شم النسيم... وما أشبه اليوم .. بالأمس البعيد

02/05/2016 - 3:32:33

سعاد حسنى سعاد حسنى

كتب - يحيي تادرس

قبل الحدث عن شم النسيم أود أن أذكر معلومتين طريفتين ربما لا يعرفها الكثيرون ..


- الفسيخ ... لماذا تختص مصر وحدها بصناعته؟


...


الإجابة: فى غاية البساط والغرابة:


مصر من أولي الحضارات التي عرفت «الملح» في حين كانت أوروبا « ولم تكن أمريكا قد تم انشاؤها بعد» تعرف عنه شيئا فضلا عن التوابل بكافة أنواعها إلا ما كان يجيء إليها عبر رحلة طويلة - تمر بمصر وتتعرض للنهب والسرقة والمكوس «الضرائب» الباهظة.


...


ومن هنا كان أحد أسباب الرحالة البحريين «ماجلان - كولمبس.....» اكتشاف مناجم أو جبال الملح - والتوابل» وبالمرة اكتشاف بلاد جديدة - تصلح للغزو.


... وكم من حضارات تم تدميرها خلال هذه الغزوات الوحشية منها «حضارة الأزتيك / المكسيك» علي يد كورتيز القائد الإسباني الذي لا يذكره التاريخ بأنه الوحش داخل إنسان.


المعلومة الثانية:


لماذا نقول أمثالنا الشعبية «ده عيش وملح» ولماذا مثلا لا نقول عيش ولحمة!!


... العيش معناه الحياة - أما الملح - فهو رمز للخلود «حيث كان أحد العناصر الهامة في التحنيط ومن هنا العيش والملح معناهما هي الحياة .. والخلود.


... انتهت المعلومتان - وأرجو أن أكون قد وفقت في اختيارهما


والآن إلي رحلة ممتعة في تاريخنا حكاية شم النسيم:


... كانت أعياد المصريين القدامي ترتبط بالظواهر الفلكية وعلاقتها بالطبيعة..


وقد حددوا احتفالهم بعيد الربيع «شم النسيم» بالانقلاب الربيعي - الذي يتساوي فيه الليل والنهار - وقت حلول الشمس في برج «الحمل» ويقع في الخامس والعشرين من شهر برمهات.


.... وكانوا يتصورون في معتقداتهم أن ذلك اليوم:


هو أول الزمان وبدء خلق العالم


... وكانوا يحتفلون بإعلانه في ليلة الرؤية - عند الهرم الأكبر.


عندما يجلس الإله علي عرشه فوق قمة الهرم وفي الساعة السادسة وفي ذلك اليوم يجتمع الناس في احتفال رسمي أمام الواجهة الشمالية للهرم حيث يظهر قرص الشمس قبل الغروب.


... وعندما يشطر ضوء الشمس واجهة الهرم


وأطلق المصريون علي هذا العيد «عين شمسو» أي بعث الحياة...


وتؤكد البرديات - أن القدماء قد عرفوا ذلك العيد - بداية من عام 2700 ق.م»


...


هذا وقد نقل اليهود عن المصريين هذا العيد - عندما خرجوا من مصر في عهد النبي موسي عليه السلام حيث اتفق موعد خروجهم مع موعد احتفال المصريين بهذا اليوم بالذات حتي لا يلفتوا أنظار المصريين إليهم أثناء هروبهم مع ما حملوه معهم مما سلبوه من ذهب المصريين وثرواتهم.


 


سفر الخروج - التوراة.


هذا اليوم/ العيد/ يحتفل به اليهود - بعد أن يطلقوا عليه عيد الفصح - والفصح معناها الخروج أو العبور - اعتبروا هذا اليوم رأسا لسنتهم الدينية العبرية تيمنا بنجاتهم وبدء حياتهم الجديدة..


أما لماذا يتم الاحتفال حاليا بهذا العيد عقب احتفال المسيحيين بعيد القيامة.


فلأن هذا العيد - بعد دخول مصر المسيحية - حل خلال الصوم الكبير الذي يسبق أعياد القيامة .. فقرر «البطريرك» حينذاك تأجيل الاحتفال به عقب الأعياد..


...


والأن إلي طوقس الاحتفال بالعيد قديما:


كان الناس يخرجون في جماعات إلي الحدائق والحقول ليكونوا في استقبال الشمس يحملون معهم طعامهم وشرابهم ويقضوا يومهم في الاحتفال ابتداء من شروق الشمس حتي غروبها - وكانوا يحملون معهم أدوات لعبهم ومعدات لهوهم وآلات عزف موسيقاهم وتزيين الفتيات بعقود الياسمين والأطفال يحملون سعف النخيل..


... وفي المساء تقام حفلات الرقص الزوجي والجماعي والتوقيعي علي انغام الناي والمزمار والقيثار ودقات الدفوف تصاحبها الأغاني والاناشيد الخاصة بعيد الربيع «ما أشبه هذا بأغنية سعاد حسني الدينا ربيع» كما تقام المباريات الرياضية والحفلات التمثيلية في الحدائق .. وساحات الميادين.


.... أما نهر النيل - كان يمتلئ بالقوارب التي تزينها الزهور وغصون الأشجار وعلي أشرعتها كلمات الترحيب والتهنئة بعيد الربيع (ما أشبه هذا بما يحدث اليوم من رحلات بالسفن إلي القناطر الخيرية كل شم نسيم).


....


وكان الاحتفال بالعيد يمتد بعد عودتهم إلي المدينة ليستمر حتي شروق الشمس.


وهكذا وبعد تلك المقدمة الطريفة ننتقل إلي وجبتنا الرئيسية


مائدة شم النسيم.


... كانت قائمة الأطعمة المميزة شم النسيم:


البيض - الفسيخ - البصل - الخس - الملانة


ولا تزال معظم شعوب العالم تحتفل في عيد الفصح - بالبيض الملون.. ويسمونه «بيض الشرق»


...


وقد بدأ ظهور البيض - علي مائدة اعياد الربيع مع بداية الاحتفالات بعيد «شمسو» إذا كان - البيض - يرمز إلي خلق الحياة - كما ورد في كتاب الموتي «Bosla ob Death وأناشيد اخناتون.


الله وحده لا شريك له


خلق الحياة من الجماد


فاخرج الفرخ من البيضة


كام صورت برديات منف الإله بتاح «إله الخلق» - وهو يخلق الأرض ويكونها علي شكل بيضة «وبالمناسبة في الأرض ليست كاملة الاستدارة بل إنها ... لا تزال تشبه البيضة!


...


وهكذا تصور البيض مائدة شم النسيم كإحدى الشعائر المقدسة


...


أما فكرة نقش البيض وزخرفته فقد ارتبطت بدورها بقصيدة قديمة أيضا وهي اعتبارهم أن ليلة العيد هي شكل من أشكال «ليلة القدر» التي يستجيب فيها «الإله» لمن يرجوه فكانوا ينقشون علي البيض الدعوات والامنيات ويجمعونه في سلال من زعف النخيل الأخضر ويتركونه في شرفات المنازل أو تعليقها علي فروع الأشجار بالحدائق حتي تتلقي بركات نور الإله عند شروقه .. وبعدها يتبادلون التحية «بدق» البيض - فوق رءوس بعضهم البعض وكانوا يعتقدون أن البيضة التي لا تنكسر - هي التي استجاب «الإله» لدعوات صاحبها...


وانتقلت عادة الاحتفال بأعياد الربيع إلي آسيا وفلسطين قبل أن ينقلها اليهود إلي اعيادهم مع فتوحات تحتمس الثالث عام 1450 ق.م - عندما تصادف حلول العيد اثناء وجوده في فلسطين - وانتصاره في معركة «مجدو».


أما عادة تلوين البيض - وهو التقليد المتبع في جيمع انحاء العالم حتي اليوم - فقد بدأ في فلسطين بعد صلب المسيح - واظهر المسيحيون رغبتهم في عدم الاحتفال بالعيد حداداً وحتي لا يشاركوا اليهود احتفالاتهم - لكن أحد القديسين أمرهم بأن يحتفلون بالعيد - تخليداً لذكري (السيد المسيح) - علي أن يصبغوا البيض باللون الأحمر ليذكرهم دائماً بدمه الذي سفكه اليهود.. وهكذا ظهر بيض شم النسيم - باللون الأحمر..


..


وانتقلت عادة صبغ البيض باللون الأحمر إلي مصر حيث بدأ الأقباط بالحفاظ عليها وتعميمها بجانب ما توارثوه من عادات..


ومن مصر الربيع ينتقل البيض الأحمر عبر البحر الأبيض إلي روما - فظهر في أعياد الربيع الرومانية وبعدها انتشر في أرجاء العالم المسيحي..


..


وبعدها - تباري الفنانون - في ابتكار مختلف وسائل تلوين البيض وزخرفته..


.. تلك هي باختصار - حكاية .. بيض شم النسيم.


..


الفسيخ


.. برع المصريون القدماء في مختلف عمليات صيد الأسماك وتجفيفها وتمليحها..


.. وانضم السمك المملح (الفسيخ) - في عين (شمسو) - في الأسرة الخامسة مع بداية (تقديس النيل - نهر الحياة - الذي ينبع من الجنة) - ومصدر الحياة لأرض مصر وشعبها..


فالحياة في الأرض بدأت في الماء ويعَّبر عنها بالسمك الذي تحمله مياه النيل من الجنَّة - حيث ينبع.


وهكذا يحتل السمك - مكانه بجوار البيض علي مائدة - شمس النسيم..


ويذكر هيرودوت - أن المصريين.. كانوا يأكلون السمك المملح ويرون أن أكله مفيد في وقت معين من السنة - وكانوا يفضَّلون منه نوعاً معيناً - لتمليحه وحفظه للعيد - وأطلقوا عليه اسم (البور) - البوري.


..


وفي بعض البرديات الطبية القديمة للمصريين - أن السمك المملح - كان يوصف للوقاية والعلاج - من بعض أنواع الحميَّات..


البَصَلْ


.. ظهر البصل - ضمن مائدة العيد - في أواسط الأسرة السادسة - وقد ارتبط ظهوره - كما ورد في إحدي البرديات - حين أصيب ابن أحد الفراعين - الذي كان محبوباً من الشعب - بمرض غامض عجز الأطباء والكهنة عن علاجه.. واضطر الابن إلي ملازمة فراشه - لعدة سنوات .. - وخلالها - امتنع الشعب عن إقامة الأفراح، مشاركة للملك في أحزانه.


ماذا يفعل الفرعون؟


.. يستدعي كبير كهنة معبد (أون)..


وبعد قراءة بعض الأدعية والتراتيل - يأمر الكاهن - بإحضار (ثمرة) ناضجة من (البصل) ووضعها تحت رأس الأمير - في فراش نومه - عند غروب الشمس..


.. وعند الشروق /قام بشَّقها ووضعها فوق أنف الأمير - ليستنشق رائحتها..


كما طلب (منهم) تعليق حزم من أعواد البصل الأخضر الطازج فوق رأس السرير وعلي أبواب الغرفة وأبواب القصر لطرد الأرواح الشريرة ويشفي الأمير.. ويحتفل الفرعون احتفالا أسطوريا.. بشفائه.


(ما أشبه هذا (بأسطورة) - دراكولا - حيث يقوم بتعليق ثمار الثوم حول جسد إحدي ضحاياه - لانقاذها منه..).


- وعندما يحل عيد شم النسيم بعد شفاء الأمير - يشارك الشعب فرعونهم - في احتفالاته - بتعليق حزم البصل - علي أبواب منازلهم.. وفي ختام حكاية البصل - فإن المصري القديم كان يطلق عليه اسم (بَصَرْ)..


الخس


.. عرف الخس كعنصر احتفالي ابتداء من الأسرة الرابعة - وقد اعتبره القدماء - من النباتات المقدسة الخاصة بالإله (مِنْ)، إله الخصوبة والتناسل.


.. وقد اشتهرت مدينة (أخميم) - بزراعته وتصديره إلي أنحاء البلاد..


هذا - وقد أثبتت البحوث العلمية، التي قام بها علماء السويد حديثاً - العلاقة بين (الخس) - وخصوبة الرجال.. وأثبتوا أن (زيت الخس) يزيد من (القوة الجنسية) لاحتوائه علي فيتامين H - وبعض تركيبات علاج الضعف الجنسي إضافة إلي فيتامين (ج) وأملاح الكالسيوم والفوسفور والحديد..


..


كما ورد في البرديات الطبية القديمة (أثر الخس) في علاج أمراض الجهاز العصبي وقرحة المعدة والأمراض الروماتيزمية.


أيها الخس.. كم من الفوائد تحتويها أوراقك الخضراء!..


الملانة أو كما يسميها البعض (الحمص الأخضر)


..


كان القدماء يطلقون (اسم حوربيك) - أي رأس الصقر المقدس.


هذا وقد وصفت برديات الطب القديمة - ما يحتوي عليه الأخضر أو المجفف (الُحُّمصْ) من عناصر تستخدم في علاج الكلي والكبد والمثانة ووقاية الأطفال من أمراض الربيع.. كما وصفت بردية آيبرس استعمال الحمص المطحون في وقف نزيف الجروح وتطهيرها وسرعة التئامها..


وقد وصُفت الملانة . بأنها الأجراس التي تعلق عند قدوم الربيع - عندما يهزها نسيم الصباح فيُسمع صوتها.. وهي تتراقص - داعية الناس لاختطافها وحملها إلي موائد العيد!


..


ليس هذا فقط


إذ كانت الفتيات يصنعن من حبَّاتها - عقودا وأساور كما يقمن باستخدامها في زينة الحوائط والأبواب والنوافذ..


..


وكان من تقاليد شم النسيم الفرعونية القديمة - التزين بعقود الياسمين اسمه الفرعوني القديم (ياسمون)، وكانوا يصفونه بأنه.. عطر الطبيعة.


..


عزيزي القارئ


.. ألا تشعر بأن الأمس البعيد يمتد إلي اليوم؟


.. وأن احتفالاتنا مهما كانت أسبابها - دعوة للحب والسلام؟ ثم .. تأمل (مهرجان) ألوان الاحتفالات.. ثياب الأطفال.. باقات الورد.. الخَضرة في مفردات الاحتفال والبهجة - التي ربما يفسدها أصوات الكاسيت بالأغاني الزاعقة.


و .. رحم الله الفنانة سعاد حسني وهي تشدو الدنيا ربيع


المراجع:


العديد من المراجع أهمها:


- كتاب الموت Book of Death


- الأعياد الفرعونية


د. م. سيد كرِّيم


- صلوات إخناتون