صاحب العصا السحرية .. نادر عباسى يعيد «روميو وجولييت» إلى المسرح

02/05/2016 - 3:09:09

روميو وجولييت روميو وجولييت

كتيت - د.رانيا يحيى

قصص الحب كثيرة والعلاقات العاطفية الأسطورية التى جسدت هذه الحالة تملأ أسماعنا وجوانحنا فعلى سبيل المثال عنتر وعبلة ، قيس وليلى وأنطونيو كليوباترا فى إحدى أشهر قصص الحب على الإطلاق والتى شاعت فى ثقافات مختلفة وقد جسد وليام شكسبير ببراعته الأدبية هذه الأيقونة العشقية بعد أن استقى فكرتها من التراجيديا التاريخية الملحمية روميو وجولييت التى كتبها آرثر بروك عام 1562 متأثراً بالقصة الفرنسية لبيريه والتى كتبت قبلها بثلاثة أعوام لتصبح أول علاقة حب فى التراجيديا ويصبح بطلاها المثال السامى الذى يربط بين كل حبيبين أو زوجين فى بداية حياتهما ومنهاجاً لكل قصة حب.


حب أفلاطونى


كان الحب الذى جمع قلبيهما رغم مرارة الأحداث هو الباقى ،فصراع عائلتيهما مونتيجيو وكابوليت صراع قديم منذ الأزل لا يعرف أحد سببه لكنه دام واحتدم ويشاء القدر أن يجمع الحب بين قلب روميو ابن لورد مونتيجيو بجولييت ابنة لورد كابوليت رغم القتال والعداوة المستمرة بينهما وتدور الأحداث فى مدينة فيرونا الإيطالية وتظهر لنا بداية الدراما قصة الحب التى تجمع بين روميو وروزالين وتبدو عليه التعاسة والكآبة وحينما يعلم بإقامة الحفل التنكرى السنوى لعائلة كابوليت يتوجه مع صديقه مركيشيو إلى هذا الحفل لتأكده من ذهاب روزالين حبيبته إليه ،وهناك يتصادف مع الجميلة جولييت التى يقع فى عشقها من الوهلة الأولى ،ولكن لسوء حظهما يلحظ تيبالت ابن عم جولييت بوجود روميو الذى استطاع التعرف على شخصه ويتعمد الشجار معه لانتمائه للعائلة الخصم، لكن يأبى اللورد والد جولييت لسببين أولهما انه ضيفهم فى الحفل وثانيهما حسن خلق روميو المعروف عنه ،وفى نهاية الحفل يكتشفا انتماءهما لكل من العائلتين المتقاتلين وهو ما يحزنهما ويشعل النار داخل قلبيهما.. ولكن بعد انتهاء الحفل يتوجه روميو إلى حديقة قصر جولييت ويقنعها بأن يتزوجا سراً فى اليوم التالى اعتقاداً أن هذا الزواج سيسفر عنه الصلح بين العائلتين المتخاصمتين ..وحينما يذهبا للقس لتزويجهما يخبرهما أن أحد أقارب أمير فيرونا خطب جولييت فيصدما للخبر الذى يعوق إتمام الزواج ويقرر القس مساعدتهما وسط كل الأحداث المثيرة داخل القصة ومطالبة تيبالت من روميو النزول فى ميدان المعارك ليقتتلا وموت مركشيو ينجم عنه قسم روميو للأخذ بثأره ..ويقوم بمنازلة تيبالت ويستطيع روميو قتله ،ويستصدر أمير فيرونا أمراً بتخفيف العقوبة عن روميو بالنفى شريطة عدم وجوده فى هذه المدينة الهادئة ..وتسير القصة فى مجراها ويقوم اللورد والد جولييت بتقديم حفل زفافها يوماً واحداً وتستنجد جولييت بالقس فيخبرها بأنه سيخبر روميو بخطته من خلال رسول يبعثه إليه لمدينة مانتوا وتتجرع جولييت مادة تجعلها نائمة لمدة يومين فيعتقد من حولها أنها فارقت الحياة ،لكن حتى تشتد الأزمة وتصل التراجيديا إلى ذروتها لا يصل الرسول إلى روميو ويعلم بخبر وفاة عشيقته جولييت فيتوجه لشراء سم لرفضه الحياة بعدها مقابل مبلغ كبير من المال ،وحينما يتوجه لقبر عائلتها يرى وجهها ببريقه وحمرته ويتقابل مع خطيبها الذى يعتبر مجيئه لقبرها تدنيساً له فهو من عائلة الأعداء ويتنازلا ويستطيع روميو قتله ثم يتجرع السم ويذهب أثر المادة التى تجرعتها جولييت وتعود للحياة ليسقط بين يديها روميو قتيلاً فتأخذ خنجره وتطعن به صدرها ويفجعها الموت وتصبح ماسأة بوفاة الحبيبين وانتهاء أصدق قصة حب فى حياة البشرية جمعاء .. ويصاب كل من يشاهد هذا المنظر بالألم والفجيعة ثم يخبرهم القس بتفاصيل القصة وتتصالح العائلتان بعد أن يشعرا أنهما السبب الحقيقى وراء قتل أبنىهما ومصدر تعاستهما.


موسيقى ساحرة


وتمثل موسيقى هذا الباليه قمة العبقرية والتصوير الموسيقى لهذه الأحداث التراجيدية البائسة باستخدامه للتوزيع الأوركسترالى والتلوينات البديعة وألحانه المعبرة الأخاذة التى تنساب طيلة المدة الزمنية للباليه ،فضلاً عن هارمونياته المميزة وإيقاعاته النشطة بأشكالها البسيط منها والمركب وموازينه وأسلوبه الموسيقى الذى يخلق رنيناً صوتىاً أوركسترالىا رائعا كذلك الألحان المتشابكة فى نسيج بوليفونى بديع ،والأداء التكنيكى الراقى الذى وضعه المؤلف مرتكزاً على الآلات المنفردة ،أيضاً ألحانه الغنائية التى يرتبط بها الجمهور مع المقدمة الموسيقية فى مستهل العرض والتى يضع فيها أفكاره اللحنية ليعبر بها عن بطلى القصة روميو وجولييت وهو بذلك يكون قد سار على نهج الموسيقى الألمانى الكبير ريتشارد فاجنر الذى ابتدع فكرة اللحن الدال للتعبير عن شخصيات القصة ،وبالفعل استطاع بروكفيف أن يدلل بالموسيقى ويعبر بها عن حالة العشق بروح جمالية إبداعية من خلال استخدامه للآلات الموسيقية التى وزع لها موسيقاه ،ونلحظ الألحان العريضة والغنائية وتبادلها بين عائلات الآلات الموسيقية الوتريات والنفخ بشقيه الخشب والنحاس بالتآزر مع آلات الإيقاع ودورها فى إضافة بعد درامى على موسيقى الباليه ،ومن المدهش أن إبداع بروكفيف وموسيقاه التى يألفها الجمهور بسرعة أنها كتبت فى القرن العشرين ولها بعض خصائص هذه الموسيقى الحديثة من تنافرات وهارمونيات جديدة لكنه بعبقريته كان لديه القدرة على وضع ألحان تتسم بالبساطة والجمال لتظل عالقة بوجدان الجمهور وبالأخص مع ارتباطه بالقصة الإنسانية التى تحاكى ما بداخلنا من مشاعر فياضة تجاه غريزة الحب.. ويساهم الديكور والإضاءة فى خلق الجو العام والسيطرة على عقول الجمهور من خلال العناصر الإبداعية المشاركة جنباً إلى جنب مع الراقصين الذين عبروا عن الأحداث الدرامية بأجسادهم.


بروكفيف المبدع


وصاحب هذا الإبداع الموسيقى المؤلف الشهير سيرجى بروكفيف الذى يعد واحداً من ألمع الموسيقيين الروس الذين تخطت أعمالهم حدود روسيا وطافت العالم بأسره خلال القرن العشرين ،وقد تلقى دروس البيانو الأولى على يد والدته وقام بتأليف أول أعماله للبيانو وهو فى الخامسة من عمره ..وفى سن الحادية عشرة قام بتأليف أوبراتين وكثير من المقطوعات للبيانو ..ثم تعلم على يد جلير الهارمونى والتوزيع الأوركسترالى وبعد التحاقه بقسم التأليف بكونسيرفتوار سانت بطرسبرج درس التوزيع الوركسترالى على يد ريمسكى كورساكوف والكنترابينط على ليادوف وأثبت خلال سنوات الدراسة تفوقه ونبوغه وبعد تخرجه درس القيادة مع نيكولاى تشيربنين والبيانو مع آنا إسيبوفا ،وحصل على الجائزة الأولى فى مسابقة روبنشتاين وهى أهم جائزة تقدم لطلبة قسم البيانو وعزف فى المسابقة كونشيرتو البيانو الأول له كبديل لكونشيرتو كلاسيكى وحاز على إعجاب الجميع.. وبعدها كتب كثير من الأعمال الموسيقية وكان شديد الاهتمام بالموسيقى المسرحية سواء الأوبرا أو الباليه حيث كتب أربع عشرة أوبرا أشهرها المقامر والحرب والسلام وحب لثلاث برتقالات وتسعة باليهات أهمها سندريللا وروميو وجولييت هذا بالإضافة للعديد من الأعمال الأوركسترالية السيمفونية والكونشيرتو والمتتاليات وموسيقى الحجرة والأعمال الغنائية والكورالية ..كما اهتم بشكل كبير بموسيقى الأفلام ووضع موسيقى لسبعة أفلام نالت شهرة كبيرة وخاصة الكسندر نفسكى وإيفان الرهيب والملازم كيجيه. وكان بروكفيف شديد التأثر بالفولكلور الروسى وإيقاع موسيقى الجاز فى بعض أعماله ، واستخدم الهارمونيات الغريبة وغير التقليدية وكانت موسيقاه مزيجاً من التناقضات الحادة بين القوة والرقة، وذات طبيعة قومية تلقائية غير متعمدة نابعة من داخله تدل على ارتباطه العميق ببلده وبالبيئة التى شكلته نفسياً وفنياً.


عباسى وتألق القيادة


وقدم هذا الباليه أخيراً المايسترو المتألق صاحب العصا السحرية لقيادة الأوركسترا نادر عباسى الذى طالما أطل علينا فى كل حفل بالجديد وبطاقات الحب المتجددة التى تجمعه بجمهوره وكذلك مقدمة على أن يخرج لنا لوناً صوتياً مميزاً ،وعباسى هو المايسترو الأشهر فى مصر حيث حصل على جماهيرية غير مسبوقة على مستوى القيادة ذات البعد الجماهيرى بعد أن أبدع فى قيادة حفلات الفنان عمر خيرت واستطاع كسر الحاجز بين الأوركسترا والجمهور، هذا بالإضافة لموهبته الموسيقية الاحترافية التى جعلت منه المايسترو النجم ليس فى مصر وحدها وإنما فى الخارج أيضاً ،فهو الطائر المهاجر لكنه يظل محلقاً فى آفاق بعيدة متألقاً على مسارح وأوبرات العالم يجوبها شرقاً وغرباً مترفعاً عن الصغائر فى انتظار تحقيق حلمه بالعودة إلى وطنه بغية الارتقاء بالمستوى الفنى للأوركسترات فى مصر بما يليق ومكانتها التاريخية.