« قبل زحمة الصيف »!

02/05/2016 - 3:43:30

عاطف بشاي عاطف بشاي

بقلم : عاطف بشاي

يواصل "محمد خان" في فيلمه الأخير "قبل زحمة الصيف" الإبحار في رحلته الأثيرة التي يحفل فيها بالتفاصيل الصغيرة الدالة والموحية والتي تعكس عالماً منفرداً يشتبك فيه البعد الإنساني، بالواقع المعاش .. ببغاء داخل قفص معلق في أحد أركان شاليه .. دراجة بستاني شاب يستخدمها في قضاء احتياجات رواد مجتمع مخملي ناعم.. قبلات نهمة بين مطلقة حسناء ضائعة .. وممثل أدوار ثانوية صائد نساء محترف .. "لاب توب" يجمع صوراً لرشيقات حسناوات من نجمات السينما العالمية يخص طبيباً كبيراً زائغ النظرات .. نهم للحياة .. تشاهد تلك الصور زوجته البدينة .. فتنهمر دموع حسرتها مستسلمة لبصمات الزمن على ملامحها .. أطباق أسماك متنوعة شهية ساخنة تزين دعوات عشاء باردة .. عواطف مبتورة .. أيام رتيبة .. أمطار تنهمر في غير موعدها .. الجميع هاربون من المدينة للبحر .. أو داخل أنفسهم .. لكنهم ليسوا في حالة تأمل أو مراجعة أو حساب أو مواجهة .. فقد توقف الزمن عند حالة استرخاء ممتد صامت ينفر من إثارة جدل .. أو انتظار مفاجأة .. أو معايشة اجتماعية .. أو تفاعل وجداني آسر وحميمي .. بل إن الطبيب الشهيد د."يحيي (مثل دوره ببراعة ماجد الكدواني) الذي يدير مستشفى تركها له مالكها الأصلي والد زوجته ليديرها مع شريك .. توشك ممارسات فاسدة لأطباء متهمين يعملون معه أن تدينهم وتدينه بالتالي .. لا يعاني من قلق .. ولا يؤرقه خطر يقترب منه لأنه يدرك يقيناً أنه لا دليل على تستره على فساد طبيب لن يتحمل هو تبعة ما اقترفه من انحراف .. والمخرج الفنان _ كما في أفلامه السابقة _ لا يتدخل في حلبة الصراع الدرامي التقليدي .. ولا يفتعل صنع الأحداث .. ولا يعني بتطويرها وصولاً إلى ذروة درامية .. بل يترك شخصياته تصنع عالماً بتفاصيله المتشابكة والمتناقضة دون أن يسعى إلى تحديد مصائر وجودهم الإنساني .. ودون أن يفصل في تعسف بين واقعهم المعاش وأحلامهم المجهضة .. ولا يعنيه تلك الفرضيات والمسلمات وحتمية المقدمات التي تؤدي إلى النهايات والأسباب التي تدفع إلى النتائج .. والتمهيدات التي تتسق والتسلسل المنطقي للأحداث .. فالفيلم عند "محمد خان" هو مغامرة مدهشة في الإبحار داخل النفس الإنسانية بكل جموحها وبرودها .. شططها وخنوعها .. تمردها وانسحاقها .. جمودها ورتابتها وهكذا..


إن مصائر الشخصيات تفرض نفسها على السياق لأن "محمد خان" لا يحاكمها أخلاقياً .. ولا يفرض عليها تصوراته وأفكاره .. لكنه يتأملها ويعايشها ويشاركها سلوكها .. ويتعاطف معها بصرف النظر عن قناعاته الشخصية .. لذلك فإن قضية فساد المستشفى تنتهي أحداث الفيلم وهي مازالت قيد التحقيق .. والحسناء بطلة الفيلم (لعبت دورها بحساسية وذكاء هنا شيحة) التي غدر بها الكومبارس وتركها ليقتنص صيداً جديداً (منتجة سينمائية) نسيته .. فقط طالعت صورته _ بلا اكتراث _ على غلاف مجلة فنية وقد أصبح نجماً ..


والبستاني الشاهد على هذا المجتمع البورجوازي الذي يشعل حرمانه .. لا يدينه ولا يكرهه .. لكنه يودعه بحثاً عن عمل جديد ..


وأما الببغاء فقد التهمته القطط الضالة الجائعة ..


وأما أنا فقد استمتعت بمشاهدة فيلم جميل ..