« مين ده اللى يقدر ساعة يحبس مصر؟!»

04/05/2016 - 12:08:07

  نجوان عبد اللطيف نجوان عبد اللطيف

بقلم - نجوان عبد اللطيف

أحمد عصام الجمال.. واحد من الشبان الذين تم القبض عليهم فى ٢٥ أبريل الماضي، ضمن حملة أمنية موسعة بدأت مع مظاهرات ١٥ أبريل «جمعة الأرض» والتى خرجت للتنديد باتفاق التنازل عن جزيرتى تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية.. ثم اشتدت الحملة قبل ٢٥ أبريل حيث تم القبض على بعض الشبان من منازلهم فى عمليات مداهمات، امتدت إلى مناطق عديدة فى القاهرة وبعض المحافظات مثل الجيزة والقليوبية والشرقية، ووصلت عمليات القبض إلى المقاهى فى وسط البلد والجيزة،


وكانت الذروة فى ٢٥ أبريل لإجهاض حملة «مصر مش للبيع» التى دشنها العديد من القوى السياسية والأحزاب والنشطاء ودعوا إلى التظاهر فى ذكرى عودة سيناء للتعبير عن رفض الكثيرين لاتفاق التنازل عن تيران وصنافير الذى وقعته الحكومة المصرية مع المملكة العربية السعودية والذى يعطيها قطعة من سيناء التى عادت إلينا بالدم وبالمفاوضات بعد أن احتلها العدو الصهيونى لأكثر من ٦ سنوات، أحمد عصام الجمال هذا الشاب النحيل «٢٨ عاماً» كان يسير فى شارع رمسيس بجوار مستشفى الهلال الأحمر حيث التقطه بعض رجال الأمن هو وغيره من المارة فى الشارع، دون أى سبب.. فلم تكن هناك مظاهرة فى هذا المكان بل واستطاعت قوات الأمن فرض كردون ضخم على منطقة وسط البلد ومنعت أى شخص من الوصول إليه، وألقت القبض على كل من كان يمضى فى طريقه إلى حيث يريد فى أوسع عملية قبض عشوائى تمت منذ فترة طويلة، تم اعتقال أحمد عصام الجمال وإلقاؤه فى سيارة الترحيلات وحمله إلى معسكر الأمن المركزى بالجبل الأحمر، وما أدراك ما الجبل الأحمر، و طبقاً لروايات المحامين الذين استطاعوا بصعوبة التواصل مع الشبان المحبوسين تم إلقاؤهم على الأرض الطينية المبللة بالماء، ومنعوهم من قضاء حاجتهم إلا مرة واحدة فى اليوم ولم يسمحوا لهم باستقدام الطعام والشراب، ولا بلقاء ذويهم.


وتقدم أحد المحامين عضو الحزب المصرى الديمقراطى الاجتماعي، بشكوى إلى نقابة المحامين لاتخاذ كافة الاجراءات القانونية، ضد اعتداء قوات الأمن على المحتجزين فى معسكر الأمن المركزى بالجبل الأحمر، بالضرب بالعصا والأيدي، كما أن المكان غير مجهز لاستقبال المحتجزين، وكان بعض المحتجزين أحيلوا إلى محكمة جنح قصر النيل بتهمة التظاهر وتهم أخرى حيث بدأت النظر فى التهم الموجهة لهم يوم السبت الماضى ٣٠ أبريل وأجلت النظر بالنسبة للآخرين إلى يوم الثلاثاء ٣ مايو ومن بينهم أحمد عصام الجمال عضو حزب الدستور الذى يعانى مرضاً مزمناً فى القلب منذ طفولته منعه من الاستمتاع بطفولته كمثله من أقرانه.. الأب والأم يحيطانه برعاية خاصة وخوف مبرر من تكرار الأزمات التى تؤدى لفقدانه الوعى بعد شعوره بضيق فى التنفس، ليقوموا برحلات مضنية للمستشفى الجامعى بطنطا حيث تعيش الأسرة.. أصبحت جزءاً من حياتهم.


لم يستسلم أحمد لمرضه، اهتم بتحصيل علومه، وعندما أتم دراسته الجامعية ووجد أن الحصول على وظيفة ضرب من ضروب المستحيل أنشأ مشروعه الصغير الخاص بالحاسب الآلى دراسته وهوايته..


أحمد مهموم بوطنه منذ شب عن الطوق شخص إيجابى هكذا يصفه والده، عرف كيف يثور هو وأبناء جيله فى ٢٥ يناير ضد الظلم والبطش ودولة مبارك الأمنية، لكنه أبداً لم ينخدع يوماً فى الإخوان المسلمين، أدرك أنهم سطوا على الثورة ليصلوا إلى كرسى الحكم ويقصوا الآخرين، فكان كما يحكى لنا والده عصام الجمال الذى تخطى سن المعاش.. الموظف المثقف الذى أحسن تربية ولده أحمد كان مسئول حركة تمرد فى طنطا، وعمل بقوة ضد الإخوان، وخرج هو ورفاقه والناس فى ٣٠ يونيه لإسقاط حكم الإخوان، وفى إحدى المواجهات مع الإخوان فى شارع الجيش بطنطا، تجمع عدد من أعضاء الجماعة وأنصارهم حول أحمد وضربوه بالعصى الغليظة ولم يتركوه إلا بعد أن فقد الوعي، وظل فاقداً للوعى لأربعة أيام فى مستشفى طنطا الجامعي، أحمد شاب ذو مبادئ وأخلاق لم يرتكب خطيئة، اجتماعى ومحبوب من الجميع،.. لم أسمعه يتحدث عن تيران وصنافير، ذهب للقاهرة كعادته فى بعض الإجازات للنزهة ولقاء الأصدقاء لم يكن فى مظاهرة.


أحمد شاب جميل خلوق لم يمل للعنف أبدا، مسالم بكل ما فى الكلمة من معني..


أنا أب علم أولاده يحبوا بلدهم، ويكونوا ذوى مبادئ، وأخلاق وإنسانية، وخايف على ابنى المريض، لكن ربنا معاه وأصدقاؤه بيراعوه ويتابعوا كل التفاصيل، لا أستطيع أن أترك طنطا لأن والدته مريضة وانهارت لما سمعت أن أحمد اتقبض عليه، رافضة الأكل والشرب حتى الكلام، أنا كأب لشاب مكافح شق طريقه فى الحياة بنفسه وبعد بيان نقابة الأطباء ومساندة الكثيرين أقول: هل من مجيب؟


يتساءل والد أحمد: ولكننا اعتدنا على عدم الإجابة.


بيان نقابة الأطباء شديد الأهمية وهو بيان مقدم للنائب العام، ناشدت فيه النقابة النائب العام بالإفراج الصحى عن أحمد المصاب بعيب خلقى فى القلب «ضيق بالشريان الرئوى» أدى إلى تضخم بعضلة القلب مما يترتب عليه نوبات من الإغماء وضيق شديد بالتنفس، ومن الصعب جداً أن يتحمل ظروف الاحتجاز التى قد تؤثر على حياته.


وقالت النقابة فى بيانها حرصاً على حياته نطالب سيادتكم بالإفراج الصحى عنه.


هذا البيان موقع من د. حسين خيرى نقيب الأطباء والذى ذهب للمحكمة لحضور المحاكمة مع اثنين من الأطباء الشباب الذى ألقى القبض عليهما فى ٢٥ أبريل، وأشار إلى أن هذا أقل شىء يمكن تقديمه لهم.. الدعم والمساندة.


على صفحة» الحرية للجدعان» على موقع التواصل الاجتماعى أعداد حالات القبض والاستيقاف فى الفترة من ١٥إلى ٢٧ أبريل على خلفية احتجاجات اتفاقية ترسيم الحدود يبلغ ١٢٧٧ معتقلاً منهم ١٠٧ من الإناث، ٥٧٧ تم القبض عليهم وتوجيه الاتهام إليهم ٦١٩ تم استيقافهم ثم إطلاق سراحهم، هناك ٨١ حالة غير معلوم أماكنهم هذه الأرقام أعلنتها جبهة الدفاع عن متظاهرى مصر وفقاً لأعمال الحصر والرصد التى قامت بها.


أحمد ليس الحالة الوحيدة الذى تعرض للقبض العشوائى، بل كثيرون تمتلأ بهم زنازين الأقسام والسجون مازال هناك أحمد عبدالرحمن، الذى كان ماراً بالصدفة أمام مظاهرة الشورى الشهيرة، حاول أن يمنع رجال الأمن الذين يرتدون زياً مدنياً من ضرب الفتيات، فكان ثمن الشهامة حوالى عامين فى السجن، بل والأدهى من ذلك أن العفو الرئاسى الذى شمل غالبية متظاهرى الشورى لم يشمله!.


أما المصور الصحفى شوكان المحبوس منذ فض رابعة بينما كان يقوم بدوره المهنى.. ففقد الأمل فى خروجه، خاصة بعد أن أفرج عن المئات من المنتمين فعلياً لجماعة الإخوان فى قضيته بينما مازال هو حبيساً.


هذا بخلاف ماهينور المصرى ويوسف شعبان وأحمد دومة وعلاء عبدالفتاح وأحمد ماهر ومحمد عادل.. الذين خاضوا المعركة بشراسة ضد الإخوان وكانوا فى مقدمة الصفوف.


ورغم استمرار مطالبة السياسيين والحزبيين والنقابات المهنية بالإفراج عن الشباب المعتقلين الذين لم يمارسوا عنفاً، إلا أن عمليات العفو تسير كالسلحفاة وبالقطارة، وقبل أن يخرج البعض يكون شباب جدد انضموا إلى المحابيس.


منعوا المظاهرات بتطويق أماكن التجمعات فى سابقة لم تحدث من قبل على هذا النحو.. كل هذا الفزع من أن يقف عدد من أبناء هذا الوطن يستخدمون حقهم الدستورى فى التظاهر تعبيراً عن رأيهم، بل ويسمحون للمتظاهرين بمقابل أو بغير مقابل المتوافقين مع الدولة فى الماضى والوقوف على سلالم نقابة الصحفيين والتجمع فى ميدان عابدين.


مشهد معيب، وأكثر ما يعيبه أن يتصور مهندسوه أنهم انتصروا.. تكميم الأفواه لن يدوم لأن العالم أصبح مفتوحاً، مهما حاولوا إسكات أصوات المعارضة، ومهما زاد عدد المحابيس.


وعلى رأى شاعرنا الكبير زين العابدين فؤاد:“مين ده اللى يقدر ساعة يحبس مصر”.