حرية الرأى بين الكبت والفوضى

04/05/2016 - 12:06:34

  جمال أسعد جمال أسعد

بقلم - جمال أسعد

الحرية هى أغلى ما يمتلك الإنسان. فهى إحساس غريزى يصاحب الإنسان منذ ولادته ويتدرج هذا الإحساس مع الإنسان مرتبطا بالظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التى تحيط به وتؤثر على إمكانية ممارسته لهذه الحرية. إضافة إلى ما يسيطر على المجتمعات من عادات وتقاليد موروثة بما يسمى بالضمير الجمعى للشعوب. كما أن الحرية وطوال تاريخ الإنسان تدمرت فى إطار الممارسة بمراحل متعددة بدءا من حرية الحياة ذاتها عندما كان الوجود للقوى ولا مجال ولا حياة للضعيف ذى البنية الجسمانية الضعيفة. وعندما توفر الغذاء كان من نصيب الأقوياء. ثم كانت السيطرة لأصحاب النفوذ القبلى والمادى فكان نظام العبيد الذى شىء الإنسان وحوله إلى شىء يملك ويورث حتى أنه عند ظهور ما يسمى بالديمقراطية اليونانية لم تكن من حق الجميع ولكنها كانت للنخبة فقط.


وبعد تطور النظم السياسية وظهور ما يسمى بالعقد الاجتماعى بين الحاكم والمحكوم أصبح هناك مايسمى بالحقوق السياسية التى تقابلها واجبات سياسية للدولة لدى المواطن. فكانت الحقوق السياسية وهى التى تعطى الحق فى ممارسة حرية الرأى والتعبير والحق فى المشاركة فى اتخاذ القرار السياسى. كذلك الحقوق الاجتماعية والثقافية وغير ذلك. ولكن للأسف كان هناك من لهم مصلحة فى تحجيم وتقزيم الحريات هذه فى إطارها السياسى وهى حرية الرأى والحق فى التعبير. ولذا أصبح هذا النوع من الحرية هو الظاهر على السطح وهو الذى تقسم على أساسه النظم السياسية بين نظم ديمقراطية تتيح هذه الحرية وبين نظم غير ذلك تمارس القمع والاستبداد على شعوبها. فهل حرية الرأى والتعبير هى حرية مطلقة بلا حدود؟ لا شك لايوجد مطلق تماما فلكل شىء حدود وقانون ينظم ممارسته حتى لاتكون حرية الفرد على حساب الآخر أو المجموع. وحتى لايتم التحجيج والتلكك بممارسة هذه الحرية على حساب الوطن والدولة وليس على حساب النظم الحاكمة التى من الطبيعى أن يتم معارضتها وابداء الرأى فى سياساتها وممارساتها. وهنا فما هى حدود وممارسة حرية إبداء الرأى وحق التعبير؟ من الطبيعى وحتى لاتتحول حرية الرأى هذه إلى فوضى تسئ للأفراد وللجماعات وتستغل فى تصفية الحسابات السياسية. فلاحرية فى الإساءة لسمعة الفرد أو الجماعة ولا حرية تؤدى إلى تقويض أسس المجتمع وقيمة العليا ولا حرية تنتج فتنة بين طبقات المجتمع وفئاته ولا حرية تعمل على نشر الرذيلة والفسق وإهدار القيم وإسقاط الأخلاق والاستهتار بالقانون. فهل إفشاء الأسرار الخاصة والعامة حرية؟ وهل الدعوة إلى خيانة الوطن حرية؟ هل ممارسة الإرهاب الفكرى واستعداء الآخر على الوطن والنظام خاصة إذا كان هذا الآخر أجنبى حرية؟ هل نشر الفكر الإرهابى والتخريبى حرية؟ هل الدعوة إلى أسقاط النظام بغير القانون والأسس الديمقراطية التى حددها الدستور حرية؟ هل الرأى الذى يدعو إلى إسقاط القوات المسلحة وهى الدرع الحامى للوطن وللمواطن حتى نعطى الفرصة للأعداء لتنفيذ مخططاتهم الاستعمارية المعلنة حرية؟ هل التعامل مع الأجندات الأجنبية التى تتناقض مع التوجهات الوطنية والتى تسعى لتنفيذ المصلحة الأجنبية على حساب الوطن وذلك عن طريق التمويلات النقدية حرية؟ هل ممارسة ما يسمى بحرية الرأى تجعل المعارض للنظام وهذا من حقه دستورياً وقانونيا يضم النظام ومؤسساته وحكومته ورئيسه بالخيانة العظمى مثل ما حدث فى اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية حيث إن الاتهام فى التفريط فى الأرض بغير الحق والقانون خيانة عظمى؟ وعلى ذلك هل هناك الآن حرية فى إبداء الرأى والحق فى التعبير حسبما يحدد الدستور. أم أن هناك قمعاً لايعطى الفرصة لممارسة هذا الحق؟ لاشك وأن ما حدث فى ٢٥ يناير و٣٠ يونيو وحتى إذا لم يكن قد حقق الثورة الحقيقية والمطلوبة وهى تغيير كل مناحى الحياة تغييرا جذريا للأحسن ولكن هناك الكثير قد تم تحقيقه. فهناك كسر لكثير من حواجز الخوف لدى المواطن. هناك مساحة غير مسبوقة للمواطن العادى لكى يعبر عن رأيه. هناك رأى عام قد أصبح الآن يعمل له حساب ولا يملك أحد تجاهله. هناك صحافة خاصة وحزبية بل هناك صحافة قومية (المصور وغيرها) بها مساحات كبيرة ومتعددة للتعبير عن الرأى المعارض للنظام وللرئيس. هناك قنوات فضائية مملوكة لرجال أعمال لاتمارس حق المعارضة والتعبير فحسب بل كثيرا ما تمارس الضغط على صاحب القرار وعلى النظام بهدف تحقيق مصالح خاصة لاعلاقة لها بالهم الوطنى والجماهيرى. هناك وسائل التواصل الاجتماعى وكثيرا جدا ما تمارس الهدم والإساءة ونشر الشائعات وخاصة من لايريدون خيرا لهذا الوطن.


ومع ذلك فهذه الوسائل تقوم بأدوار حقيقية وصحيحة لممارسة حرية الرأى والتعبير والأهم يستجيب النظام لذلك. وما واقعة إقالة وزيرى العدل ببعيدة فلاشك كانت هذه الوسائل أحد أهم الأسباب فى اتخاذ القرار. أما إذا كان المقصود بالقمع هو منع المظاهرات فهذه قصة أخرى.


فلاشك فمظاهرات ٢٥ يناير ٢٠١١ والتى أدت إلى سقوط مبارك. وكذلك مظاهرات ٣٠ يونيو ٢٠١٣ والتى أدت أيضا إلى سقوط نظام الإخوان وإن كان ذلك لم يكن يتم بدون تدخل القوات المسلحة الوطنية وانحيازها للشعب ولكن هذا ولد هناك إحساساً بل يقين لدى المتاجرين بالوطنية وتجار الثورات وموردى المظاهرات أن هذه المظاهرات هى السبيل الوحيد للتواجد وأنها الطريق الأمثل للتعبير عن الرأى والآلية النموذج بمعارضة النظام. نعم الدستور قد أعطى الحق للتظاهر السلمى ولكن ألزم ذلك للقانون.. نعم قانون التظاهر عليه ملاحظات فهذا من حق من يعترض وعليه أن يعترض بل يطالب بتعديله. ولكن هل هذا يعطيه الحق فى عدم الالتزام بالقانون قبل تعديله أو حتى إسقاطه؟ وأين الحرية بقيمها وأين الديمقراطية بمبادئها فى إسقاط القانون والتعالى عليه والإصرار على كسره وممارسة حق التظاهر بعيدا عنه؟ فهل تطبيق القانون قمع لحرية الرأى وتكميم للأفواه؟ وهل لاتوجد الآليات والوسائل للممارسة غير التظاهر؟ وهل التظاهر كأسلوب يصلح فى كل الأحوال ويتناسب مع الظروف والمعطيات السياسية التى تحيط بالوطن؟ ومع ذلك حتى نكون موضوعيين فلاشك أن هناك ممارسات شرطية وأمنية لازالت تعيد القديم وتستنسخ الماضى بممارسة أساليب قد عفى عليها الزمن الشىء الذى يصور الأمر وكأنه تكميم للأفواه. نعم من حق الشرطة أن تحافظ على الأمن وتطبق القانون ولكن هذا فى إطار الحياد بين المؤيد والمعارض فلاتمنع المعارض وتسمح للمؤيد. فهذا ضد الديمقراطية وضد النظام نفسه وبعيداً عن الممارسة السياسية. فمواجهة الخلاف السياسى لاتكون بغير المواجهة السياسية وحتى لانعطى الفرصة للمتربصين لانتهازها كما أن من يطرحون أنفسهم بالمدافعين عن النظام وعن الرئيس فالدفاع والتأييد له أسلوبه وله حرفيته ولا تكونوا مثل الدبة التى قتلت صاحبها. فليس من حق أحد توزيع صكوك الخيانة على المعارض ولايتصور أحد أن يحتكر حق الوطنية لكل مؤيد. فهذا بعيد عن الممارسة السياسية وحتى لايوصف النظام بالقمعى فلنمارس حق التعبير بالوسائل المناسبة وعلى أرضية وطنية لصالح مصر الوطن وبعيدا عن المزايدات حتى تكون مصر لكل المصريين.