الحقد والأمل

02/05/2016 - 2:34:50

 تامر عزت تامر عزت

بقلم المخرج: تامر عزت

شاهدت فيلم The Revenant للمخرج «الزميل» إليخاندرو جونزاليس انياريتو وانتابتني مشاعر متعددة أولها الحقد، نعم حقدت عليه وحسدته ليس فقط إعجابا باللغة السينمائية وجماليات الإخراج والتمثيل فهو مخرج معروف بأفلامه المتميزة وهذا هو المتوقع من فيلمه الجديد.


ولكن لانه محظوظ هذا المكسيكي الذي وجد طريقه الى هوليوود وأصبح يستطيع أن يأتي بموضوع فيلم فني مثل هذا ويجد له ممثلا نجما يتحمس له واستوديو يصرف عليه الملايين ويخرج للعالم فيلما أبعد ما يكون عن الشكل المعتاد لأفلام هوليوود في إيقاعه وعناصره البصرية وقلة حواره.. رغم ان البطل ينتصر في النهاية - وهو ايضا يكسر هذا التوقع باسم الفيلم الذي يوحي بانتصار البطل - ولكن باقي عناصر الفيلم في رأيي بعيدة عن التجارية المعتادة في هوليوود.


نعم أحقد عليه لأن اي مخرج مصري لا يجرؤ ان يفكر في عمل فيلم كهذا او حتى التحدث عن مشروع كهذا مع منتج أو ممثل مشهور او حتى مع صديق. والاجابة عن أسئلة مثل فين بقية الحوار؟ 10 جمل للبطل بس؟؟ فين البطولة النسائية؟ فين أغنية الفيلم؟ الناس هتدخل السينما ليه؟ إيه؟ كام يوم تصوير؟ يالهوي !! مش هتستعملوا اي إضاءة خالص؟ يعني إيه السينما صورة؟ الناس هتنام مننا. الناس لازم تتسلى فن بصري ايه وبلا ازرق ايه؟) اشعر بالأسى لأن هذه الأسئلة وغيرها نسألها لانفسنا كصناع افلام بصورة آلية قبل ان يوجهها لنا اي أحد ولا نقول فقط ان هذه قصة أريد ان أحولها فيلما لانها هي ما أريد ان أقوله بلغة بصرية عن الحياة والموت وعن العالم مثلا.


مجرد تعبير "لغة بصرية" يعتبر ترفاً اذا لم يكن يعني «زغللة» أعين المشاهد. الفرق شاسع بين الأسئلة التي يسألها اليخاندرو لنفسه والتي أسألها لنفسي قبل صنع فيلمي القادم. اختيار عدسات التصوير الواسعة طوال الفيلم في حد ذاته هو اختيار ضد كل ما يقال عن صورة السينما في مصر. ضد ثقافتنا البصرية التي تريد فصل الممثل عن المكان المحيط به وبروزته من خلال العدسات الطويلة التي تعطي shallow depth of field بدلا من تصوير الممثل وهو مندمج في البيئة المحيطة به من خلال عدسات تعطي long depth of field وهذا عندنا يطلق عليه "صورة الفيديو" وهذا له معنى طبقي عندنا فالكل يريد "صورة السينما"


والموضوع ليس له علاقة فقط بالميزانيات فكل أفلام انياريتو السابقة كانت قليلة التكاليف. ولكنها اختيارات فنية مختلفة وأسبابها مختلفة ومتحررة وأسئلة تذكرني لماذا احببت السينما منذ اكثر من ثلاثين سنة وكيف أشعرنى هذا الحب بالحرية ولماذا أريد ان أدافع عن هذا الحب من أجل الا ينتهك تحت وطأة منهج في التفكير سالب للحرية يختزل كل شئ لعناصره الشكلية الظاهرية فقط ، خصوصا وأنه لايزال في هذا العالم وعلى أرض الواقع من يصنع أفلاما بدوافع فنية. وهذا شئ يعطيني الأمل في أنه ممكن ويجعلني أقول لنفسي دائما انه ليس مستحيلا .. فقط ابحث عمن يمكن ان يصنع معك هذه الأفلام.