها أو تفرط فى بعض حقوقها، وبعض هؤلاء يريدونها فعلا فوضى، فلا يكفيهم أن تتاح لهم نفس مساحات الحرية الموجودة ومعترف بها فى كل العالم، وإنما يريدونها ((سدحا مداح)) لا قيود ولا ضوابط ولا منطق، اللى عايز حاجة يعملها، هؤلاء يرفضون حتى مجرد أن يحكمنا قانون، مفيش قانون.. أنا القانون، لا يهاجمون التضييق فقط، وإنما يهاجمون كل من يتحدث عن تنظيم ممارسة الحق، حق أيه اللى أنت جاى تنظمه، الحق أبلج، يريدونها فوضى وقوانين عائمة، لا سلطة ولا محاكم ولاشرطة ولا حكومة ولا رئيس، بعضهم لا يعترف بالدستور ولا يراه من الأساس، وفى لجنة التشريعات الإعلامية وصل الأمر بالبعض أنه لم يكن يريد تطبيق إحكام مواد الدستور التى تقضى بتطبيق قانون العقوبات على من يرتكب جريمة التحريض أو التمييز العنصرى أو الخوض فى الأعراض، وعبثا تحاول أن تشرح لهم أن من يرتكب هذه الجرائم لا يستحق أصلا أن يكون صحفيا أو إعلاميا، ولا يجب أن ندافع عنه بمنطق أنه يمارس حق التعبير، لكن دماغهم وألف سيف أنه مفيش صحفى ولا إعلامى يتعاقب بالحبس أصلا ولا حتى يتحاسب، دى حرية رأى وكل واحد حر فى رأيه، واللى مش عاجبه يرد وخلاص.


الغريب أن هؤلاء قلة فى المجتمع، لكن صوتهم عال وضجيجهم مسمع، وهدفهم الحقيقى ليس حماية أفواه المواطنين من التكميم، وإنما تكميم أفواه الدولة نفسها وتقييد يدها، فلا تملك أن تفعل شيئا لتحمى نفسها وحدودها وأمنها وكيانها، وللأسف هناك من يعمل لهؤلاء ألف حساب، والبعض الآخر يستغلهم ويضخم منهم ليزايد بهم على الدولة ليحقق مكاسب خاصة.


كل ما نبحث عنه ليس الفوضى ولا التضييق حتى الموت، فالتطرف ما دخل فى شيء إلا شانه وما نزع من شيء إلا زانه، والفوضى أن تحكمت أفشلت الدولة وقضت عليها.


المتفق عليه فى العالم كله هو الحرية المسئولة، أنت حر ما لم تضر الآخرين، وكما تنال حريتك عليك أن تمارس الرقابة على نفسك، فالحرية لا تعنى قذف الناس فى أعراضهم وسمعتهم، ولا تعنى أبدا التفريط فى الأمن القومى للدولة، فلا توجد دولة فى العالم تسمح بهذا حتى الدول، التى تطالبنا بمزيد من الحريات هى نفسها لا تسمح لمواطنيها بنصف ما تطالب به من حريات فى مصر، لكن للأسف نحن أكثر شعب يبتلع الطعم ويستمتع به ويستخدمه ليضر به بلده.