قصة حب سعاد حسنى وعبد الحليم العندليب : ذبحت جزءا من كبريائى .. ولكن اللى قاسيته رجعت أقاسيه ؟

04/05/2016 - 10:47:58

بقلم : مجدى نجيب

“أنا عايزك جنبي


تسقيني وتشرب من حبي


ولانعرف بكرة من إمبارح


ولا دقة قلبك من قلبي”


كانت سعاد حسني تواظب على حضور حفلات عبد الحليم ففي حفل أغسطس ١٩٦٤ كان يغني أغنيته الجديدة «أحبك”


هأقول أحبك


وأعيش أحبك


ياحياة قلبي


كان أثناء غنائه يوجه نظراته في تركيز ملحوظ عليها، وقد بكت سعاد حسني في تلك الليلة تأثرا بغنائه، وهذا ما جعلني أسأله ذات مغربية، وهو يرقب الشمس تسقط هاربة خلف الأشجار: هل كانت ضمن من أحببت؟


جاءت الإجابة لشخص يسبح معاندا تيارات وأمواج ذكرياته:


“لا أعرف كيف كنت أغير عليها قد لا تصدقني كنت أتجول خلسة في آخر الليل لكي أقوم برصد أرقام السيارات، التي تقف أمام مسكنها القريب مني”


قطعت عليه استرساله مباغتا:


“أعرف من خلال زملائي الصحفيين أنك كنت تخاف عليها وهذا سبب الغيرة لأنك كنت تنزعج من أي كلمة غزل تقال لها!”


قال: “لا أنكر”


مباغتا لم أزل بما لدي من معلومات:


“سافرت بها في رحلات إلى أغلب الدول مدتها أقل من نصف العام بشهرين وفي تلك المدة الطويلة تزوجتما وأنتما خارج الوطن، وهذا ما تقوله كل علامات الاستفهام والتعجب التي تطايرت في ذلك الوقت حول رحلتكما الغامضة”.


قال متنهدا أو مهدودا من الوجع من تخيله لمشهد مر به: “تزوجتها ولم أتزوجها؟!”


طلبت إعلان زواجي ولكن؟


تقمصت دور الصحفي المشاغب، الذي يريد الحصول على أي معلومة لها قيمة وما شجعه على التجاوب معي أنني لم أكن أسجل حوارنا ولا ممسكا بقلم أو أوراق، وهذا ما كان يشجعه على الاسترسال معي دون انزعاج.. كنت أنا مهتما في معرفة الفواصل ونقط التحول والسباحة في حياة من أعرفهم من الفنانين، الذين عملت معهم أو أعرفهم وكان لعبد الحليم حافظ منزلة خاصة، لأنني أحببته وعشت حالما على أغانيه قبل أن أقابله وعشت مثل غيري اللوعة والشجن والرومانسية في كل ما يردده من كلمات الحب في أدائه الحساس.


كانت علاقتي به حكايات مرحلة من حياته، التي حاولت فيها إيقاف عقارب ساعة الذكريات لكي يستيقظ بدون دقات وبدون تكتكة عقرب الثواني فيسمح لي بدخول عالمه الخاص وكأنه كان يعالج نفسه من وجع يطارده ويريد التخلص منه بالثرثرة معي.


بعد رحلة صمت دامت لدقائق قال وكأن قرص الشمس الذكريات الساخنة قد أصدر الإشارات إلى مخزن عقله فأصابه بحمي وقتية:


“بعد رحلتي الطويلة معها طلبت إعلان زواجي منها ولم يكن أمامي سوى صديقي الصحفي حسن إمام عمر والكاتب جليل بنداري لكي يساعداني في إشهار زواجي ليصبح زواجا رسميا من سعاد حسني وقد عرض صديقاي رغبتي إليها ولكن كانت المفاجأة التي ذبحت كبريائي”.


كانت تفضل الاحتفاظ بكل تفاصيل ما حدث بيننا في صندوق ذكرياتها والذي أصرت أنه من الصعوبة أن يفتحه غيرها فيتعرف في يوم ما على زواجنا السري الذي كنت أحلم بإعلانه!


تذكر عبد الحليم فيلم «البنات والصيف” وأغنية «راح”، التي كتبها الشاعر مرسي جميل عزيز ولحنها الموسيقار كمال الطويل:


راح.. راح.. راح


خد قلبي وراح


خد أملي وراح


خد نور أحلامي


خد من أيامي


كل الأفراح.. وراح


وكأنه كان يسترجع وجعه السريالي المفاجئ:


“من دمعة ندم من حرقة ألم من صرخة جريح من قلب انظلم بعتب على اللي خان بعتب عليك يازمان”.


نهاية الوجع


بصيت لقيتني


لوحدي غريب


بقول يا ليل


أنا كان ليا حبيب


خد أملي وراح


خد قلبي وراح


وراح.. راح.. راح


ولكن سعاد حسني، التي كانت قد داوته من جراح مرحلة البداية كانت هي نفسها التي أوقعته في فخ التساؤل عن معنى وقيمة الحب في حياة الإنسان.


“بأمر الحب.. افتح للهوى وسلم”


لا ينكر عبد الحليم حافظ أن سعاد حسني ضحت بحبها من أجل مستقبله لأنها كانت ترى الارتباط به سوف يقيم حواجز من الأسلاك الشائكة في طريق مستقبله وسوف تفجر الألغام في معجباته من النساء ولن يستمر زواجهما ولو أعلنه كان سيتحول إلى أنقاض بين المعجبين به.


عبد الحليم يضع عينيه في رهان على المستقبل، مستقبله الفني الذي قطع فيه شوطا لا بأس به أما سعاد حسني فكانت لاتزال البنت الذكية التي أدركت قواعد اللعبة فانكمشت داخل شرنقة حبها له، أما هو فقد كان قد أطلق أشرعة مسيرته للرياح للوصول إلى مبتغاه لأنه قد أدرك كيف ينجح ويحافظ على هذا النجاح.


في عام ١٩٦١ حاول تطبيق هذه النظرية الخاصة به من خلال اختيار «زبيدة ثروت” لكي تلعب أمامه بطولة فيلم “يوم من عمري”، إنه بذلك يحاول انتشال بقاياه من الهزيمة العاطفية، التي لحقت به فأوقعته في شباك اللامبالاة بما قد يروح أو ما تجيء به الأيام كانت الممثلة زبيدة ثروت جميلة بكل مقاييس عصرها مع ملاحظة الاختلاف الأنثوي بينها وبين سعاد.


الماضي والحاضر


غنى بعد فيلمه مع سعاد حسني ما يوجع القلب وكان في فيلم «يوم من عمري”، الذي أخرجه عاطف سالم وعرض في النصف الأخير من مارس ١٩٦١ وكان هذا الفيلم يحاول أن يداري وجعه باللعب والضحك والجد والحب:


حب الدنيا تلقي الدنيا


فرحة كبيرة في حب كبير


ضحك شوية لعب شوية


جد شوية وحب كتير


عيش أيامك عيش على طول


خلي شبابك عمره يطول


افرح ارقص غني


قد ما تقدرعيش


دي اللحظة اللي تعدي


بتروح ما تجيش


كان عبد الحليم حافظ قرر الدخول في لعبة المتناقضات فنسي قلبه وتفرغ للحب الذي يريده، والذي لا يكون بمثابة موانع لعبوره إلى ما يريد حتى لو كان السير في جنازة من يحبه وتقديم واجب العزاء على روحه ببعض ما يقدمه لنا من غناء فهم اللعبة جيدا وعرف كيف يتداوى من وجعه بإلحاق الوجع بالآخرين:


بأمر الحب


افتح للهوى وسلم


بأمر الحب


افتح قلبك اتكلم


بلاش نهرب بلاش نتعب


تعالى نحب ونسلم


بأمر الحب


جنون الحب


كانت الليلة عامرة باستفزازي له، لكي أعرف ولم يكن هذا من أجل النشر ولكنه كان من أجل معرفة الحقيقة، وكأنه يتبادل الندم مع خواطره وأفكاره ومحاولاته في نسيانها وإخفائها من ذاكرته قال:


“كانت سعاد بهذه التضحية التي قدمتها برفضي حفاظا على جمهوري الذي كانت تعرف تمامًا أنه سوف يبتعد عني لو أعلنت زواجي منها؟”


لا ينكر عبد الحليم أن العلاقة السرية بينه وبين سعاد حسني استمرت.


ولكن قلبها كانت تأكله الحيرة والدهشة ولم يحاول إدخال الوسطاء من الأصدقاء بينهما في حكاية تخصهما فقط.


كانت سعاد تحلم مثل فتيات عصرها بالفارس، الذي يجيء معتمدًا على شجاعة الاعتراف المباشر وأخذ الحبيبة بقوة إيمانه وحبه لها.


وهو خدشته علامات الحب من قبل فهددته في مستقبله كفنان لذلك أصبح عفريته المرعب الاعتراف بما في داخله لأنه فضل اختيار مستقبله الفني والتضحية بالقلب وإندار لمن يحبه في محاولة للنسيان.


المرض بالحب


كانت الفتاة الرومانسية سعاد حسني، التي نشاهدها في السينما تحلم بمن يعلن أنه حبيبها أمام العالم فهي تتصور أنها ستكون أروع قصص الحب إن ما أصاب سعاد من كارثة حطت عليها كالصاعقة ببدايات مرضها كانت من مخزون صندوق ذكرياتها، الذي فاض بالوجع وهي من دون أن تدري تم ذبح مشاعرها، وهي التي ساعدت بعد ذلك في نشر عظام جسدها الجميل وإطفاء ابتسامة كانت بلاحدود وهي تحاول التجمل بكل أمور وظواهر الحياة الطبيعية، ولكن عبد الحليم العاشق لمستقبله قبل العطف على قلبه الموجوع كان قد قرر واختار ما يريده أما هي فقد اختارت التضحية من أجل حبيبها ومن أجل عشاق فنه ولم يعد أمامها من فرط إحباطها سوى أن تغلق الباب على قصتها مع من يحب نفسه وفنه أكثر منها، ولجأت إلى من قد يحاول تضميد جراحها فكان زواجها من المصور السينمائي صلاح كريم، ذلك الزواج الذي لم يكن له من العمر ما يذكر بالأيام أو السنوات لأن المواجهة المخيفة، التي أرعبت سعاد حسني أنها كانت تحاول الهروب من تقلبات طقس القلوب العاطفي فلم تتحمل وكانت تردد دائما الأغنية، التي لحنها محمد عبد الوهاب من كلمات السكندري محمد علي مهدي:


فوق الشوق مشاني زماني


قاللي تعالي نروح للحب بعد سنين قالي ارجع تاني


هاتعيش فيه مجروح القلب


اللي مشيته رجعت أمشيه


واللي قاسيته رجعت أقاسيه


فوق الشوق.