معركة حلب الفاصلة إذا قسمت سوريا فانسوا الجولان إلى الأبد

04/05/2016 - 11:43:38

د. نبيل رشوان متخصص فى الشئون الروسية

إن ما تشهده حلب هذه الأيام قد يكون له تأثيره الكبير على توازنات القوى، ليس على الساحة السورية فحسب بل على الساحة الدولية، فروسيا بعد تدخلها الإيجابى فى سوريا وتوصيل الأزمة السورية لمرحلة الهدنة والجلوس على مائدة التفاوض فيما عرف بـ«جنيف ـ ٣»، وهذا اعتبر من جانب أطراف كثيرة انتصاراً ساحقاً للسياسة الروسية وقوتها العسكرية على السياسات الغربية المدعومة بتحالفات عربية ممثلة فى السعودية وقطر ومن خلفهم تركيا وعلى السلاح الغربى.


شعرت تركيا التى كانت تغنى لإزاحة بشار الأسد بالإهانة وكذلك الولايات المتحدة والحلفاء العرب، وأصبح واضحاً أن الدب الروسى قلب الطاولة على الجميع وغير موازين القوى، وأثبت أن الغرب غير جاد فى مكافحة الإرهاب، وفشلت المساومات السعودية لروسيا بشأن أسعار النفط، فى الوقت التى تعانى فيه روسيا من أزمة اقتصادية خانقة، وكان لابد من عمل شىء تجاه إفشال الخطط الروسية الرامية لتحقيق السلام فى سوريا والتى نجحت فى أن تجلس المعارضة والنظام السورى للاتفاق على حل سياسى، لأن معنى نجاح روسيا هو فشل كل المخططات الغربية الرامية للتخلص من نظام الرئيس بشار الأسد وتقسيم سوريا وذلك لهدف نهائى أو استراتيجى هو إزالة أى خطر على إسرائيل سواء الآن أو فى المستقبل البعيد، خاصة أن الولايات المتحدة عازمة على مغادرة المنطقة حيث سيكون جل اهتمامها منصبا على منطقة جنوب شرق آسيا حيث الصين القوة الصاعدة.


حلب لها خصوصية هامة فى المعارك الدائرة فى سوريا، فهى ثانى أكبر المدن السورية وهى مدينة معروفة عالميا لما فيها من آثار وتعتبر المركز الصناعى الأهم فى سوريا، وكانت السيطرة عليها مقاسمة بين قوات الحكومة والمعارضة وبعض الجماعات الإرهابية من النصرة وداعش وأحرار الشام وغيرها، غير أن الأوضاع فيها لم تكن مستقرة ولم تشملها الهدنة المعقودة مع المعارضة.


إلا أن إعلان تركيا عن احتمال التدخل العسكرى فى سوريا بعد قيام الجيش الحكومى السورى بقطع طريق الإمدادات القادمة من تركيا للمعارضة والفصائل الإرهابية، ربما أعطى دفعة معنوية للفصائل الإرهابية بشن معركتها الأخيرة، فإما أن يكسبوا المعركة بدعم تركى ـ أمريكى وبالتالى مواصلة القتال للقضاء على النظام السورى وكسر شوكة روسيا التى تسعى لاستعادة دورها كقوة كبرى مؤثرة، وإما القضاء المبرم على المعارضة، فالجيش السورى إذا كسب معركة حلب فلن يتوقف، عندها وسيواصل القتال لاستعادة السيطرة على أجزاء هامة أخرى إلى الشرق. وهو ما سيعتبر انتصاراً روسياً ساحقاً.


من هذا المنطلق شنت قوى المعارضة السورية والجماعات الإرهابية يوم الخميس الماضى هجوما واسع النطاق على القوات الحكومية السورية، مدعومة معنوياً من احتمالات تدخل بل تدخل تركى وأمريكى مباشر، بينما القوات السورية كانت مدعومة بالطيران الروسى وإعلان عن احتمال تدخل صينى بخمسة آلاف جندى من قوات النخبة الصينية، المعركة بدأت بصياح المعارضة عن الحالات الإنسانية الصعبة وقتل الأطفال والمدنيين، ربما طلباً لتدخل أكثر قوة وكثافة من تركيا والولايات المتحدة أو على الأقل إعطاؤهم المبرر للتدخل على المكشوف، أى إعطاء الغطاء للتدخل وربما شن المعارضة لهذا الهجوم كان هدفه الأساسى هو الدعوة لتدخل تركى ـ أمريكى ربما يهدف فى النهاية لإسقاط روسيا فى مستنقع مثل أفغانستان، وكسر التحفظ الروسى على التدخل الأرضى، لأنهم يدركون أن روسيا التى خرجت مهزومة من أفغانستان لن تغامر بالتدخل على الأرض فى سوريا، إلا إذا كان لديها سبب قوى مثل العودة إلى حدودها فضاء الاتحاد السوفيتى السابق، وهم يدركون أنه إذا حدث هذا فلن تعود روسيا لاعباً مهما فى المعادلة الدولية.


وغنى عن التعريف أن قوى دولية كثيرة متورطة فى سوريا سواء بقوات أو خبراء أو طائرات أو حتى سياسياً ومعنوياً، بداية المتورطين فى سوريا هما السعودية وتركيا وبالطبع الحلفاء الغربيون سواء الولايات المتحدة والاتحاد الأوربى باستثناء بعض الدول، من جهة وبين الجيش السورى المدعوم بحزب الله وإيران مع دعم جوى روسى وتمسك شديد من روسيا ببقاء الرئيس الأسد باعتباره الجهة الشرعية الوحيدة فى البلاد، والذى فى حالة سقوطه ستجرى الدماء أنهاراً فى سوريا، المعارك فى سوريا تدور الآن بين هذه الأطراف، والإرادات لكل هذه الأطراف.


جاء هجوم المعارضة السورية على قوات الجيش السورى بعد اجتماع فيينا الذى صرح بعده الرئيس أوباما بأن تقدما بطيئا قد حدث، وتصريح وزير خارجيته كيرى أن العملية السياسية فى سوريا قد تبدأ خلال الأسابيع القادمة، وبعد أن أصبحت روسيا قاب قوسين أو أدنى من تحقيق انتصار حاسم من خلال الدعم العسكرى للرئيس الأسد وتحقيق التسوية السياسية، وبعد أن طلبت روسيا مؤخراً من الأمم المتحدة ضم منظمتى جيش الإسلام وأحرار الشام المدعومتين من السعودية إلى قائمة المنظمات الإرهابية.


الولايات المتحدة وتركيا ومن خلفهما السعودية يخوضان حربهم الأخيرة فى سوريا ضد نظام الرئيس بشار، وضد روسيا وإيران، لمنع روسيا من العودة للمنطقة، ومن ثم البقاء داخل حدودها التى تقلصت إلى أقصى درجة بعد انهيار الاتحاد السوفيتى، وضد إيران كقوة إقليمية صاعدة تشكل خطراً على السعودية ودول الخليج، أما الولايات المتحدة فتقوم بدور مزدوج، وهو يا حبذا أن تتورط الصين وروسيا فى الصراع بشكل مباشر لاستنزافهما اقتصاديا وعسكرياً من ناحية، وتطويل أمد الصراع فى الشرق الأوسط مما سيجعل روسيا والصين تحجمان عن دخول المنطقة غير المستقرة وتكتنفها الحروب لتحتلا مكان الولايات المتحدة التى تسعى الآن لصب جل اهتمامها لمنطقة جنوب شرق آسيا حيث الصين القوة الصاعدة.


هناك فرضية أن الأطراف تسعى لتحسين المواقف على الأرض استعدادا لجولة مفاوضات جديدة بين الحكومة والمعارضة والأطراف الداعمة للأسد والأطراف الداعمة للمعارضة، الولايات المتحدة والأوروبيون ومن خلفهم السعودية وتركيا وقطر، وربما وفق سير المعارك يحول أحد الطرفين المعركة لصالحه، فنحن كما نرى عنف المعارك يبدو لى ليس هدفه تكتيكيا، خاصة أنها تدور حول السيطرة على حلب أهم المدن السورية.


أو ربما نضج سيناريو التقسيم، واشتداد المعارك فى حلب قد يكون محاولة من الأطراف المتنازعة ومسانديهم الدوليين الاستحواذ على أكبر مساحة ممكنة على الأرض لإقامة الكانتون أو الدويلة الذى يطمح لإقامتها، وقد يكون لهذه الدويلات علاقات جيدة بإسرائيل والحصول على دعمها ضد الدويلات الأخرى فى سوريا قد تكون معادية لها، وهنا تصبح المطالبة بالجولان درباً من المستحيل، فإسرائيل احتلت الجولان السورية، وسوريا نفسها غير موجودة بعد التقسيم، حيث ستحل الدويلات محل سوريا السابقة التى كانت الجولان جزءاً منها، وليست صدفة أن تعتبر إسرائيل الجولان جزءا لا يتجزأ منها هذه الأيام، ربما يؤكد هذا أن سيناريو التقسيم قد نضج.


ولنترك كل الفرضيات وأؤكد على أن الساحة فى سوريا تهيأ لشىء ما أكبر من الحرب الدائرة على الأرض، ولحرب أشمل وربما اشتم الغرب والأتراك والحلفاء السعوديون أن روسيا قد أنهكت اقتصاديا وأرادوا الضغط بشكل أكبر على روسيا بهدف إجبارها على التدخل على الأرض، وإلا ماذا يبقى لروسيا سوى هذا فى حالة نزول قوات تركية وأمريكية على الأرض فى سوريا، وربما يكون الهدف الحصول على تنازلات روسية على الجبهة الأوكرانية، خاصة أن هذه الأزمة أظهرت عجز الولايات المتحدة وأوروبا عن فعل أى شىء بالعقوبات التى فرضت على روسيا، ويحاولون الضغط الآن عبر توسيع جبهة المواجهة من خلال إشاعة أن السويد ستنضم لحلف الناتو.


الحرب التى تدور فى حلب التى استثنيت من الهدنة، ليست ثورة وليست حربا أهلية، فالنزاع فى سوريا أصبح دولياً منذ أن تدخلت فيه إيران وروسيا من ناحية والدول العربية الخليجية وتركيا من ناحية أخرى، وحدثت الاستقطابات سواء من العراق ومن شيعة باكستان وغيرها من كل أنحاء العالم، العالم الآن يشهد حسما عسكريا للأزمة السورية، ربما يكون هو الحل لهذه الأزمة، لأن عدم حسم النزاع يعنى استمراره لفترة طويلة مع ما يصاحب هذا من ضحايا وخسائر.