من التشويهات.. إلى التسريبات .. وصولاً للفضائح: جرائم اللحم المشوى!

04/05/2016 - 11:59:03

بقلم: أحمد النجمى

تنبعث الروائح الجذابة من اللحم المشوى، يعرف الجيران أن فى هذا البيت لحماً يتم إنضاجه بالشواء، يختلف الأمر إن كان اللحم مسلوقاً أو مقلياً.. اللحوم المشوية رائحتها أكثر ذيوعاً.. الطعم أيضاً يختلف، لكن أى اللحوم يصلح للشواء؟ تلك هى المسألة، إنها أجود اللحوم.. طعماً وشكلاً، من هنا يستهدفها الطهاة.. والطهاة أيضاً - كاللحوم - تختلف درجات مهارتهم، بعضهم يملك عينى صياد، ينتقى قطعة اللحم بعناية فائقة ونظرة خاصة.. اللحم المشوى - كأى لحم - مقطوع من ذبيحة.. ومطهى على النار، يسيل له اللعاب، ورائحته النفاذة تملأ الأنوف، مثل روائح»الفضائح»تماماً، التى يتم اختيار ضحاياها بعناية ودقة، ثم يتم تقطيعهم على مرأى ومسمع من الرأى العام، ثم يبدأ الشواء.. إنها جريمة باتت تقع بصفة شبه يومية، تهز ثقة المصريين فى بعض الشخصيات التى طالما احترموها، أو طالما حاربوها.. «نعم» حاربوها، فالحرب عند المصريين أشرف كثيراً من الفضائح الشخصية.. تلك التى كانت آخر ضحاياها «إسراء عبدالفتاح» الأسبوع الماضى..!


تستطيع أن تقول فى الناشطة السياسية والاجتماعية المعروفة «إسراء عبدالفتاح”ما شئت، تستطيع أن تختلف معها إلى آخر الشوط.. أو أن تلعن خطابها السياسى، أنا- عن نفسى - على طرف نقيض مع أفكار وتوجهات إسراء عبدالفتاح، لكن ما علاقة الاختلاف أو حتى الكراهية، بتشويه السمعة؟!..لقد تم تسريب مقطع ينسب إلى إسراء ويفترض أن هذا صوت إسراء.. وذاك صوت أحد الرجال، الذى لم يرد ذكر اسمه فى هذه المكالمة الافتراضية، أما تفاصيل المكالمة فيعف المرء عن ذكرها، مكالمة وضيعة حقاً، لا أعتقد أن إسراء يمكن أن تكون قد أجرتها بالفعل، كما أن صوت الرجل الذى على الطرف الآخر من المكالمة لا يعدو أن يكون صوت أحد الحرفيين أو أنصاف المتعلمين، والمفترض فى المكالمة أنها بين إسراء وأحد من تربطهم بها علاقة وطيدة.. فكيف يدخل هذا فى عقل منصف؟ ومنذ متى كانت إسراء محلاً لمثل هذا اللغو؟! أفرطت عامداً فى استخدام كلمة “المفترض»و «الافتراضى» لكونى شخصياً غير مقتنع بالمقطع!.


إنه آخر تسريب فضائحى على الإنترنت، تداوله الشباب على «الفيس بوك»بكثرة خلال الأسبوع الماضى، حتى صار سؤالا معتاداً تسمعه الأذن أن يبادرك صديق لك يقول «سمعت التسجيل بتاع إسراء»؟!


وإسراء عبدالفتاح تحيا بيننا، لم تسافر ولم تختفِ.. والناس فى الشارع المصرى يعرفون شكلها جيداً، فقد كانت من أشهر عناصر النشطاء السياسيين الذين أبرزهم الإعلام فيما بعد ثورة ٢٥ يناير المجيدة.. فكيف يمكنها بعد انتشار هذا المقطع الصوتى على الإنترنت أن تحيا بيننا؟ أم أن عليها أن تقف فى كل شارع تمر به أو أمام أى شخص تلتقيه لتشرح حقيقة التسجيل المزيف؟!


قبلها كان الإعلامى البارز»يوسف الحسينى”ضحية لمقطع فيديو فاضح، مزور أيضاً لا علاقة ليوسف الحسينى به، ولم يصدقه الناس.. وبقى يوسف الحسينى .. الذى تختلف معه أو تتفق فى الرأى، وفى برنامجه المهم”السادة المحترمون”على فضائية أون تى فى بقى نجماً فى الإعلام السياسى ولم تهتز صورته، لكنه - قبل ذلك - مر بنفس “الترهيب المعنوى «الذى تمر به إسراء عبدالفتاح الآن..!


وقبل إسراء ويوسف، نعرف جميعاً ما كان من شأن تسريبات مزيفة أيضاً للنائب البرلمانى والمخرج والمثقف اللامع»خالد يوسف»وهى التسريبات التى تمثلت فى مقاطع فيديو استخدمها ضده”مرتضى منصور”وهى القصة التى شغلت الرأى العام كثيراً قبل نحو أربعة أشهر، وانتهت الزوبعة إلى ما هو أصغر من فنجان.. وخرج منها”خالد يوسف”مرفوع الرأس موفور الكرامة..!


المقاطع الثلاثة صوتية كانت أو مرئية ركزت على فكرة “الفضيحة”، واتجهت تحديداً إلى فكرة”الفضائح الجنسية”، ولم تظهر تلك المقاطع التى ثبت زيفها إلا حين اختلف ضحاياها مع الدولة، من خالد يوسف إلى يوسف الحسينى إلى إسراء عبدالفتاح..!


هنا.. يجب أن نكون حذرين فى اتهام من يقفون وراء هذه الفضائح وتدبيرها وتزييفها.. تحديداً يجب ألا نسارع إلى اتهام أجهزة أمنية بأنها وراء هذه المقاطع.. وإلا فما تفسير تسريب المقاطع المزيفة لخالد يوسف، من سربها ليس من الداخلية بل هو مرتضى منصور - وفقاً لخالد يوسف ذاته - ثم لماذا يتم تشويه “إسراء عبدالفتاح” الآن بينما ”أسماء محفوظ”- مثلاً - أخذت مواقف شديدة الانحطاط سياسياً لاسيما بعد أزمة جزيرتى ”تيران وصنافير” فلماذا لم تزيف لها «الداخلية» تسجيلاً؟ لكن يبقى فى الخيال الشعبى أن المسئول عن هذه المقاطع، ومنذ فترة طويلة هو أجهزة الدولة، تحديداً أجهزة وزارة الداخلية..!


التاريخ يحكى للناس أقاويل وقصصاً تشيب لها الوالدان حول التسريبات، ومن يحكون التاريخ ليسوا دائماً مؤرخين، معظمهم لم يدرس التاريخ بالأساس، لكن قصصهم دخلت التاريخ ولله الأمر..! وارتبطت حكايات هؤلاء - المزورين أو المسربين بكسر الراء - بأسماء بعينها ظلت تمثل «حالات» فى سجل الفضائح الجنسية.!


يقع كل هذا بينما على رأس الدولة المصرية رئيس محترم خلوق مهذب شديد الأدب هو الرئيس عبدالفتاح السيسى، الرجل الذى يرفض هذا الأسلوب ويحاربه ويطالب المثقفين وأصحاب الرأى والإعلاميين بنشر القيم الأخلاقية فى المجتمع، حتى خصوم الرئيس السيسى يقرون له بالاستقامة وحسن الخلق.. أليست مفارقة غريبة أن يصبح الفيس بوك - وبعض البرامج الفضائية أحيانا - مسرحاً لنشر هذه الفضائح المكذوبة؟ وإذا كنت - شخصياً - غير مقتنع بأن أجهزة وزارة الداخلية وراء هذه الفضائح، فإنه يبقى أن نقول إن عليها مسئولية مباشرة فى محاصرة مثل هذه الاتهامات، أليست لديها جهاز الأمن الوطنى.. ولديها إدارة مختصة بجرائم الإنترنت؟ فلماذا لا تبادر إلى حذف هذا المقطع أو ذاك من المقاطع المزيفة ولماذا لا تتعقب صانعيها؟ هل يليق هذا بالدولة المصرية وعلى رأسها رئيس مهذب يضرب بأخلاقه المثل فى الاستقامة والابتعاد عن تجريح خصومه، على ما لخصومه هؤلاء من عيوب وأخطاء كثيرة؟!


ونعود إلى الوراء قليلاً.. لنقف على أهم هذه الفضائح، ونرى كيف تطورت.. ومن وقف خلفها..!


الفضائح اليوم إلكترونية وفق طبيعة العصر، لكنها فى الماضى القريب لم تكن كذلك، وفى الماضى البعيد كانت مختلفة أشد الاختلاف.


وفى الأربعينيات الأخيرة، أخذت فضائح «فاروق» آخر ملك لمصر من أسرة محمد على والذى خلعه الجيش فى ثورة ٢٣ يوليو المجيدة، تشتد وتفوح رائحتها.. كانت «آلة الفضح» هى الصحافة، تحديداً تلك الصحف التى تصدر فى باريس وروما، فقد كانت مواسم اصطيافه على شواطئ الريفييرا ونيس أو على الشواطئ الإيطالية، مواسم حقيقية لـ “المسخرة” وإنفاق الأموال الهائلة استرضاء للغانيات أو على موائد القمار .. وكان من المانشيتات المعتادة ذلك المانشيت الذى ينشر فضيحة جديدة لـ “ملك مصر” فى صحيفة فرنسية أو إيطالية.. ووصلت الأخبار إلى مصر، وصار المصريون يرددونها على المقاهى كثرثرة معتادة، بعض هؤلاء المصريين كانوا يرون «ملك مصر والسودان» فى موكب سياراته ذات اللون الأحمر المميز وفى صحبته مجموعة من الحسناوات فى ساعة متأخرة من الليل فى شوارع وسط البلد أو فى شارع الهرم.. أو يشاهدونه ليلاً خارجاً من «نادى السيارات» بوسط البلد فى مطلع الفجر بعد أن لعب القمار وتلقى رشاوى من هنا وهناك .. بل يحكى العظيم الراحل «أحمد بهاء الدين» فى كتابه «فاروق ملكاً» أن فاروق كان يستدعى وزراءه أحياناً فى عز الليل وهو يلعب القمار فى النادى ..!


هذه الفضائح خلدتها الكلمة المطبوعة فى الصحف الأجنبية، ونشرت بتوسع بعد أن تخلصت مصر من حكم فاروق الفاسد المنحط فى ٢٣ يوليو المجيدة، وانتقلت إلى الكتب، وكتاب ”أحمد بهاء الدين” الذى ذكرناه واحد من أبرز هذه الكتب وأفضلها وأوضحها..!


ثم تأتى سياسة (الفضح) فى الستينيات ..!


نسب إلى «صلاح نصر» مدير المخابرات العامة الأسبق، سلسلة من الفضائح عرفت باسم «قضية المخابرات» أو «فضيحة المخابرات»، كان ذلك بعد وقوع نكسة ١٩٦٧، والتى ذهب مجموعة من قيادات الدولة رفيعة المستوى ضحاياها.. من عبدالحكيم عامر - القائد العام للجيش - وشمس بدران وزير الحربية وصلاح نصر رئيس المخابرات العامة، فضلا عن مجموعة من القيادات فى الجيش وجهاز المخابرات، ممن عرفوا بولائهم لعبدالحكيم عامر، ورأى الزعيم خالد الذكر جمال عبدالناصر أنهم المتسببون الأساسيون فى النكسة .


صلاح نصر.. نسب إليه أنه دبّر ”مستمسكات” ضد عدد من الشخصيات العامة، لاسيما فى الوسط الفنى، ليجبرهم على العمل لصالح الجهاز .. لم يتسع النشر فى هذا السياق إلا فى السبعينيات، ووصل إلى ذروته فى الثمانينيات بصدور مذكرات “اعتماد خورشيد”، التى أحدثت صدى هائلا فى التوزيع، ومردوداً واسعاً فى الجدل.. تقرأ فى كتاب اعتماد خورشيد مايشيب له الولدان، قبلها - فى السبعينيات - نشرت الصحف مجموعة من التجاوزات الأخلاقية التى نسبتها جميعاً إلى السيد “صلاح نصر”، وقد نشر صلاح نصر تكذيباً تفصيلياً لجميع هذه الأحداث سواء فى الكتب التى أصدرها بعد الإفراج الصحى عنه “جرى فى العام ١٩٧٤“ أو بوسائل أخرى .. «الفضيحة» هنا عبارة عن أشرطة فيديو تم تصويرها بصورة سرية، وكانت - حسب من كتبوا ضد صلاح نصر - معدة لكى يتم الضغط بها على فنانات وشخصيات عامة، لإجبارهم على أداء واجبات بعينها تجاه المخابرات العامة، لعل أشهرهم سعاد حسنى ونجاة الصغيرة ومريم فخر الدين، لكن أحدا - بالطبع - لم يشاهد هذه الأفلام ، وبقيت الفكرة.. فكرة”فضح صلاح نصر».. ملتصقة باسم الرجل، بعد أن تم تداولها على أوسع نطاق صحفياً وفى الكتب وفى الأعمال الأدبية والفنية.. لاحظ هنا أن هذه كانت الوسائل المتاحة للفضائح آنذاك..!! إنها - مثل فضائح الأيام الحالية – فضائح جسدية تقوم على فكرة «العرى» وفضح الجسد، لكن هدفها سياسى بامتياز .. !


لم تتطور طرق الفضح كثيراً فى ذلك التوقيت.. لكن من المؤكد أن فضائح صلاح نصر، أو”قضية المخابرات”جرى تفجيرها بواسطة الدولة نفسها، لإصلاح”أعطال”سياسية كانت تقف عقبة فى الطريق..! .. إذن ففى فضائح ”فاروق” كانت وسائل الإعلام الغربية هى جسر المعلومات، أما فى قضية صلاح نصر فكانت الدولة المصرية ذاتها ..! وكل من فاروق وصلاح نصر لم يكن معارضا ولكن كلا منهما صار من “المغضوب عليهم” سياسياً، فاروق كان ملكاً مكروهاً من الشعب والجيش، ونصر.. كان رئيس جهاز مخابرات وصار عبئاً على النظام .


فى التسعينيات حدثت فضيحة كبرى .. لكنها لاتتعلق بمعارض هذه المرة أيضا ، لكنها تتعلق ”بممدوح الليثى” الرجل الذى كان يقف فى المربع رقم ٢ مباشرة بعد «صفوت الشريف» وزير إعلام حسنى مبارك فى الفترة من أوائل الثمانينيات وحتى أوائل القرن الواحد والعشرين.. وواحد من أقوى أعمدة النظام البائد.. الليثى كان رقم ٢ بعد هذا الرجل القوى، ولمع نجمه بشدة كرئيس لقطاع الإنتاج، أقوى جهاز ينتج الدراما التليفزيونية فى التسعينيات.. وحين توثب الليثى إلى منصب وزير الإعلام، تم قطع عنقه.. والإطاحة به فى فضيحة أخلاقية، أفضت به إلى المحاكم والحرمان من وظيفته.. أى أنه «خرج بفضيحة»من المنصب.. كانت الطريقة هذه المرة تسريبات من «شخص ذى نفوذ» إلى مجلة «روز اليوسف»، تحديدا إلى الكاتب الكبير «عادل حمودة».. الذى نشرها بعنوان له دوى على صفحات المجلة الزميلة، التى كانت آنذاك الأعلى توزيعاً فى المجلات المصرية والعربية ، نشرها تحت اسم ”جريمة على النيل”، واتهم حمودة ممدوح الليثى بتسهيل الدعارة لشخصيات خليجية مع بعض نجمات الوسط الفنى فى مصر.. وبعد أن أطيح الليثى من منصبه وصدر الحكم ضده، تم إصدار كتاب يضم وثائق للفضيحة، لكن الليثى بادر إلى شراء جميع النسخ وتصالح مع عادل حمودة.


رأس كبير فى الدولة كان يقف وراء «التسريبات» هذه المرة، هو ”صفوت الشريف”، إنه ليس جهازاً أمنياً، إنه وزير الإعلام، ولكن مع ملاحظة شديدة الأهمية: لقد كان صفوت الشريف من أبرز مساعدى «صلاح نصر» – حين كان الشريف ضابطاً بالمخابرات - فى استدراج وتصوير الفنانات فى الستينيات..! إذن، لم يكلف الأمر صفوت الشريف شيئا سوى استعادة قدراته القديمة، لكى يتخلص من خصمه، فى قضية فضائحية جنسية شهيرة طوتها الأيام..!


مر على هذه الفضيحة مايزيد على ٢٠ عاماً، تطورت التقنيات، وأصبح «الموبايل» واتصالاته والبرامج الموجودة عليه، وسيلة سهلة ومضمونة سواء لعمل الفضائح أو لتزوير الفضائح، يكفى أن تسجل حواراً - أى حوار - لشخص على الموبايل ثم تستخدم صوته وربما كلماته نفسها فى حوار شديد الانحطاط جرى عمله بعناية بواسطة برامج مونتاج متعددة صارت فى متناول الجميع، وصار لها المتخصصون فيها، يملأون السهل والجبل ..!


ونعود إلى الفضائح الثلاث الأخيرة، فنجدها مرآة لهذا التطور التقنى .. ونجد أن الفاعل ليس بالضرورة هو وزارة الداخلية أو، أى جهاز أمنى أحياناً الفاعل «شخص» - مثل حكاية خالد يوسف - وقد يكون شخصاً أيضاً وليس جهازاً، كما فى حكايتى يوسف الحسنى وإسراء عبدالفتاح، من أدرانا أن الاسمين ليس لهما خصوم، سواء من داخل المهنة أو المجال الحركى لكل منهما، أو من ذات التيار السياسى الذى ينتمى كل منهما إليه؟!


الأمر غير واضح.. هناك ضحايا لكن ليس هناك مجرم محدد يمكن توجيه الاتهام إليه.. هناك من يستهسل الأمر أو يقصد التشويه ، فيسند هذه الجريمة - جريمة الفضح - للداخلية .. لكننا بصراحة نراها غير صاحبة لأية مصالح فى هذه الفضائح.. لكنها مقصرة فى تتبعها إلكترونيا كما قلنا.. ونرى أن هذه مفارقة مأساوية .. أن تقع هذه الجرائم فى عصر السيسى ، الرجل المهذب المتدين الذى يترفع دائماً عن أية أمور شخصية..!


أيها «المعنيون» .. فتشوا عن الفاعل فى هذه الجرائم ، حتماً ستصلون إلى جرائم أكبر ارتكبها هذا الفاعل نفسه فى حق الوطن..!