هيـــلارى.. ترامـب أيهما أفضل لمصر؟!

04/05/2016 - 11:45:07

بقلم - عبدالقادر شهيب

بعد أن ضمن كل من ترامب وهيلارى الترشح فى الانتخابات الرئاسية باسم حزبيهما الجمهورى والديمقراطى بنسبة ٩٠٪ صار السؤال مطروحاً.. أيهما كرئيس للولايات المتحدة أفضل لنا فى مصر وفى المنطقة العربية كلها؟.. صحيح أن ترامب مازال رغم تقدمه فى الانتخابات التمهيدية لحزبه تواجهه صعوبات تتمثل فى اعتراض قطاع داخل حزبه الجمهورى عليه وسعيهم للتقدم بمرشح جمهورى آخر له يخوض الانتخابات الرئاسية الأمريكية مستقلا، إلا أن حظوظ ترامب ستظل هى الأكبر فى مواجهة أى منافس جمهورى آخر له، وهذا ما أوضحته الانتخابات الداخلية لحزبه..


لذلك الأغلب أن المنافسة الانتخابية - مالم تحدث مفاجآت غير متوقعة -سوف تنحصر ما بين هيلارى وترامب على المكتب البيضاوى فى البيت الأبيض، مكتب الرئيس الأمريكى .. لذلك يصبح متاحاً طرح السؤال: أيهما لنا أفضل هيلارى أم ترامب؟.


والذين يطرحون هذا السؤال يفاضلون بين عدد من المزايا والعيوب التى يرونها فى كل من المرشحين والمتنافسين الأساسيين فى الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة..


فهناك من يرفضون ابتداء أى مرشح للحزب الديمقراطى، لأنه الحزب الذى ينتمى إليه الرئيس الأمريكى الحالى أوباما والذى عانت بلادنا ومنطقتنا الكثير بسبب السياسات الخارجية التى انتهجها، وهى السياسات التى استهدفت كيان الدول الوطنية وسعت إلى تقويضها وإعادة تشكيلها لتتكون من دويلات صغيرة ضعيفة مهيضة الجناح يسهل السيطرة وفرض الهيمنة عليها، وهى أيضا السياسات التى مكنت وصول جماعة الإخوان إلى حكم بلادنا، واستخدمت وكلاء ورجال الأمريكان فى بلادنا لتحقيق ذلك .. عندما انتفضت جموع المصريين لتتخلص من هذا الحكم المستبد الفاشى مارست إدارة أوباما علينا ضغوطاً وفرضت علينا عقوبات ومارست ضدنا نوعاً من الحصار الاقتصادى بل والسياسى أيضا. وحرضت الدول الأوربية ضدنا.. لذلك لايقبل هؤلاء أى رئيس جديد من الحزب الديمقراطى، حتى لا يأتى ليستأنف ذات السياسات الأمريكية العدائية ضدنا.


وفى هذا الاتجاه يرى هؤلاء أو بعض منهم أن الجمهوريين - فى الكونجرس - سبق أن انتقدوا وهاجموا سياسات أوباما الديمقراطى ضدنا، واستنكروا تأييده ودعمه المستمر لجماعة الإخوان، ورفضوا سكوته على ماترتكبه هذه الجماعة من أعمال عنف، وطالبوا بسياسات داعمة لمصر فى حربها ضد جماعات العنف والإرهاب.. ولذلك يمنحون تأييدهم مسبقاً لترامب فى تولى رئاسة أمريكا، ويرون بالتالى أنه بهذا السياق سوف يكون الأفضل لنا فى مصر والمنطقة، لأنه على الأقل لن يمضى فى تنفيذ وانتهاج ذات السياسات الخارجية التى انتهجتها إدارة أوباما وأفضت فى نهاية المطاف إلى تمكين الإخوان من حكم مصر، وهى السياسات التى راهنت على ما تعتبره جماعات إسلامية معتدلة، تراها هى الأنسب والأصلح للسيطرة على الجماعات الإسلامية المتطرفة.


لكن .. على الجانب الآخر يخشى البعض من المرشح الجمهورى ترامب الذى قد تفتقد مواقفه العقلانية سواء فى السياسات الداخلية أو الخارجية الأمريكية، خاصة بعد أن جاهر خلال السباق التمهيدى لانتخابات الرئاسة الأمريكية بمواقف صادمة، بل وتتسم بالعنصرية أحياناً.. ولذلك لا يتوقف كثيراً هؤلاء أمام بعض التصريحات الإعلامية والصحفية لترامب والتى يعد فيها إذا ما صار رئيساً للولايات المتحدة بتحسين علاقات الولايات المتحدة مع مصر.. ويعتقد هؤلاء أن ترامب بتركيبته ورؤاه غير مأمون العواقب لنا ولمنطقتنا، بل وللعالم كله وفى مقدمته أمريكا ذاتها، وهذا ما يقول به أمريكيون من داخل حزبه ذاته يفاضلون الآن ما بين واحد من ثلاثة للتقدم به كمرشح مستقل لمنافسة ترامب فى الانتخابات الرئاسية القادمة إذا ما فاز بترشيح الحزب الجمهورى كما هو متوقع.


وهؤلاء يرون أن هيلارى كيلنتون سوف تكون أفضل لنا من ترامب فى رئاسة أمريكا، أو الأقل سوءا منه.. وهم يذكروننا بأن هيلارى وهى وزيرة خارجية للولايات المتحدة فى إدارة أوباما كان لها مواقف مختلفة عن الرئيس الأمريكى هى وكل من وزير الدفاع ونائبه ورئيس المخابرات المركزية إبان ما شهدته مصر فى ٢٥ يناير٢٠١١، وأنها لم تكن مرحبة بذات القدر الذى رحب به أوباما بوصول الإخوان إلى الحكم.. بل إنها ذكرت فى مذكراتها الأخيرة أنها لم تنس كلمات وزير الخارجية المصرى وقتها أحمد أبو الغيط لها، والتى قال فيها إنه لايريد أن يفرض ارتداء النقاب على حفيدتيه، وإنما يتمنى أن تعيشا مثل جدتهما التى هى زوجته.. وكان أبو الغيط بهذه الكلمات ينبهها إلى أن الإخوان إذا ما تمكنوا من حكم مصر سوف يغيرون أسلوب حياة المصريين، وسوف يفرضون استبدادهم وفاشيتهم على جموع المصريين، وهو ما حدث بالفعل.


ولذلك يعتقدون أن هيلارى لن تكرر ما فعله أوباما وقام به تجاهنا.. تجاه مصر وتجاه منطقتنا.. بل سوف تنتهج سياسات لا تعادينا أو على الأقل لاتدعم أعداءنا، وفى مقدمتهم جماعات الإرهاب.. وسوف تحرص على عدم تكرار سياسات ومواقف الرئيس أوباما التى أثبتت الأيام والتجارب إخفاقها أو عدم نجاحها، خاصة أنها اختلفت فعلا معه فى فترة رئاسته الأولى وتركت موقع وزير الخارجية.


.. صحيح أنها حرصت حتى الآن على تجنب انتقاد أوباما بشكل صريح وواضح، على غرار ما فعلت مع منافسها الديمقراطى المرشح ساندروز، لأنها سوف تحتاج لكليهما من أجل مساندتها ودعمها فى معركتها مع المرشح الجمهورى ترامب.. لكنها تحدثت بوضوح عن تراكم خلافات لها مع أوباما وهى فى موقع وزير الخارجية.


لكن.. فى المقابل هناك من يخشى هيلارى كرئيس لأمريكا لأنها تكاد تكون تنتهج أفكارا تتطابق مع أفكار نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلى، وهى تمنح تأييدها الكامل وغير المشروط والكبير لإسرائيل دوماً فى مواجهة الفلسطينيين والعرب، فضلا عن أنها مؤمنة - كما أوضحت ذلك فى مذكراتها - بأن على الولايات المتحدة واجب نشر وتصدير الديمقراطية إلى بلادنا ومنطقتنا، أى مقتنعة بالتدخل فى شئوننا الداخلية، وهى هنا لا تختلف عن أوباما الرئيس الحالى لأمريكا الذى ينتمى لحزبها، مما يشى بأنها سوف تتمسك بجوهر سياساته تجاه بلدنا ومنطقتنا بعد تغيير الشكل أو الأسلوب أو التكتيك فقط.


وهكذا.. تتفاوت وتختلف المواقف عند المقارنة بين هيلارى وترامب.. وهذا التفاوت والاختلاف هو الذى يجعل البعض منا يفضل ترامب على هيلارى أو العكس فى رئاسة الولايات المتحدة.. ولكن كلا الفريقين يتجاهل حقيقة مهمة تتمثل فى أن السياسات الأمريكية الخارجية لا ينفرد الرئيس مهما كانت شخصيته وقدراته بصياغتها بمفرده.. هذا عمل مراكز ومؤسسات وهيئات عديدة.. وصياغة السياسة الأمريكية تجاه منطقتنا مثلا لا تتأثر فقط باختلاف الحزب الحاكم سواء كان الحزب الديمقراطى أو الجمهورى، ولا تتأثر فقط أيضا باختلاف شخصية الرئيس سواء كان رجلاً أم امرأة، أسود أو أبيض، أكاديمىاً أو رجل أعمال، رجل مخابرات سابقاً أم عسكرىاً سابقاً .. كل ذلك بالطبع له تأثيره ولا يمكن إغفال هذا التأثير، إلا أنه يظل تأثيرا فى الشكل وليس المضمون، فى الإطار وليس الجوهر، فى النكهة وليس المكونات الأساسية لهذه السياسة.


أما المضمون والجوهر والمكونات الأساسية فهذا ما تحدده هيئات وجهات ومؤسسات عديدة، وتصوغه قوى فاعلة ومؤثرة داخل الولايات المتحدة.. إن هذه القوى تختار من السياسات الداخلية والخارجية التى انتهجتها أمريكا داخل بلدنا وهو الرئيس جورج بوش الابن واستمر تطبيق ذات الساسة الخارجية ما يناسب مصالحها.. ولعلنا نتذكر أن جوهر السياسة الخارجية بعد أن ترك بوش البيت الأبيض واحتل مكانة أوباما الذى ينتمى للحزب الديمقراطى.. التدخل فى شئوننا الداخلية لم يختلف.. واستخدام بعض الحركات والمجموعات لتحقيق هذا التدخل استمر والرهان على الإخوان فى حكم مصر لم يتغير.. الذى تغير فقط هو الاسم الذى أطلق على السياسات الخارجية.. فى ظل حكم الجمهوريين وقبل الوصول إلى تغيير بعض الأنظمة السياسية القائمة فى منطقتنا كان الاسم الذى يشهره الجمهوريون هى (الفوضى الخلاقة).. أما فى ظل حكم الديمقراطيين وبعد تحقق تغيير بعض الأنظمة السياسية القائمة فى منطقتنا اختار الديمقراطيون اسما أكثر جاذبية هو الربيع العربى.


إذن.. نحن إزاء سياسة خارجية أمريكية واحدة لم تتغير وظلت مستمرة، رغم تغيير الحكم والرئاسة من الجمهوريين إلى الديمقراطيين .. الذى تغير هو التعبير عن هذه السياسة فقط، وهذ أمر مفهوم لأن من يطبقون السياسات يفرضون أسلوبهم الخاص بهم بالطبع.


ولذلك .. لسنا فى حاجة للمفاضلة أو المقارنة بين هيلارى وترامب، أو بالأصح الرهان على أى منهما كرئيس للولايات المتحدة.. نعم نحتاج أن تكون لنا توقعاتنا وتقديراتنا حول نتائج الانتخابات الرئاسية القادمة فى أمريكا، لأن أمريكا مازالت هى القوة الأكبر فى عالمنا، ولها نفوذها، وإن كان قد تراجع بعض الشيء خلال السنوات الأخيرة، إلا أنه مازال كبيرا ومؤثراً علينا بالطبع، خاصة أن الأمريكان لديهم مخطط خاص لمنطقتنا يبغون تنفيذه فيها أو بالأصح فرضه عليها.. ولكن الرهان على شخصية محددة فى رئاسة أمريكا لا يفيد.


الذى يفيد هو الرهان على أنفسنا.. الرهان على بناء قوتنا واستعادة قدراتنا من خلال عملية إعادة بناء دولتنا القوية والحديثة والعصرية.. وهى لكى تكون حديثة وعصرية لابد وأن تكون ديمقراطية أساسها المواطنة والمساواة بين جميع أبنائها وسيادة القانون وتطبيقه على الجميع بلا استثناء، وأيضا أن تكون صاحبة اقتصاد قوى يوفر مستوى معيشياً لائقاً ومناسباً وآمناً لجميع المواطنين، ولن يكون هذا الاقتصاد قوياً إلا بالعمل والإنتاج والاستثمار مع العدالة الاجتماعية.


ولنتذكر أننا بما فعلناه فى ٣٠ يونيه وما بعده نحن الذين فرضنا على الولايات المتحدة فى ظل إدارة أوباما التى مكنت الإخوان من حكم بلادنا وحاولت حماية هذا الحكم من السقوط، أن تتراجع عن العقوبات التى اتخذتها ضدنا والقبول بالتعامل مع الحكم الجديد فى بلدنا الذى جاء عبر صناديق الانتخابات.


أمريكا - سواء كانت ديمقراطية أو جمهورية - برجماتية وسوف تضطر فى نهاية المطاف بالقبول بالواقع الذى نفرضه نحن والتعامل مع هذا الواقع.. وأعتقد أن تجربة إيران مع الأمريكان تؤكد ذلك.. فليأت إذن هيلارى أم ترامب فى رئاسة أمريكا ولنمض نحن فى طريقنا الذى رسمناه لأنفسنا طريق إعادة بناء دولتنا العصرية الحديثة.