انهيار الطبقة الوسطي يهدد أمن مصر

09/09/2014 - 9:54:06

صوره ارشيفيه صوره ارشيفيه

تحقيق : عبد اللطيف حامد ـ وليد محسن

تحذير مهم أطلقه خبراء علم الاجتماع السياسي، ويجب أن يأخذه المسئولون علي محمل الجد «تآكل الطبقة الوسطي يهدد أمن مصر» .. التحذير لا ينبع من فراغ ولكنه نتيجة شواهد حقيقية رصدها الخبراء من الواقع .. وأهم هذه الشواهد تجاهل الحكومات المتعاقبة للطبقة الوسطي وزيادة الضغوط المعيشية علي المنتمين لها، مع ضعف بل وانهيار مستوي التعليم الذي كان أحد الروافد الرئيسية المغذية للطبقة الوسطي.


الخبراء يؤكدون أن انهيار هذه الطبقة يخل بمنظومة القيم داخل المجتمع، ويقلب ثوابته، بل يجزم البعض أن هناك شواهد علي وجود مخططات ومؤامرات خارجية لتفكيك المجتمعات العربية وعلي رأسها مصر عن طريق ضرب الطبقة الوسطي من مدخل التيار الديني بتفتيتها إلي فئات عدة علي أساس ديني.


وفي الوقت نفسه يرون أن الطبقة الوسطي تحتاج إلي إعادة هيكلة ذاتية للتخلص من المساوئ التي لحقت بها خلال حكم مبارك والإخوان لتعود لمكانتها خلال فترة الستينيات، ولو صدقت النوايا فإن الطبقة الوسطي لديها فرصة ذهبية لتصدر المشهد السياسي لو أحسنت التصرف، وقيادة الجماهير في الانتخابات البرلمانية المقبلة بحصد الأغلبية عن طريق تنظيماتها وكياناتها كالأحزاب والنقابات المهنية حتي تتمكن من سن التشريعات التي تضمن استقرارها دون ظلم الطبقات الأخري، وتحويل شعارات الثورتين إلي واقع ملموس .


تمثل الطبقة الوسطي نحو 60 في المائة من المجتمع، وتنقسم إلي ثلاث فئات أولها الطبقة الوسطي العليا لقربها من الطبقة الرأسمالية الراقية ودائما ماتحاول أن تتبني أفكارها ومبادئها، وتسعي ما استطاعت إلي ذلك سبيلا في تولي المناصب القيادية بالدولة، ولا يتجاوز معدلها داخل الطبقة الوسطي 5 في المائة ثم الطبقة الوسطي الوسطي التي تضم المهنيين في مختلف القطاعات المهندسين والأطباء والمدرسين والصحفيين، والمثقفين وغيرهم من المنتمين للنقابات المهنية المختلفة، وفي الغالب هذه الفئة الأكثر تأثيرا في المجتمع لتنوع مهاراتها وقدراتها الإبداعية والمعرفية، وحجم هذه الفئة يتراوح ما بين 20 في المائة إلي 30 في المائة، أما الطبقة الوسطي الدنيا فتمثل القاعدة العريضة داخل الطبقة الوسطي، وتنتمي بمصالحها وأهدافها إلي الطبقة العاملة والدنيا، ولا تقل نسبتها عن 65 في المائة من إجمالي الطبقة الوسطي، وهذا التفاوت الكبير في النسب يرجع في الأساس إلي السياسات الاقتصادية التي تتخذها الدولة خصوصا في السنوات الأخيرة، وإهمالها الحفاظ علي التركيب الأمثل للطبقات داخل المجتمع، وهذا ما تخلص إليه الدكتورة وفاء سمير نعيم أستاذ علم الاجتماع السياسي في المركز القومي للبحوث، وصاحبة عدة أبحاث ودراسات عن الطبقة الوسطي.


وتضيف أن هذه الطبقة مظلومة في حصتها من الدخل، والثروة القومية، حيث إن الطبقة العليا لا تتجاوز معدل الـ 5 بالمائة من الشعب لكنها تسيطر علي نحو 95 بالمائة من إجمالي الدخل، بينما العدالة الاجتماعية، وضمان الاستقرار والتوازن بين الطبقات يتطلب توزيع الدخل بين الطبقات بطريقة متوازنة، فلا يجب أن يتعدي نصيب الطبقة العليا الـ 20 بالمائة، بينما يكون نصيب الطبقة الوسطي 50 بالمائة من الدخل القومي لكونها تمثل القطاع العريض من المجتمع، أما الطبقة الفقيرة أو العاملة لابد أن تستحوذ 30 بالمائة من الثروة لانتشالها من حالة الفقر التي تعاني منها، وللأسف نتيجة للظروف الاقتصادية الصعبة هناك تآكل للطبقة الوسطي لصالح الطبقة الدنيا بسبب زيادة معدلات الفقر، مما يترتب عليه اختلال التوازن المجتمعي.


وتشير إلي أنه خلال فترة الثمانينات والتسعينيات توالت الأبحاث والكتابات التي تحذر من تفكيك تلك الطبقة، وما تتعرض له من تهميش في العقود الاخيرة، وهذا يعكس مدي القلق الكبير من انهيارها لما يمثله من تهديد للمجتمع وكياناته، وما يمثله ذلك من أضرار ذلك علي الأمن القومي المصري لأن الطبقة الوسطي في كل الأزمان، حاملة راية التغيير، والقادرة عليه، ولو نظرنا إلي ثورات الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا نجد تجسيدا واضحا لدورها، حيث إن أبناءها هم وقود معركة التغيير، وهم المحرك الرئيسي لها مع الاستعداد لتقديم التضحيات في سبيل الوطن حتي لو وصل الأمر إلي الجود بالدماء في مواجهة الاحتلال أو الأنظمة الديكتاتورية والفاسدة، وبالفعل هناك العديد من العوامل وراء تآكل الطبقة الوسطي منها تبني الدولة في السبعينيات سياسة الانفتاح الاقتصادي القادمة من الخارج عبر صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بشروط مقصودة منها التخلي عن قطاع الأعمال وإلغاء مجانية التعليم وعدم توظيف الخريجين واتباع سياسة الخصخصة التي تؤدي إلي تسريح العمال، فتح باب الهجرة الأمر الذي أدي إلي هروب الطبقة العاملة التي كانت تنتج 20 بالمائة من الناتج المحلي، وكذلك تعرض عدد كبير من أبناء الطبقة الوسطي للنهب عن طريق شركات توظيف الأموال كالريان وغيرها، ووقوعهم ضحايا لمؤامرات الكبار في البورصة.


وتحذر من استمرار عملية التآكل في الطبقة الوسطي علي كيان المجتمع لأنها حاملة القيم والمبادئ الأخلاقية، وهذا يخل بمنظومة القيم داخل المجتمع، ويقلب ثوابته.


مسئولية الدولة


وتحمل وفاء الدولة مسئولية عدم تحقيق التوازن بين الطبقات في المجتمع بسبب عدم توزيع الدخل بينهما بطريقة متوازنة وتحجيم الطبقة الرأسمالية من السيطرة علي الثروات واللعب بمقدرات الطبقتين المتوسطة والدنيا وزيادة ثرائها بطريقة فاحشة، وأيضا تمهيد الطريق أمام الأجهزة الرقابية للقضاء علي الفساد، ومراقبة الأنشطة والاستثمارات التي تقوم بها الطبقة الرأسمالية بما يحقق في المقام الأول مصلحة الدولة ثم الشعب، وأيضا لابد من إعلاء قيمة العلم، لكنها في الوقت نفسه تري أن الطبقة الوسطي تحتاج إلي إعادة هيكلة من داخلها، وهناك فرصة كبيرة قادمة لتلك الطبقة لإجراء تلك الهيكلة وإعادة بناء نفسها وهي الانتخابات البرلمانية المقبلة.


وفي روشتتها لإصلاح الطبقة الوسطي وإعادة الروح إليها تؤكد د. وفاء أنه لابد أن تدرك الدولة أن مشكلات الطبقة الوسطي هي أزمة تنمية، وتحقيق العدالة الاجتماعية بين الطبقات في الدخل وخاصة الطبقة الوسطي والدنيا، ولابد من إعلاء قيمة العلم وإصلاح المنظومة التعليمية، والاهتمام بالجانب الصحي والمستشفيات الحكومية وإصلاح منظومة التأمين الصحي، وتوفير الوظائف للخريجين والاهتمام بالأبحاث والاختراعات وعدم إغلاق الأبواب أمام العلماء وتوفير المناخ المناسب لهم وإعطائهم المكانة المناسبة، مع إدراك أبناء الطبقة الوسطي أن الحفاظ علي استقرارها يحتاج لإعادة هيكلة دور الجمعيات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلي عودة دور الإعلام المهني والموضوعي الذي يدافع عن الفئات المطحونة دون أن يكون إعلاما تابعا للنظام والسلطة، وفتح الباب أمام أبناء الطبقة الوسطي وخاصة الشباب لتولي المناصب القيادية، والمشاركة في العمل حتي لا نقتل لديهم الطموح وتتحول مشاركتهم من الحالة الإيجابية إلي المشاركة السلبية وحتي يعودوا لدورهم في عملية التنوير والتطوير والبحث العلمي والاجتماعي.


مؤامرات خارجية


أما الدكتور محمود بسطامي شعبان رئيس قسم بحوث الجريمة بالمعهد القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية فيؤكد أن هناك مخططات ومؤامرات خارجية تحاول تفكيك المجتمعات العربية عن طريق ضرب الطبقة الوسطي من مدخل التيار الديني بتفتيتها إلي فئات عدة علي أساس الدين لوأد كل محاولات الشعوب العربية وفي مقدمتها مصر إلي التخلص من النفوذ الغربي، والتقدم حتي نظل مجرد تابعين ومستهلكين للغرب والأمريكان، ويكفي أن كل الثورات التي قامت في مصر بداية من ثورة 1919 مرورا بثورة 1952 وثورة 25 يناير وأخيرا ثورة 30 يوينه قام بها أبناء الطبقة الوسطي.


وأضاف: النظام التعليمي في مصر أضر كثيرا بالطبقة الوسطي لأنه أصبح يكرس لحالة الانقسام لتعدد أنظمته وأنواعه، فأبناء الطبقة الراقية يلتحقون بالمدارس الخاصة والأجنبية، وهناك الطبقة الوسطي المطحونة غير القادرة علي إلحاق أبنائها بالتعليم الخاص تضطر لدخول المدارس الحكومية بكل مساوئها، وتحمل فاتورة الدروس الخصوصية التي تقدر سنويا بـ 16 مليار جنيه، ونسمع كثيرا عن خطط واستراتيجيات تحسين جودة التعليم لكن كل ذلك يذهب أدراج الرياح، كما أن هناك حالة من العزلة السياسية لأبناء تلك الطبقة لأن كل مايشغل بالهم هو الحصول علي " أكل العيش " مما يزيد أزمتها الاجتماعية، وشعورهم بالظلم.


ويلفت إلي ضرورة بقاء الطبقة الوسطي قوية وسليمة في المجتمع لإثراء الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية لأن أي مجتمع يقاس مدي تطوره ورسوخ سياساته ونموه بعرض واتساع الطبقة الوسطي، ومدي ثباتها واستقرارها، وما تحققه سياسات الدولة من ثبات الأوضاع في هذه الطبقة وعدم وجود تفاوت كبير في حجم الطبقات، لكنه يري في الوقت نفسه أن هناك اتهامات لهذه الطبقة أنها سبب تدهور الحال، ورسوخ الأنظمة الفاسدة لفترات طويلة لتبنيها بعض السياسات الاقتصادية الخاطئة كالانفتاح الاقتصادي في فترة السبعينيات من القرن الماضي مما أدي إلي تكريس الفساد الذي اجتاح المجتمع ككل، وأدي إلي اختلال منظومة القيم، إلي جانب أن تطبيق هذه السياسة زاد من القهر الذي يمارس علي المنتمين لها نتيجة غلاء الأسعار، وأصبح أمامهم ثلاثة طرق فقط أولها التعايش مع الظروف أو البحث عن الذات عن طريق العنف، وترتب علي ذلك ظهور الجماعات المتطرفة، واخيرا الهروب أو الهجرة إلي دول الخليج ولعلنا لاحظنا موجة الهجرة الكبيرة خلال فترة الثمانينات إلي دول الخليج والعراق بصفة خاصة.


ويشير إلي أن هناك الكثير من التحديات التي تواجه الطبقة الوسطي أهمها أن التنظيمات المعبرة عنها مثل الأحزاب لا صدي لها في الشارع، وبرامجها وأفكارها وأيديولوجياتها متشابهة وكأنها " قص ولزق"، وكذلك منظمات المجتمع المدني دورها في تنمية الموارد البشرية تكاد تكون منعدمة إلا ما رحم ربي، ومعظمها تعمل وكأنها فرع لمنظمات دولية، إلي جانب الانشغال المفرط بجمع التبرعات التي تبتز بها أموال الناس دون نظر إلي أنها تدفع مبالغ ضخمة من ميزانيتها في الحملات الإعلانية، كما أن النقابات المهنية التي يقع علي عاتقها دعم الطبقة الوسطي، والحفاظ علي استقرارها، وتنميتها وتطويرها نجدها حصرت نفسها في دور ضيق جدا يتمثل في خدمة فئة قليلة من أعضائها وفق أسلوب الشللية في تكوين مجلسها، واقتصار نشاطها علي تنظيم الرحلات والمصايف والمؤتمرات السنوية فقط، إلي جانب أن تراجع دور الخدمات الصحية والاجتماعية والتعليمية التي تقدمها الدولة أدي إلي تدهور هذه الطبقة، ولابد من تحقيق عدالة اجتماعية شاملة تزيل كل أنواع الفساد الذي تراكم علي مدار الثلاثين عاما الماضية، وإزالة كل الاختراقات والانتهاكات لحقوق الإنسان حتي تستطيع الطبقة الوسطي خلق نوع من الأمان الاجتماعي لها يمكنها من التعبير عن نفسها وأفكارها بأمان، مشددا أيضا أنه لابد من تطهير وإصلاح كل مؤسسات الدولة الاجتماعية والتي كانت تتعامل مع نظام الرئيس المخلوع مبارك بطريقة معينة ثم سرعان ما غيرت جلدها مع حكم الإخوان، وها هي تتحول للمرة الثالثة مع قدوم النظام الجديد .


رمانة الميزان


فيما يقول الدكتور علي أبو ليلة أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة عين شمس إن الطبقة الوسطي بدأت تستعيد في الفترة الأخيرة روحها ومكانتها من خلال ثورتي 25 يناير و30 يونيه، ولكن علي الرغم من استعادتها روحها مرة أخري إلا أن هناك بعض الجوانب المرضية فيها من أفعال جماعة الإخوان الإرهابية التي تنتمي إلي تلك الطبقة ولكن هناك رفضا لباقي فئات الطبقة ومن كل طبقات المجتمع لأفعال تلك الفئة الإرهابية التي تقوم علي العنف والقتل، واستباحة الدماء.


ويتوقع أبو ليلة أن يكون للطبقة الوسطي دور كبير خلال الفترة القادمة في دفع عجلة الإنتاج والتطوير، لأنه كلما حدث تطور اقتصادي زاد اتساع نطاق تلك الطبقة، وهذا الأمر يجعل المجتمع أكثر استقرارا وتوازنا لأن تلك الطبقة تعد " رمانة الميزان" بين الطبقتين الرأسمالية أو العليا والدنيا التي تسمي الطبقة العاملة، وكلما زاد اتساع الطبقة الوسطي وقل اتساع الطبقة الفقيرة فهذا يدل علي أن المجتمع يسير في الطريق الصحيح نحو التطور والاستقرار، وهناك مؤشرات ودلائل تشير إلي أن الطبقة الوسطي زاد اتساعها عقب ثورة 30 يونيه.


ويري أن هناك بعض التحديات المؤقتة التي تواجه الطبقة الوسطي لكنها ستستعيد دورها القيادي خلال الفترة القادمة، مشددا علي أنه بالرغم من وجود عدد من المتاعب والعقوبات التي تواجه أبناءها إلا أن تلك المتاعب ستزول وسيكون هناك نتائج جيدة، علي العكس في الماضي كان هناك الكثير من العقبات التي تقف أمامهم، ولا يمكن إزالتها مثل الفساد الذي انتشر في المجتمع، ويقع ضرره بالدرجة الأولي علي الطبقتين الوسطي والطبقة الفقيرة، وكانت الدولة أو النظام لا يساعد علي تذليل تلك العقبات علي العكس من النظام الحالي الذي يعمل من أجلهما.


ويشير إلي أن النظام الناصري كان الأقرب للطبقة المتوسطة ويعمل لصالحها لأن الزعيم جمال عبد الناصر كان رجلا ذكيا، وأدرك أن تلك الطبقة جوهر الاستقرار، والقوي الضاربة القادرة علي تهديد أي نظام، لذلك عاشت أزهي عصورها في العهد الناصري الذي كان معظم قراراته تصب في صالحها، وكان أهمها نظام الإصلاح الزراعي وتوزيع أراضي الاقطاعيين والرأسماليين علي المطحونين من أبناء الطبقتين الوسطي والفقيرة، مضيفا أن الطبقة الوسطي عاشت ظروفا مزرية منذ بداية تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي في عهد الرئيس الراحل أنور السادات الذي لم يعمل لصالحها بالرغم من محاولاته أن يكون في صفها ولكن قراراته وسياساته كانت ضدها.