فى ذكرى رحيل شاعر الحب نزار قبانى

04/05/2016 - 10:31:35

  سناء السعيد سناء السعيد

بقلم - سناء السعيد

أستدعيه اليوم فى ذكرى رحيله التى حلت فى الثلاثين من أبريل الماضى، حيث وافته المنية عام ١٩٩٨.. إنه نزار قبانى الشاعر العربى العملاق. أسرنى بقصائده التى كانت تبعث ضوءا شفافا محلقا.. وعندما التقيته بدا لى أشبه ما يكون بسوبرمان جديد يغزو الأرض بكلماته والتى كانت نسيجا وحده.. غير تقليدية شفافة لها أكثر من وتر وأكثر من ايقاع، ذات رنين جرثومية تنتشر ليعبق بها أى مكان وأى زمان.. كلمات لا تتعثر ولا تضل الطريق.. إنه نزار الصارخ فى البرية الباحث عن الحقيقة.. شخوصه عبثية تمارس الصراحة الماجنة المعتقة.. ويبقى هو سيد الطريق.. بعينين يقظتين ولسان حاد ينطق بالحقيقة لكل إنسان وعربيد ونبى وشهيد.. حقيقة قد تحيى وقد تدمى وتجرح الكثيرين.. ولكنها حقيقة تمارس الحق جهرا على قارعة الطريق.


واستدعى هنا لقائى معه فى القاهرة عام ١٩٨٣ وفيه يقول:


**عمل المرأة هو مجدها وبدونه تصبح قطعة ديكور


**تعرضت لأكثر من هجمة نسائية


** أكره المرأة التى تزاحمنى على رجولتى


** الشعر عمل راق ولا علاقة له بالشياطين


**مصر قوة للعرب ومصدر من مصادر مجدهم وكبريائهم


رؤيتك حيال وضعية المرأة اليوم. هل استطاعت أن تتحمل المسئولية عن جدارة؟


أشعر بأن المرأة تريد ولا تريد، فهى محتارة بين حرية تجردها من امتيازاتها كملكة وبين تبعية تمنحها حق الكسل والاسترخاء. الحرية صعبة وصاحبها يواجه مشاكل ومواقف لا يواجهها الإنسان المقيد.. لذلك نجد أكثر نسائنا يقفن فى المنطقة الوسطى ما بين الجنة والنار.. والبقاء فى المنطقة المحايدة لا يحقق أى انتصار.. المرأة قادرة على تحمل المسؤولية كالرجل، ولكن المطلوب منها أن تتخذ قرارها وتعلن ثورتها، فلا ثورة حقيقية يمكن أن تحدث فى داخل الصالونات والكوكتيلات والجمعيات النسائية.. الثورة الحقيقية تكون بالانقضاض على الرجل وتجريده من سلاحه وإعادته إلى حجمه الطبيعى.. أما إذا بقيت المرأة خائفة على أظافرها أن تتكسر.. وعلى شعرها أن تبعثره الريح.. وعلى ماكياجها أن يمحى.. فسوف تبقى فى موقع الدمية.. وعروسة السكر.


وما هو مطلوب للخروج من هذه البوتقة؟


عمل المرأة هو مجدها. وبغير العمل تصبح المرأة قطعة ديكور وتدخل فى عالم العبث والتسكع والثرثرة. بغير العمل تصبح مخلوقا اتكاليا يعيش كالنباتات المتسلقة على أكتاف الرجل ويجعلها تابعة لمن يطعمها ويكسوها وينفق عليها. إن عبودية المرأة سببها الأول اقتصادى. فطالما أن المرأة تبقى بحالة تسول وتقف على باب مصرف الرجل لتستدين وتطلب القروض فإن رقبتها ستظل دائما فى قبضة الدائن الذى هو الرجل.


زواج القرين دائما ما يخشاه الرجل ويتحول عنه إلى زواج الأضداد. ماهو تفسيرك؟


لكى تشتغل البطارية، ولكى تمر الكهرباء فى السلك، ولكى يضىء البرق لابد أن يصطدم السالب بالموجب. ولكى يشتعل الرجل عشقا لابد أن يصطدم بنقيضه لا بشبيهه. وإذا كان الرجل يبحث عن التشابه، فبإمكانه أن يتزوج صورته الفوتوغرافية أو صوته المسجل على كاسيت أو يتزوج المرآة.. وكما أن( الكونتراست) هو ضرورة من ضرورات التصوير، فإنه أيضًا من ضرورات الحب.. فالأبيض لا يكمله إلا الأسود والثلج لا يتأكد إلا بالنار.


هل يمكن القول بأن نزار قبانى مجموعة تناقضات؟


بكل تأكيد يمكنك أن تقولى ذلك لأن طبيعة الشاعر كطبيعة البحر، الذى يغير فى كل لحظة ملامحه وهيئته وطرق تعبيره عن نفسه. إن الشاعر الذى لا يتناقض يتحول إلى شكل هندسى محدود وإلى شجرة لا تستطيع تغيير عنوانها، وإلى حجر ملقى على أرض الضجر.


أطوار الزعيم نزار عندما يكتب ومن يشاركه اليوم فرحة إنتاجه؟


الكتابة زلزال يضربنا من حيث لا ننتظر.. ولا يمكن لشاعر أن يتنبأ بزمان الزلزال وأطواره. إننى لا أستطيع أن أراقب نفسى وأنا أحترق فوق أوراقى.. غير أننى بعد أن تكتمل القصيدة أستطيع أن أرى رمادى الباقى على ورقة الكتابة.


هل حدث وتعرضت إلى انتقاد حاد من امرأة؟ وكيف جابهته؟


طبعا تعرضت لأكثر من هجمة نسائية على. ولكنى لاحظت أن اللواتى كرهننى وأغمدن خناجرهن فى صدرى هن القبيحات فقط. أما الجميلات فقد كن دائما من حزبى.إن شعرى يعقد القبيحات ويوجعهن لأنهن يعرفن أنهن غير مقصودات فيما أكتبه. أما الجميلة فهى تتكحل بشعرى وتتعطر به وتعتبره جزءا أساسيا فى زينتها ومن وجودها.


ما الذى ينفرك من المرأة وما الذى يشدك إليها؟


أحب المرأة التى تلعب دورها الطبيعى كأنثى دون أى تكلف أو اصطناع أو استعراض عضلات. وأكره المرأة التى تزاحمنى على رجولتى وتأخذ منى ربطة عنقى لتخنقنى بها.


إنتاجكم مثار جذب للمرأة أكثر من الرجل.. بماذا تعلل ذلك؟


لأن المرأة لا تزال تتمتع بحساسية نادرة. فى حين فقد الرجل إحساسه بالأشياء الجميلة.


ماذا عن الحب وشطحاته؟


فى كل حب شىء من الجنون. لذلك تبدو تصرفات العشاق أقرب إلى الهلوسة، والهيستيريا، وشطحات الحشاشين. وهذه الحالات كلها هى جزء من لعبة الحب.


هل تعتبر المرأة نقطة ضعف فى حياتك وفى شعرك؟


المرأة نقطة قوة فى حياتى وفى شعرى، فهى التى جعلتنى اجتاز البحار وأقفز من نجمة إلى نجمة.. كسوبرمان..


العاطفة والعقل يصطرعان دوما لدى كل فنان. أيهما يتغلب لدى نزار؟


أنا لا أتخلى عن عقلى حتى فى ذروة أزماتى العاطفية، وأنا لا يمكن أن أعشق امرأة إلا إذا وافق عليها عقلى أولا.


هل شعرت فى يوم من الأيام بأنك كنت مثارا للاضطهاد؟


كل من يمارس الكتابة فى المنطقة العربية هو مضطهد بشكل أو بآخر. وربما كان نصيبى من الاضطهاد أكثر من غيرى لأننى فى الكتابة لا أؤمن بأن خير الأمور الوسط.


كشاعر بلغ فى شعره أوج الكمال ما هو الجديد الذى قد تفكر فى تقديمه؟ وكيف يحتفظ الشاعر بقدرته على العطاء وسط المتغيرات الحادثة؟ وما الذى قد يعيق الكاتب عن الكتابة؟


لا يمكن للشاعر أن يخطط لقصائده المستقبلية كما يخطط خبراء الاقتصاد مشاريع السنوات الخمس. القصيدة تنفجر فى داخلنا كالبرق أو كينبوع المياه. ولا يستطيع أى شاعر أن يتنبأ متى ستندلع الحرائق فى داخله ومتى ستتم الولادة وكيف سيكون شكل الموجود؟ أما كيف يحتفظ الشاعر بمستواه الأدبى فهو أمر مرتبط بقدرته على أن يبقى صادقا وشجاعا ومحترما لنفسه ولتاريخه وللجمهور الذى يقرؤه. أما حين يفقد الكاتب شجاعته ويستدير حول الحقيقة ويتنكر لتاريخه ويستهين بمشاعر الناس وتفكيرهم فإنه يسقط على الفور. لأن مهرجى الأدب ومضحكى السلطان لا يبقون على المسرح طويلا.


قصيدتك( هوامش على دفتر النكسة)، التى كتبتها فى أعقاب هزيمة ٦٧ هل تصلح للنشر ثانية فى الواقع العربى الحالى؟


نعم صالحة للنشر عام ٨٣ بل إننى أعتبرها ضعيفة ولا تغطى البشاعات التى تجرى على مسرح السياسة العربية الآن.. ولو طلب لى أن أعيد النظر فى القصيدة لأضفت إليها مقاطع جديدة لتكون متناسبة مع ما وصلنا إليه من تفكك وتشرذم وانهيارات.


هل تعتقد أن نزوة الشاعر هى نزوة شريرة وتأتى بتحريض من الشيطان؟


الشعر عمل راق ومرتفع ولا علاقة له بالشياطين أو بالقوى الشريرة. ولأن الشعر يحاول التغيير والتكسير واحداث انقلاب فى التقاليد وبنية المجتمع يتهمونه بأنه عميل للشيطان ويتلقى تعليماته منه.. إن الشعر هو صوت الإنسان لا صوت الشيطان.


قصيدتك (قارئة الفنجان) لعبت دورا خطيرا فى حياة المواطن العربى واستطاعت أن تخترق كل الحواجز، وأن تشكل انقلابا حقيقيا فى الأغنية العربية. بماذا تعللون ذلك؟


القصيدة أثبتت بما لا يقبل الجدل أن الشعب شالعربى يمتلك حساسية جمالية وذكاء فطريا يسمح له أن يرتفع إلى أى مستوى شعرى يطلب منه أن يرتفع إليه.. وقد شعرنا عبدالحليم وأنا بهذه الطاقة الجمالية الراقية للمستمع العربى، فقدمنا له قصيدتين من أصعب القصائد هما (رسالة من تحت الماء)، و(قارئة الفنجان) فاشتعلتا كالنار من الخليج إلى المحيط، وحققنا انتصارا شعبيا لم نكن نحلم به عبدالحليم والموجى وأنا. وهذا يؤكد أنه إذا تحقق التوازن بين الشعر واللحن والاداء فإن النجاح مضمون.


كما يؤكد أن حساسية الجمهور العربى تستطيع التقاط أصعب الأعمال الشعرية إذا قدمت فى إطار فنى متكامل.


ماهى مشكلة العالم العربى الرئيسية؟ ولماذا يعانى الإنسان العربى أكثر من سواه فى العالم؟


إنها مشكلة الديمقراطية. والإنسان العربى يعانى أكثر من سواه من شعوب العالم لأن اللغة التى يتكلم بها لم تعد صالحة للاستعمال.


نزار قبانى كشاعر يتحرك على مسرح شعر يمتد من المحيط إلى الخليج فهو موجود فى كل بيت عربى. ماهو سر هذه العلاقة الاستثنائية بينك وبين الشعب العربى؟


سر تفاهمى الشعرى مع الشعب العربى هو أننى لم أغش هذا الشعب، ولم أكذب عليه. بل كنت دائما الناطق الرسمى باسم أفراحه وأحزانه.. إن علاقتى كشاعر مع الشعب العربى لم تقم أبدا على الكذب والخديعة وإنما قامت على الثقة والحب والاحترام.. لذلك استمرت هذه العلاقة ثلاثين سنة فى أحسن حالاتها دون أن تتعرض للانقطاع أو الانهيار.


صلتك بمصر كانت دوما متميزة. ما هى المشاعر التى تسكنك الآن وأنت عائد إليها من العراق يعد خمس سنوات؟


لا أحد يستطيع أن يستغنى عن مصر، كما لا تستطيع العين أن تستغنى عن أهدابها، والطائر عن ريشه، والوردة عن عطرها. ومصر بدورها لا تستطيع أن تستغنى عن العروبة لأنها جزء من ملامحها وتكوين تربتها ودورتها الدموية. إن مصر هى قوة للعرب ومصدر من مصادر مجدهم وكبريائهم. ولا أتصور رغم كل ما حدث ــ أن مصر سوف تتخلى عن دورها التاريخى فى كتابة التاريخ العربى. إننا نمر الآن فى مرحلة غير طبيعية، ولن يصح فى آخر الأمر إلا الصحيح. أما مشاعرى وأنا أعود إلى القاهرة فهى مشاعر الحمامة العائدة إلى سقوف المساجد فى سيدنا الحسين.