مولد الطاهرة السيدة زينب

04/05/2016 - 11:30:23

عدسة: عمرو فارس وآيات حافظ عدسة: عمرو فارس وآيات حافظ

تحقيق: صلاح البيلي

“يا آل أحمد لايزال ضياؤكم - يضوي قلوب الوافدين إليكمُ”.. حقاً وصدقاً بضياء ونور عقيلة بني هاشم رئيسة الدواوين، صاحبة الشوري، أم هاشم، أم العواجز بطلة كربلا، سيدتنا السيدة زينب وفد آلاف المصريين من كل حدب وصوب لإحياء الليلة الختامية لمولدها الثلاثاء ٣ مايو فرض الله عليك أم الشهداء، يا حبيبة المصريين، ويا جبل الصبر منذ وطئت أقدامك أرض مصر في شعبان سنة ٦١ هجرية وانتقلت في رجب ٦٢ هجرية بدار أمير مصر مسلمة بن مخلد بقنطرة السباع والتي صارت ضريحها العامر بالأنوار حالياً، و “المصور” تحتفل مع المصريين بحبيبة المصريين التي تقع مؤسستنا العريقة “دار الهلال” في رحابها العامر.


“يا آل بيت رسول الله حبكم - فرضٌُ من الله في القرآن أنزله - كفاكمو من عظيم القدر أنكمو - من لم يصل عليكم صلاة له” .. هكذا مدح الإمام الشافعي صاحب مذهب أهل مصر قبل أن يأتي العثمانيون بمذهب أبي حنيفة لمصر، هكذا مدح آل بيت النبوة الأطهار، وهو الذي كان يزور سيدتنا السيدة نفيسة ويسألها الدعاء وصلت علي جنازته. أما شهيدالمحبة في الرسول وآل بيته شيخنا صالح الجعفري فقال في شعره مدحاً لها: “رضينا بني الزهرا رضينا - بحب: فيكمُ يرض نبينا - رضينا بالنبي لنا إماماً - وأنتم آله وبكم رضينا - وزينبٌ من لها فضل سميُ - سلالةُ أحمد في الطييبنا - لها نورٌ يضئ كمثل شمس - من المختار نشهده مبينا - لها جوُدُ لها كرمٌ وعطفٌ - حوت فضلاً يُري للمنصفينا”.. وفي موضع آخر يقول: “ أزينبُ في الدنيا كشمسٍ - لها نورٌ يضئ ولا تغيبُ -ومن جاء المقام إليك يُشفي - بإذن الله أنت له الطبيبُ - ومن وصل المقام رآك أهلاً - أباً أماً وعطفك ذا عجيبُ”.


وصفها كالشمس


وصفها عبدالله بن أبي أيوب الأنصاري حين كشفت عن وجهها يوم كربلاء فقال: “رأيت زينب بنت علي يوم كربلاء كأن وجهها الشمس أو فلقة القمر”، ولدت سيدتنا رضي الله عنها في شعبان سنة ٦ هجرية وسماها جدها المصطفي عليه الصلاة والسلام علي اسم خالتها، ولما بلغت السادسة حفظت وصية سيدتنا فاطمة الزهراء بأن تكون أماً لأخويها الحسن والحسين وهكذا كانت الأم الرؤوم بعد موت أمها وهي طفلة. ورثت عن أمها النبوة من حضرة النبي جدها، وورثت عن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين الشجاعة والفصاحة وأن تصدع بالحق وألا تخشي في الله لومة لائم وهي من صفات وموروثات النبوة أيضاً. فكانت عالمة عابدة فقيهة زاهدة صائمة قانتة بالليل تتصدر مجالس العلم في المدينة المنورة قبل محنة كربلاء واستشهاد أخيها الحسين ومعه ثلاثة وسبون من آل بيتها ولولا أنها تعلقت بابن أخيها “عليٌّ زين العابدين بن الحسين” وكان صبيّاً (لاندثرت ذرية) الرسول لأنه أبو الأشراف من ذرية الحسين!


زواجها


تزوجت رضي الله عنها من ابن عمها عبدالله بن جعفر الطيار الذي قال عنه فقراء المدينة المنورة: “ما عرفنا الفقر إلا بعده” حيث كان معروفاً بالسخاء والكرم الشديد وأنجبت منه ( محمد وعون الأكبر وعلي الأكبر وأم كلثوم وأم عبدالله) وقد توفوا جميعاً دون عقب إلا (علي الأكبر وأم كلثوم) فكان منهما ذريتها إلي اليوم.


من أقوالها


اشتهرت بالفصاحة رضي الله عنها ومن شعرها في مناجاة الله سبحانه وتعالي: “سهرت أعينٌ ونامت عيونُ - لأمور تكون أو لا تكونُ - إن رباً كفاك ما كان بالأمس - سيكفيك غداً ما يكون - فادرأ الهم ما استطعت عن النفس - فحملانك الهموم جنونُ” وكانت تردد قول أبيها: “نعم الحارس الأجل” عندما أوصوه باتخاذه حراساً بعد استشهاد عمر وعثمان رضي اللهم عنهما.


محنة كربلاء


كانت محنة كربلاء محطة فاصلة في حياتها رضي الله عنها وحياة آل البيت أجمعين والتاريخ الإسلامي كله إذ مات أخوها الحسن مسموماً سمّمته زوجته (بعدة بنت الأشعث) بعد أن مناها معاوية بالزواج من ابنه يزيد ثم أخذ معاوية البيعة لابنه بالسيف في حياته فأبي الحسين وهو في المدينة المنورة وجاءته كتب أهل الكوفة تبايعه وهمَّ بالخروج فحذره بقية الصحابة من غدر أهل العراق كما غدروا بأبيه وأخيه إلا أنه عزم علي الخروج ومعه أهل بيته ونساؤه ونحو ٧٣ من قومه من الرجال كعادة العرب عند الشدائد. وعند كربلاء حاصره جيش يزيد فعرض الحسين العودة للمدينة أو الذهاب لثغر من الثغور للدفاع عن الإسلام أو الصلح فأبي زياد بن أبيه وإلي العراق إلا الحرب ومنعوا عنه الماء وبلغ بهم العطش مبلغه وحاصرُوه وأبلي الحسين بلاء شديداً وسقط شهيداً ونحو ٧٣ من أهله وآل عقيل وآل جعفر، ونسي القوم وصية الرسول - صلي الله عليه وسلم - لأمته “أذكركم الله في أهل بيتي”. وكانت مأساة كربلاء من الفجائع العظمي التي خلدها التاريخ الإسلامي والمؤرخون حتي يومنا هذا . وهمَّّ الجُند بقتل “ علي” بن الحسين، فتعلقت به عمته السيدة زينب وقالت (اقتلوني معه) ووقفت تصيح وتخطب “وامحمداه أبناؤك في العراء قتلي “وامحمداه” حتي أبكت العدو قبل الصديق. ثم حملها جُند يزيد مع السبايا إلي الكوفة ومنها لدمشق حيث واساها ثم عادت للمدينة فتوافد عليها الأنصار وتكاثر المحبون فخشيّ يزيد علي ملكه فأمرها بالخروج فاختارت مصر وجاءتها في شعبان سنة ٦١ هجرية ومعها بعض خدمها من قريباتها.


حضورها مصر


وعند بلبيس استقبلها وإلي مصر وأهلها وأنزلها الوالي مسلمة بن مخلد داره عند قنطرة السباع بالحمراء القصوي وهي موضع ضريحها العامر حالياً وظلت نحو السنة لترحل في رجب سنة ٦٢ هجرية. وكان الوالي يقصدها للدعاء وأهل مصر جميعاً وكانت معروفة بالعطف علي المساكين والضعفاء فسميت أم اليتامي والمساكين.


ألقابها


يقول إمام وخطيب مسجدها د.محمود القاضي: إن سيدتنا رضي الله عنها اختارت مصر سكناً ومقراً لها واستقبلها أهل مصر بالحب وتعددت ألقابها - رضي الله عنها فهي عقيلة بني هاشم لأن آل البيت كانوا يرجعون إليها في أمورهم، وسميت بالمشيرة لأن آل البيت والناس كانوا يستشيرونها. وأم العواجز وأم المساكين واليتامي لأنهم كانوا يلجأون إليها فلا ترد سائلاً، وسميت رئيسة الديوان لأن والي مصر كان يعقد ديوان الحكم في مجلسها، وهذه تسمية لها معني باطني آخر بمعني أنها رئيسة ديوان الأولياء وصاحبة الأختام والصكوك. وسميت جبل الصبر لما تحملته من شدائد ومآس ومصائب رزئت بها في أبيها وأخويها وأهل بيت النبوة ومنذ فقدها لأمها فاطمة الزهراء وهي طفلة وسميت أم العزائم لأنها كانت صاحبة عزم وحزم.


ضريحها العامر بالأنوار


أما ضريحها العامر بالأنوار فقد شهد أول ترميم له أيام أحمد بن طولون ثم أوقف المعز لدين الله والحاكم بأمر الله الفاطمي أوقافاً علي ضريحها. ثم أصلحه السلطان العادل أبو بكر بن أيوب شقيق صلاح الدين، وأنشأ بيبرس قنطرته علي الخليج المصري أمام الضريح وسميت قنطرة السباع لأنها وضع فوقها السباع وكان (نكه أو خاتما السبع) وشيد المسجد الحالي عبدالرحمن كتخدا سنة ١٧٦٨ ميلادية وهو أمير الخير والعمائر وأنشأ مقام سيدي العتريس شقيق سيدي إبراهيم الدسوقي ومقام العيدروس اليمني إلي جوارها. ثم ردُمت القنطرة وجري توسعة المسجد وفي عهد الخديو توفيق زاد من عمارة المسجد سنة ١٨٩٨ ثم زاد في عمارته الملك فاروق سنة ١٩٤٦ ثم عبدالناصر سنة ١٩٦٤ فزادت مساحته إلي أربعة آلاف متر وكانت آخر توسعة سنة ٢٠٠٠ بتكلفة عشرين مليون جنيه فأصبح مساحته ثمانية آلاف متر ويتسع لنحو ١٥ ألف مُصلٍ.


• يقول الإمام الشعراني في كتابه “الطبقات الكبري” إن شيخة سيدي علي الخواص أخبره أنها رضي الله عنها مدفونة بموضع قبرها بلا شك وكان يخلع فعليه عند عتبة الدرب قبل زيارتها ويمشي حافياً إلي ضريحها ويقف تجاه وجهها متوسلاً بجدها. ويقول الحافظ الذهبي في تاريخه إ ن “الجعافرة” المنتشرين في صعيد مصر من ذرية أولادها “علي وأم كلثوم” من عبدالله بن جعفر الطيار. وإن آل البيت الذين حُرمت عليهم الصدقة هم: “آل علي وآل عقيل وال جعفر وآل عباس”. وأخرج الطبراني والخطيب عن ابن عباس أن النبي قال: “إن الله جعل ذرية كل نبي في صلبه وجعل ذريتي في صلب علي بن أبي طالب”. ونحن المسلمين مأمورون بمودة أهل البيت : “قُل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربي” ومن هذه المودة زيارتهم في حياتهم وبعد انتقالهم.


ويقول العارفون إن زيارتها كزيارة جدها الرسول وإن زيارتها ترفع البلاء عن الزائر وصدق القائل : “أؤم رحابها فيزول ما بي - وأرجع فائزاً بنجاح قصدي”.


وقال الشيخ أحمد الإبياري: “لآل البيت عزٌ لايزولُ - وفضلٌ لا تحيطُ به العقول - وإجلال ومجد قد تسامي - وقدرٌ مالا غايته وصول - لهم عزٌ وسلطنة وجاهٌ - ودام لهم من الله القبولُ - وكيف القول في قوم أبوهم - له جبريل في الدنيا رسول” .


المحبون


الشيخ سعد الملاح (رفاعي الطريقة) من محبي آل البيت لا يترك مولداً إلا ويقيم خدمته أياماً كاملة يطعم الطعام ويستقبل الزوار وقد أتي من كفر الزيات يقول: المصطفي جدها خصها بالمكارم والنوال والمحبة ومقامها رضي الله عنها مقصود كل موحد، ومقامها معني ومبني قلب وقالب ومأوي ملوك العشق بذكرها وجدها وآل بيتها تتنزل الرحمات وتقبل الدعوات وتُقال العثرات، هي زينب من أَّمها مُنح العطايا بالفضل لا بالكسب والأعمال.


ويقول الحاج صلاح نفادي مُطعم الزوار علي عتبتها: أيام المولد أيام موسم حيث نزيد من الوجبات لاستيعاب آلاف الزوار ونفسح لهم في المكان ولا يخلو يوم من لحم ومرق وأرز بلبن وحلوي وهذا من فضل الله من محبيّ الست الطاهرة.


وتقول الحاجة أم غادة صاحبة خدمة إطعام في (عطفة الزهار) المتفرعة من شارع السد أمام المسجد الزينبي: تعودت من سنوات بعيدة أن اتي من قريتي في مسطرد بالقليوبية لإقامة الخدمة في موالد أهل البيت وربنا العاطي وهذا سر بيننا وبين الست وآل البيت وأجد أثر ذلك في بيتي وأولادي.


• ويقول عصام محمد صاحب فرشة لبيع الحمص وحلوي المولد إنه ينتظر المولد كل عام لأنه موسم للتجارة ولابد لكل زائر أن يرجع لأسرته بكيس حمس علي الأقل.


وفي المولد مُتسع لتجار الحلويات والحمص ولأصحاب المراجيح والسيرك حيث يفضل البعض اصصحاب الأطفال اللهو المباح والتسلية، وفيه مُتسع للطرق الصوفية بمنشديها يوجد بمصر ٧٦ طريقة معتمدة يأتي أربابها وأتباعها في الليلة الكبيرة علي الأقل لزيارة الطاهرة والاستمتاع بالإنشاد الصوفي من نقيب المنشدين ياسين التهامي وبُلبل الصعيد الدشناوي وغيرهما. وصدق شيخنا صالح الجعفري: “تغن بالمديح لآل طه - فمدحهم غناءُ المادحين - واسمع للأحبة كل يوم - فمدحهم شفاءُ السامعينا” رضي الله عنا بستنا السيدة زينب.