دماء على جدار السلطة (٢١) خروجًا عن مبادئ الإسلام (٣) الغدر بأبى مسلم الخراسانى وقتله

04/05/2016 - 10:41:15

بقلم - رجائى عطية

لا يختلف أحد من المؤرخين والرواة، على كفاءة أبى مسلم الخراسانى، وذكائه وعقله وتدبيره وحزمه وقدراته الشخصية والعسكرية والقيادية، كما لم يختلفوا على أنه صاحب الضلع الكبير فى إقامة الدولة العباسية منذ كلفه إبراهيم الإمام، أخو أبى العباس السفاح وأبى جعفر المنصور، بإظهار الدعوة لبنى العباس وإعلان الثورة فى خراسان، وكيف استطاع أن يوحد الصفوف تحت قيادته فى وقت قصير، رغم تطاحن القوى وتصارعها القبلى والسياسى، وكيف أنه الذى قلب الموازين لصالح الحركة العباسية حتى قامت دولتها . ولم يختلف أحد على أنه ظل ركنًا من أركان الدولة فى خلافة أبى العباس السفاح، فتولى لها من المهام الكبرى ما مرَّ بنا، واضطلع فى خلافة أبى جعفر المنصور بوأد حركة عمه «عبد الله بن على» والى الشام، فحاصره بقرب «نصيبين» وهزمه فى جمادى الآخرة سنة ١٣٧ هـ بعد قتال شديد، ليستقر الأمر لأبى جعفر المنصور .


لا يختلف أحد من المؤرخين والرواة، على اتساع نفوذ أبى مسلم الخراسانى فى خراسان وخارجها وفى أقاليم فارس، وعلى أن أبا جعفر المنصور لم يكن يرتاح إلى مكانته، ويرى أن له غدرات تحدث بها إلى أخيه أبى العباس السفاح حاضًّا إيَّاه على قتله، فلما انتقلت الخلافة إلى المنصور صار القرار بيده، ولكن أعاقته حركة عمّه «عبد الله بن على» التى اضطر للاستعانة بأبى مسلم الخراسانى لتصفيتها، وقد فعل.


على أن أقوال المؤرخين والرواة تختلف ـ بعد ذلك ـ اختلافًا كبيرًا فى رواية الأحداث بين المنصور والخراسانى، وإن أجمعت على فساد الأمور بينهما، ورغبة المنصور فى التخلص ممن عده منافسًا له فى نفوذه بالدولة، وقلق الخراسانى من المنصور قلقًا قيل إنه كان مصحوبا بمظاهر تكشف عن اغتراره بمكانته ونفوذه الذى بدا أنه لم يتوقف عند حدود الخليفة .


والمتفق عليه أن هذه المنافسة المكتومة التى ظهرت أماراتها فى كثير من المواقف ـ جعلت تطفو إلى السطح، وبدأت عوادم فساد الأمور بينهما تظهر جلية بعد نجاح الخراسانى فى تصفية حركة «عبد الله بن على»، وشروعه فى العودة إلى «خراسان» بما صار له من «دالة» أكثر، بينما أراد المنصور تأكيد سلطته، فأرسل إلى الخراسانى من يحصى ما تم الحصول عليه من غنائم وأموال من «عبد الله بن على»، فاعتبرها الخراسانى إهانة مرفوضة، محتجًّا بكيف يكون أمينًا على الدماء خائنًا فى الأموال، وقيل إنه أوشك أن يفتك بمبعوث المنصور، لولا أن قيل له إنه رسول.


هنالك تتعدد وتختلف الروايات والنصوص فيما دار بين الخليفة المنصور وأبى مسلم الخراسانى من كتب ومراسلات، ولا يبعد أن تكون هذه المراسلات قد تعرضت لتحريفات أو انتحال الرواة تبعًا للهوى بين المعسكرين اللذين اندلع بينهما الصراع.


والذى يمكن القطع به أن هذا الصراع صار على المكشوف، حتى قيل إن الخراسانى أزمع أن يخلع الخليفة ويبايع غيره، بينما ترسخ عزم المنصور على قتله والتخلص منه، فلجأ إلى الحيلة لاستدراجه لمقتله، وبصورة تتعجب كيف خالت فى النهاية على
«أبى مسلم الخراسانى» فذهب إلى حتفه بظلفه.


الحيلة والاستدراج


وتكاد تتفق روايات الطبرى فى تاريخه، وابن الأثير فى الكامل، وابن كثير فى البداية والنهاية، والدينورى فى الأخبار الطوال، وابن قتيبة فى الإمامة والسياسة، على أن الخليفة المنصور لجأ إلى الحيلة فى استدراج الخراسانى للذهاب إليه فى المدائن التى كان المنصور قد شدَّ رحاله إليها، وأن المقربين من الخراسانى حذروه بشدة من الاستجابة إلى هذه الدعوة وأن فيها مقتله.


وقيل إن المنصور كان قد تحسب لذلك، فبعث إلى أبى مسلم بوفد من الأمراء، كان فيهم «جرير بن يزيد بن جرير بن عبد الله البجلى»، وكان أوحد أهل زمانه، وكتب
أبو جعفر المنصور كتابًا للخراسانى سلمه إلى «أبى حميد المروزى»، واتفقت الروايات على أن المنصور أكد على هؤلاء، أن يكلّموا أبا مسلم بألين كلام، وإعلامه بأن الخليفة رافعه وصانع له ما لم يصنعه أحد، إنْ هو صالح وراجع ما يحبه الخليفة.


وأضاف الرواة أن المنصور نبه على «أبى حميد المروزى»، أن يبذلوا قصارى المستطاع بالكلام اللين، فإذا أبَى الخراسانى أن يرجع، فعليه أن يقول له: «يقول لك أمير المؤمنين : لست للعباس وأنا برئ من محمد، إن مضيت مشاقًّا ولم تأتنى، إن وكلت أمرك إلى أحد سواى، وإن لم آل طلبك وقتالك بنفسى ؛ ولو خضت البحر لخضته، ولو اقتحمت النار لاقتحمتها حتى أقتلك أو أموت قبل ذلك» ونبه المنصور على «المروزى» ومن معه ألاّ يقولوا لأبى مسلم هذا الكلام إلاَّ إذ يئسوا من رجوعه ولم يطمعوا منه فى
خير.


ويقول الرواة إن «أبا حميد المروزى» وأصحابه، لحقوا بأبى مسلم بحلوان وهو فى طريقه إلى خراسان، فدخل عليه أبو حميد وأبو مالك وغيرهما، فدفع إليه «المروزى» كتاب المنصور، وقال له: «إن الناس يبلغونك عن أمير المؤمنين ما لم يقله، وخلاف ما عليه رأيه فيك ؛ حسدًا وبغيًا، يريدون إزالة النعمة وتغييرها، فلا تفسد ما كان منك يا أبا مسلم، إنك لم تزل أمين آل محمد؛ يعرفك بذلك الناس، وما ذخر الله لك من الأجر عنده فى ذلك أعظم مما أنت فيه من دنياك، فلا تحبط أجرك، ولا يستهوينك الشيطان!»


مابين الخوف والحذر


ويقال إن أبا مسلم الخراسانى استغرب أن يخاطبه «أبو حميد المروزى» بهذا الحديث، وواجهه بذلك، فرد عليه بأنه الذى دعاهم لطاعة أهل البيت وبنى العباس، وأمرهم بقتال من خالف ذلك، فأطاعوه طاعةً خالصة، وأعزهم الله، فكيف يريد حين بلغوا غاية مناهم أن يفسد أمورهم، ويفرق كلمتهم، وهو القائل لهم: من خالفكم فاقتلوه، وإن خالفتكم فاقتلونى!


هنالك التفت أبو مسلم الخراسانى ـ مستهولاً ـ إلى نصيره أبى نصر: مالك بن الهيثم الخزاعى، قائلاً: أما تسمع ما يقول هذا لى ؟! ما هذا بكلامه يا مالك! .. فحرضه مالك على ألاَّ يسمع له أو يأبه بما يقول، فليس هذا كلامه، وحذره من أن يذهب إلى المنصور فيقتله، وأشار عليه بأن يذهب إلى «الرّىّ» فيقيم بها، فيصير ما بينها وبين خراسان له، فهم جنده ولن يخالفه منهم أحد، فإذا استقام الخليفة له استقام معه، وإن غدر به كان فى جنده .


ويقال إن أبا مسلم غلبه بالفعل حذره، واقتنع برأى صاحبه، فاستدعى إليه
«أبا حميد المروزى» وأعلنه بأنه قد عزم ألاَّ يذهب إلى المنصور، فلما يئس «أبو حميد» من استجابته، نقل إليه ما أمره به أبو جعفر، فوجم أبو مسلم طويلا، فيما فسره بعض الرواة بأن ما سمعه أخافه وأرعبه وكسره!


ويقال إن الذى أتم هذا التراجع، أن المنصور كان قد كتب إلى أبى داود ـ وهو نائب أبى مسلم فى خراسان ـ بأن له «إمرة» خراسان ما بقى هو خليفة، فأحدث ذلك أثره لدى أبى داود، فكتب إلى أبى مسلم: «إنا لم نخرج لمعصية خلفاء الله وأهل بيت نبيه ، فلا تخالفن إمامك ولا ترجعن إلاَّ بإذنه».


ويبدو مما نقله الرواة، أن موقف أبى داود كان بمثابة القشة التى قصمت ظهر البعير، فزاد هّمَّ أبى مسلم، وقيل إنه زاد رعبه، فأرسل إلى أبى حميد وأبى مالك يخطرهما أنه سيوجه «أبا إسحق» إلى أمير المؤمنين ليأتيه برأيه، فإنه ممن يثق بهم.


ويقال إنه حينما التقى «أبو إسحق» بالمنصور فى المدائن، منّاه المنصور بولاية خراسان إذا نجح فى صرف أبى مسلم عن وجهته، فلما رجع إليه، زعم له أنه ما أنكر شيئًا مما رآه لدى المنصور، وأنه رآهم معظمين لحقه، وأشار عليه بأن يرجع إلى أمير المؤمنين، ويعتذر إليه مما كان منه . وقد كان، واستجاب أبو مسلم رغم ما بذل إليه من تحذيرات!


الخطة، والمشهد الأخير


يُسْتَخْلص من روايات المؤرخين الطبرى وابن الأثير وابن كثير والدينورى وابن قتيبة، التى لم تختلف إلاَّ فى جزئيات من التفاصيل، أن المنصور أمر بحسن لقاء أبى مسلم الخراسانى لدى وصوله للمدائن، وأنه لما دخل على المنصور أظهر له الكرامة والتعظيم، ثم أمره بأن ينصرف لوضع ثيابه ودخول الحمام ليذهب عنه كلال السفر، على أن يلقاه بعد ذلك .


فلما انصرف أبو مسلم وانصرف الناس، أفضى المنصور بهمومه ونيته قتل أبى مسلم ـ إلى أمين سره أبى أيوب الموريانى، وتم التدبير للأمر مع «عثمان بن نهيك» رئيس الحرس، لاستقبال أبى مسلم وقتله أثناء لقائه بالمنصور، واختير للمهمة أربعة من الحرس الأشداء، وأمر المنصور أن يختفوا خلف الرواق، فإذا سمعوا تصفيق الخليفة خرجوا من مكمنهم وقتلوا أبا مسلم، وأورد اليعقوبى فى تاريخه أن المنصور قال لهم: «إذا أنا صفَّقت يدى ثلاثًا فاخرجوا إلى أبى مسلم، فبضعوه!.


وذكر الرواة أن أبا مسلم حين شَرع فى الدخول إلى المنصور، طُلِب إليه أن ينزع سيفه، فلما أبدى دهشته من أن ذلك لم يكن يُصْنع معه، قيل له: وما عليك ؟ فأذعن الخراسانى ولكنه أوجس شرًّا، ودخل مغضبًا يشكو أخذ سيفه عن عاتقه، فطيب المنصور خاطره، وأخذ يحادثه حتى يذهب عنه القلق، وقيل إن أول ما سأله عنه «نصلين» كان قد أصابهما من متاع «عبد الله بن على»، فأبدى أبو مسلم أحدهما وكان عليه، فتناوله المنصور ووضعه تحت فراشه، قاصدًا ألاَّ يكون معه ما يدفع به عن نفسه، ومضى يعاتبه على ما كان منه من أمور جعل يعددها له، وأبو مسلم يرد ويبرر، وقد ذكر المؤرخون تفاصيل هذا الحوار الغريب، حتى قال له المنصور: «ألست الكاتب إلىّ تبدأ بنفسك وتخطب عمتى آمنة ابنة علىّ وتزعم أنك «ابن سليط بن عبد الله بن العباس» ؟ لقد ارتقيت، لا أم لك، مرتقًى صعبًا» . ثم كرر عليه ما أخذه عليه آنفًا من قتله سليمان بن كثير، فلما طال عتاب المنصور له، أراد أبو مسلم أن يرد عن نفسه كيف يقال له هذا كله بعد بلائه وما
كان منه حتى آل الأمر إلى بنى العباس، هنالك كشف المنصور عمّا أضمره، وسبه
قائلاً: «يا ابن الخبيثة، والله لو كانت أمةٌ مكانك لأجزأت ناصيتها، إنما عملت ما عملت بدولتنا وبريحنا!» .. ويقال إنه حينما اشتعل غضب المنصور حاول أبو مسلم أن يسترضيه ويعتذر إليه، إلاَّ أن المنصور صَفَّق بيديه ثلاثًا، فخرج الكامنون خلف الرواق، وبدأ
«عثمان بن نهيك» بضربه بالسيف، وأتبعه الآخرون، فاعتوروه بسيوفهم، حتى أجهزوا عليه، والمنصور يصيح بهم: اضربوا قطع الله أيديكم! ثم إنهم لفّوه فى بساط خشن، وأُلْقِيَتْ جثته فى نهر دجلة!


ولم يهمل المنصور مراضاة أتباع الخراسانى وأصحابه، وأجزل العطاء والصلات للقواد والرؤساء منهم، وكان قتله لأربع بقين من شعبان سنة ١٣٧ هـ، وبذلك طويت صفحة أبى مسلم الخراسانى الذى كان عمادًا وركنًا أساسيًّا فى حركة بنى العباس، وقيام دولتهم.


بيد أن نهر الدماء لم يتوقف بمقتله!


قتل النفس الزكية


محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب ثم أخيه إبراهيم.


صريع هذه المأساة على جدار السلطة، هو الصالح التقى الورع المعروف «بالنفس الزكية»، وهو محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن الإمام على بن أبى طالب . وقد كانت المذابح التى أجريت للعلويين، هى التكئة الأولى التى تقدم بها العباسيون لإقامة دولتهم، ومستندين فيها إلى أنهم تلقوا تفويضًا من محمد بن على بن أبى طالب المعروف بابن الحنفية، بالحلول محل العلويين فى الإمامة كما مرّ بنا .. وهم أولاً وأخيرًا أولاد عمومة العباسيين، يلتقون جميعًا فى «عبد المطلب» والد أبى طالب، والعباس، وهم جميعًا من آل «بيت النبوة» الذى زعم العباسيون أن إليه حقهم فى الولاية بطريق الإرث الذى لا أصل له فى ولاية الأمور فى الإسلام، فضلاً عما فيه من خلط وتخليط بين النبوة وهى رسالة، وبين الحكم وهو ممارسة من آفات السياسة التى رأينا كيف غيرت القلوب، وغيرت المبادئ، وأراقت الدماء!


وضرورى لندرك دوافع هذه المأساة، أن نفهم مدى حرص أبى جعفر المنصور على تكريس سلطته، واجتثاث جذور من يرى فيه منافسةً لسلطانه، وقد كان هذا هو الدافع الحقيقى للتخلص من أبى مسلم الخراسانى وقتله على عظيم دوره فى قيام الدولة العباسية . وهى عادة مألوفة ومرصودة بين الحكام وقادتهم إذا ما ذاع صيت القائد وصارت له كلمة مسموعة، فتنقلب العلاقة، وإذْ بنصير الأمس يصبح صريع اليوم، وليس من شك أن المنصور كان من كبار الساسة، إلاَّ أنه سفك دماءً كثيرة، وكانت الشبهة كافية فى نظره لإزهاق الأرواح، واعتبار ذلك من حسن السياسة!


ومع أن «النفس الزكية» لم يكن قائدًا للمنصور، إلاّ أن القلق منه لم يفارق المنصور، فلم يكن خافيًا عليه مكانته العريضة بين الهاشميين، وأنهم كانوا قد بايعوه بالخلافة فى أواخر عهد بنى أمية، وكان ممن بايعوه آنذاك أبو جعفر المنصور ذاته، والذى نقل عن الإمام المالك أن بيعته وسابقه أبا العباس السفاح وقعت باطلة للإكراه، ولنا عودٌ إلى ما فسد بين المنصور وبين كل من الإمام مالك والإمام أبى حنيفة، وكذا سفيان الثورى فى بعض الروايات .


ويروى أن أبا جعفر المنصور حين حج فى عهد أخيه أبى العباس السفاح، حضره بالمدينة بنو هاشم جميعًا فيما عدا محمد بن عبد الله «النفس الزكية» وأخيه إبراهيم، وأن تخلفهما عن لقائه زاد قلقه، وجعل يسأل عن النفس الزكية، فقال له زياد بن عبيد الله الحارثى أمير المدينة، إنه يخافه على نفسه، وطمأنه إلى أنه لا يريد له خلافًا ولا يحب له معصية.


إلاَّ أن المنصور لم ينحسر قلقه، وظل يحتال بكل الحيل لتعرف أخبار «النفس الزكية»، واستخراج ما عند أبيه «عبد الله بن الحسن» من أخباره، ويقال إن أبا جعفر عاد عندما حج سنة ١٤٠هـ ليسأل الأب عن ابنيه، فلما أنكر الأب أن يكون لديه علم بهما، اعتقد المنصور أنه يكذب، وحبسه وصادر أمواله لمجرد هذا الظن!


ولم يكتف المنصور بذلك، فعزل ابن زياد والى المدينة، وولى بدله «محمد بن خالد بن عبد الله القسرى»، وبسط يده فى النفقة فى طلب «النفس الزكية»، فأنفق كثيرًا من المال فى هذا السبيل بحثًا عنه، ولما لم يصل إلى نتيجة عزله المنصور، ورفض مشورة تعيين بديل من «آل الزبير» لما بينهم وبين العلويين من تنافس سيؤدى إلى المزيد
من الجد فى رصد «النفس الزكية»، وأفصح عن أنه سيبعث صعلوكًا من صعاليك
العرب، فولى على المدينة «رباح بن عثمان بن حيان المرى»، وكان ذلك فى رمضان سنة ١٤٤ هـ، وهو عازم على العسف فى معاملة من يظن أن «محمد بن عبد الله»
( النفس الزكية ) يستخفى عندهم، وبدأ بمحمد بن خالد القسرى سلفه فى الإمارة على المدينة، فطارده وعذبه هو وكاتبه، وجعل يضيق الخناق على «النفس الزكية» حتى قيل إنه جعل يلاقى عناءً شديدًا فى استخفائه من ملاحقة المنصور له.


وزاد أبو جعفر المنصور من وطأة ضغوطه لإجبار «النفس الزكية» على الظهور، فأمر بأخذ كل بنى الحسن البالغين ثلاثة عشر رجلاً، وحبسهم بالمدينة، وقيل إن «محمد» تأسى وحزن لذلك، وأفصح لأمه عن أنه عزم على أن يضع يده فى يد المنصور حتى يخلى سبيل أهله، ولكنها عارضته، وتخفت فى أطمار واستطاعت أن تلقى أباه «عبد الله» فى محبسه، وأفضت إليه بعزم ابنه فلم يقره وأوصاها أن تنقل إليه أن يصبر، فلعل الله يفتح به خيرًا.


ويروى الأستاذ الجليل محمد الخضرى فى محاضراته القيمة عن تاريخ الأمم الإسلامية والدولة العباسية ( ١٩١٦ م )، فضلاً عن المصادر الأخرى ـ أن «بنى الحسن» ظلوا محبوسين لدى أمير المدينة حتى حج أبو جعفر سنة ١٤٤ هـ، ولما لم يجد ما يبرد غلته من جهة «محمد النفس الزكية» وأخيه إبراهيم، أمر بحمل «بنى الحسن» إلى العراق، وأشخص معهم «محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان » ـ وهو أخو «بنى حسن بن حسن » لأمهم فاطمة بنت حسين بن على، وكان إبراهيم بن على أخو النفس الذكية صهره على ابنته، فحملوا قوةً واقتدارًا مقيدين بالأغلال، وفى شر مسيرة، حتى أتى بهم إلى العراق فحبسوا فى قصر «ابن هبيرة» شرقى الكوفة، واستعمل أبو جعفر المنصور معهم من الفظائع ما ذكر الأستاذ الخضرى أنه لا طاقة لإنسان على تسطيره، وكانت أعظم فظائعه مع حفيد عثمان بن عفان، وكان من نتيجة الحبس الشديد وهذه الفظائع أن مات أكثرهم، رغم أن بنى العباس قد ملأوا الدنيا ادعاءً وصياحًا أنهم خرجوا انتقامًا من قتلة الحسين بن على وزيد بن حسن ويحيى بن زيد، بينما لم يرتكب الأمويون مع «آل على» ما ارتكبه فى حقهم بنو عمومتهم من آل العباس.


اضطرار النفس الذكية للظهور


أمام هذه الفظائع، لم يستطع «محمد النفس الذكية» صبرًا، فعزم على الظهور بالمدينة، وتحدث أهلها بذلك حتى علم «رباح» أمير المدينة، وجعل يعد عدته، إلاَّ أن
«محمد» دخل المدينة ومعه ٢٥٠ رجلا، ففتح السجن وأخرج من فيه من المحبوسين ظلمًا وافتئاتًا، وأعانه أهل المدينة وخذلوا «رباحًا» أميرها، وكان خروجه فى رجب سنة ١٤٥ هـ .


وقد أفاض الطبرى فى ذكر تفاصيل هذه الأحداث، وأوردها ابن الأثير فى الكامل، وابن كثير فى البداية والنهاية، بدءًا من خروج النفس الذكية، وانتهاء بمصرعه ثم مصرع أخيه إبراهيم . ولا يتسع المجال لمتابعة تفاصيل هذه الأحداث الدامية، وحسبنا أن نستخرج منها العبر!


وأول هذه العبر، فضلاً عن فداحة المأساة وإراقة الدماء الذكية، أن المنصور استعان بولى العهد ـ قبل خلعه: «عيسى بن موسى»، مثلما استعان سلفًا بأبى مسلم الخراسانى فى إخماد حركة عمه «عبد الله بن على»، وسنرى أن «جزاء سنمار» كان هو جزاء
«عيسى» مثلما كان جزاء «الخراسانى»، وإن اقتصر جزاء «عيسى بن موسى» على خلعه من ولاية العهد لصالح «المهدى» ابن أبى جعفر المنصور على ما مرّ بنا!


فلم يكن سفك الدماء وإراقتها على جدار السلطة، هو كل ما جرى خروجًا على الإسلام، بل ولم يعد هناك وزن ولا احترام للعهود والمواثيق، خلافًا لما أمر به القرآن المجيد، وصار «الغدر» مسلكًا متبعًا ومكررًا، وابتعد الحكم ابتعادًا هائلاً عن الإسلام، بينما يتشح به ويزعم أنه يتساند إليه!


كان إذن أن حرك المنصور جيشا ضخمًا بقيادة «عيسى بن موسى» للقضاء على
«النفس الزكية» الذى صار محصورًا فى المدينة، وإن كان محبوبًا مرعى الجانب بين أهلها، لورعه وتقاه، وكراهةً فى الوقت ذاته لغشم أبى جعفر المنصور وميله للعسف والظلم واجترائه على سفك الدماء، ومن حب الناس لورع محمد بن عبد الله وتقواه ـ أطلقوا عليه «النفس الزكية» و «المهدى».


وقد استفتى البعض الإمام مالك إمام دار الهجرة فى الخروج مع النفس الزكية، وتأييده، سائلين عن البيعة التى فى أعناقهم للمنصور، فأفتاهم الإمام مالك بأنهم إنما بايعوه مكرهين، وبأنه ليس على مكرهٍ يمين . ومع ذلك فإن «محمد النفس الزكية» أبى ـ حقنًا للدماء ـ أن يستمع إلى مشورة «محمد بن خالد القسرى» الذى دعاه للنهوض معه واعدًا بتدبير مائه ألف سيف ينتظرون إشارةً منه.


وبعد مكاتبات متبادلة بين المنصور والنفس الزكية، عرض فيها كل منهما حجته ومنطقه، ويمكن لمن يريد ـ الرجوع إليها فى مطولات المؤرخين وفى كتاب الأستاذ الجليل محمد الخضرى ـ انتدب المنصور «عيسى بن موسى» لمقاتلته، وأوصاه قائلا فى قسوة ليست غريبة عنه: «يا عيسى ؛ إنى بعثتك إلى ما بين هذين ( وأشار إلى جنبيه ) فإنْ ظفرت بالرجل فشم سيفك ( فاشهر سيفك )، وإنْ تغيب فضمنهم إياه ( أى إلزمهم به وخُذ عليهم الضمانات ) حتى يأتوك به فإنهم يعرفون مذاهبه».


وروى أن «عيسى» تحرك بجيش مجهز على عدة وعتاد، وحاصر المدينة حيث تخندق «محمد»، وأرسل «عيسى» قوة من جنوده لتحرس الطريق إلى مكة حتى لا يستطيع «محمد» الهرب إليها، حيث دارت معركة كبيرة أبلى فيها «النفس الزكية» بلاءً عظيما، إلاَّ أن الكثرة تغلب الشجاعة، وكان جيش المنصور كبيرًا، فقتل «النفس الزكية» ورفعت الأعلام السوداء للعباسيين على مرتفعات المدينة وعلى منارة المسجد النبوى، وكان قتله لأربع عشرة ليلة خلت من رمضان سنة ١٤٥ هـ ..


نهم للدماء لا يرتوى


وامتداد المطاردة حتى قتل إبراهيم


شقيق النفس الزكية


كان إبراهيم بن عبدالله، أخو النفس الزكية، قد لحق بالبصرة ودعا الناس سرًّا إلى أخيه قبل مقتله، فبايعه كثيرون، وذاع أمر إبراهيم بالبصرة وما حولها والأهواز وواسط، ولم يزل على أمره هناك حتى أتاه نعى أخيه قبل فطر سنة ١٤٥ هـ، فصلى بالناس يوم الفطر وعليه آثار الانكسار.


وسارع المنصور بندب «عيسى بن موسى» بجيشه إلى البصرة للإجهاز على
«إبراهيم» أخى النفس الزكية، فالتقيا عند «باخمرى» حيث كانت الغلبة للجيش الضخم، وقتل «إبراهيم» ليلحق بأخيه لخمس ليالٍ بقين من ذى القعدة من نفس العام ١٤٥ هـ.


ومن المتفق عليه بين المؤرخين والدارسين، أن «النفس الزكية» وأخاه
«إبراهيم»، كانا من أحسن الطالبيين خلقًا وأكثرهم ورعًا وأنظفهم تاريخًا، ولم يعرف عنهما ما يمكن أن يؤخذ عليهما أو يشينهما فى معاملاتهما وصدق عزيمتهما، ومن ثم كان الحزن على مصرعهما عظيمًا.


وبهذه الدماء المسفوكة، انتقلت الثارات ـ على جدار السلطة ـ إلى داخل البيت الهاشمى ذاته، بما بات ثأرًا ستكون له توابعه، بين العباسيين والعلويين!


لا كرامة ولا أمان


لأهل الفقه والعلم


لم يكن المنصور هو فقط أول من أثار الفتنة بين العباسيين والعلويين من آل البيت، بل كان أول من عرض بالسوء والضرب والسجن والإيذاء، لأهل الفقه والعلم، وذكر السيوطى فى «تاريخ الخلفاء»، أنه على رأس من آذاهم الإمام أبى حنيفة النعمان بن ثابت، فضربه وسجنه، ومات بعد أيام من سجنه، وأسرف البعض فقالوا إنه مات مسمومًا، لميوله العلوية، وأن علاقة المنصور ساءت بغيره من الفقهاء، منهم عبد الحميد بن جعفر، وابن عجلان، وأن الإمام مالك بن أنس، إمام دار الهجرة ـ أفتى أهل المدينة بأنه ليس فى أعناقهم بيعة للمنصور، لأنهم بايعوا مكرهين، وليس على مُكره يمين.


ويبين بالاستقصاء بين كتابات الأقدمين وذوى الرأى من المحدثين، أنها تتفق على أن كلاًّ من الإمام أبى حنيفة النعمان إمام أهل الفقه والرأى بالعراق، والإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة، قد تعرض لمحنة شديدة مع أبى جعفر المنصور، مع اختلاف فى الأسباب والتفاصيل، وفى المآل أيضًا.


وقد تعددت الروايات فيما لحق بأبى حنيفة من الأذى، فكان بعضه يسيرًا لا نتوقف عنده، مثلما لا نتوقف عند دس حساده من المحيطين بالمنصور، فقد احتُكِمَ إليه فى أمور تَفَوَّقَ فيه بعلمه وفقهه واستقامة استخلاصه ورأيه، حتى شهد له المنصور نفسه بأنه الأفقه . ولكن لن نتوقف إلاَّ عند الأذى الكبير وسببه، الذى دارت الروايات على أنه تعرض فيه للضرب بالسياط والتعذيب والسجن الذى مات فيه أو مات فور خروجه منه، واختلفت الروايات بين قائل أنه مات بسبب ما تعرض له، وقائل بأنه مات مسمومًا، وقيل إن السبب كان لامتناعه عن ولاية القضاء للمنصور .


وقد استبعد الأستاذ الجليل أحمد أمين فى «ضحى الإسلام» «سمّ المنصور» له، معتمدًا فى ذلك على أنه كان للمنصور من القوة إذ ذاك ما يخول له القتل علنًا إن شاء، وقد سبق له قتل أبى مسلم الخراسانى على قوته وتعلق الجند به، وظنى أن القياس هنا لا يتفق، لأنه كان للمنصور ذريعة أو تعلّة فى حماية أمن دولته من خطر نفوذ الخراسانى، بينما لا حجة ولا ذريعة ولا تعلّة فى قتل فقيه مسالم من أهل العلم، لا شوكة له ولا نفوذ، ومع ذلك فإن قصة السمّ لم يقم عليها دليل يبرر التسليم بها على غير بينةٍ قاطعة .


أما فى سبب الضرب بالسياط والتعذيب والسجن، فيتفق رأى الأستاذ أحمد أمين مع رأى آخرين، ومع حكم العقل والمنطق، أنه لم يكن سببه امتناع أبى حنيفة عن ولاية القضاء للمنصور، وإنْ كان ذلك يغيظ ويحفظ، إلاّ أن الغيظ ما كان يصـل بنتائجه إلى هذا الحد، سيما وهناك من يرغب بشدة من الفقهاء فى ولاية القضاء، وقد اعتذر الليث
بن سعد عن ولاية القضاء فلم يعذبه المنصور، وإنما المنطق أن هذا الأذى الشديد كان عقابًا على هوى أبى حنيفة وميله «للنفس الذكية» وللعلويين، وضِيقه ذرعًا بدولة العباسيين التى أسرفت على الناس، وفى الدماء . يؤكد ذلك أن أبا حنيفة لم يكتم رأيه هذا، وروى «زفر بن الهذيل» أنه كان يجهر بكلام شديد دعاه إلى تحذيره منه حتى لا توضع الحبال فى أعناقهم، وأغلب الظن بل أغلب اليقين ـ أن هذا الميل العلوى كان السبب الحقيقى فى تنكيل المنصور به، وسجنه وضربه بالسياط وتعذيبه، وأن ذلك فى ذاته حجةٌ قوية على العسف والجبروت، دون حاجة لإثبات أن موت أبى حنيفة كان بالسم، فلا جدال أن هذا التعذيب والسجن لرجل فى السبعين من العمر، كفيل بأن يؤدى إلى موته، وهو هو ما أدى إلى الإسراع بإخراجه من السجن حتى لا تلحق جريرة موته بمن فعل ذلك به.


ولم تكن محنة الإمام مالك بأقل فظاعة من هذه المحنة، فقد ضاق المنصور وحاشيته ذرعًا بما أفتى به مالك من أنه «ليس على مستكره طلاق»، وهو ما لم يعجب العباسيين لما يستتبعه من التحلل من «بيعة المكره»، وسواء أفصح الإمام مالك صراحة عن أنه ليس على مكره يمين، وأنه لا بيعة لمكره، أم كان ذلك مستفادًا ضمنًا من فتواه بأن طلاق المكره لا يقع، فإن المقطوع به أن المنصور ورجاله ضاقوا بشدة مما أبداه مالك وتحدث به على رؤوس الناس، فجرده «جعفر بن سليمان» والى المنصور على المدينة ـ ومدّه وضربه بالسياط، ومُدَّتْ يده حتى انخلعت كتفه.


ولا يتوقف البصير عند ما أظهره المنصور لاحقًا ـ عند حجه ـ من اعتراضٍ ولوم على ما فعله أميره على المدينة، أو ما بذله هو من ترضيةٍ للإمام مالك، فلا يدورنّ بخلد أحد أن يقارف واليه على المدينة ما قارفه ـ ما لم يكن مأمورًا به، أو فى أقل القليل على ثقةٍٍٍِ تامة من أنه يلاقى رغبة المنصور ورضاءه.


كما لا يفوت البصير أن اختلاف مآل أبى حنيفة عن مآل مالك، إنما مردّه إلى أن
«أبا حنيفة» كان بالعراق حيث دولة المنصور وقبضته وشوكته، مما لا يخشى معه من ردود أفعال، بينما «الإمام مالك» على مكانته فى دار الهجرة، كان بعيدًا بالمدينة حيث لا يكتمل للمنصور من الشوكة ما اكتمل له حيث عاصمة دولته بالعراق . لهذا مات أبو حنيفة أو أُميت، بينما يُسعىَ إلى ترضية مالك بعد تجريده ومده وضربه بالسياط.. وقد كانت هذه وتلك، من تداعيات جموح ممارسة السلطة، بعيدًا عن مبادئ الإسلام الذى اتشحت به كذبًا!