ملك مسلم وممثلة يهودية

08/09/2014 - 10:30:28

كاميليا كاميليا

بقلم الكاتب البريطانى: هيوج ماكليف

بطلة هذه المغامرة فتاة يهودية اسمها «ليليان كوهين» بدأت حياتها في أحد أحياء الإسكندرية الفقيرة.وفي صيف سنة 1946 شاهدها منتج سينمائي مصري مصادفة في أحد مقاهي المدينة، فعرض عليها عقدا للعمل بالسينما، علي شرط أن تصبح خليلته.


وكان هذا العرض بالنسبة لفتاة فقيرة معدمة، مغريا لدرجة لا يمكنها معه رفضه، فوافقت علي الفور. وأقدم المنتج علي تغيير اسمها وأطلق عليها اسم «كاميليا»، إذ لم يكن أي فرد في مصر يقبل أن يدفع ثمن تذكرة ليشاهد ممثلة يهودية.


إلا أن هذا المنتج ما لبث أن وقع في خطأ ما، إذ صحبها معه يوما إلي سهرة في أوبرج الأهرام ليتباهي بها أمام الملك «فاروق» الذي كان المنتج يكن له كراهية كبيرة، واختار منضدة قريبة من منضدة الملك - الذي كان في ذلك الوقت يجلس بجوار «كريم ثابت» - وتظاهر أنه يتجاهل الفتاة الجميلة ذات الشعر الأسود الطويل.


لكن، عندما غادر المنتج و«كاميليا» النادي الليلي في تلك الليلة، أمر «كريم ثابت» أحد أعوانه بأن يتعقبها إلي منزلها، وينتظر هناك حتي يتمكن من التحدث مع الفتاة علي انفراد..


وعندما حانت له الفرصة، وجه مبعوث «كريم ثابت» هذا السؤال إلي الفتاة دون مقدمات: هل تحب أن يقدمها إلي الملك «فاروق» في قصر عابدين؟.. ولم تصدق «كاميليا» يومها ما سمعته.. لقد واتاها الحظ أخيرا فجأة من أوسع الأبواب.. كانت يومها في السادسة عشرة من عمرها.


في عابدين.. كان اللقاء


لقد افتتن «فاروق» بها.. وفي إحدي غرف قصر عابدين، كان لقاؤهما الأول.. وغنت له «كاميليا» بعض الأغاني اليهودية، ورقصت له، وكانت تضحك وتبكي في وقت واحد..


ولكي ترضيه وتحظي بثقته، تظاهرت «كاميليا» أمامه بأنه كان يعلمها حيل الحب، بينما كانت هي التي تقوم بهذا الدور في الواقع، فأمتعته وأنسته عجزه.


وكانت «كاميليا»، إحدي النساء القليلات اللاتي أمكنهن، ولو مؤقتا، إزالة إحساس الملك بعجزه مما مكنه هو من التغلب لفترة علي هذا العجز..وتطورت بين هذه الفتاة اليهودية المتشردة، وبين ملك مصر عاطفة غير عادية، وتعلق بها مثلما لم يتعلق بأية امرأة غيرها من قبل.


وأخبرها «فاروق» بأنه قد اكتشف فيها شيئا ما غريبا وغامضا، لم يلحظه في أية امرأة أخري، وهو كلام أثار النشوة فيها، مماجعلها تتمادي في اغرائه.. لكن: ما أدراها بأنه استخدم نفس ذلك الكلام المعسول أكثر من مائة مرة من قبل؟!!


وكان «فاروق» يومها يود أن يقوم بأول رحلة له خارج مصر، وأراد أن تذهب معه،وسألها: هل هناك مكان رومانتيكي ترغب في زيارته؟..


فقالت «كاميليا» إن أسرتها لها منزل في جزيرة قبرص - وكان الأمر كذلك، لكنه كان كوخا في الواقع - وقالت إن الجزيرة بالغة الجمال والروعة. وتساءلت عما إذا كان يمكنها الذهاب إلي هناك؟.. فوعدها الملك بأنه سوف يحقق لها رغبتها عما قريب.


وفي الخريف، أمر «فاروق» خادمه الايطالي «بوللي» فجأة، بأن يعد اليخت الملكي «فخر البحار» للقيام برحلة في البحر المتوسط، واختار دستة من أصدقائه الذين يعرفون علاقته مع «كاميليا»، ولم يذكر شيئا عن الرحلة لمجلس وزرائه.


وكان من غير الملائم علي الاطلاق أن يختفي «فاروق» بعيدا عن بلاده، في رحلة للمتعة الخاصة، في تلك اللحظة بالذات، إذ كانت المفاوضات بين بريطانيا ومصر حول تعديل المعاهدة المصرية الإنجليزية، وجلاء القوات البريطانية من قواعدها في مصر، تمر في أكثر مراحلها حسما، وكان مجلس الوزراء المصري برئاسة «إسماعيل صدقي» يرغب في الإقرار علي تعهد بريطاني بجلاء عاجل للقوات البريطانية من المدن المصرية وانسحاب كلي من منطقة قناة السويس في 1949.


وكان«إسماعيل صدقي»، رئيس الوزراء، يحاول كذلك إدخال وزراء جدد من الجماعات البرلمانية المعتدلة في حكومته وهو ماكان يحتم علي «فاروق» أن يكون علي اتصال دائم بمجلس وزرائه.


لكن «فاروق» ضرب بكل هذه الاعتبارات عرض الحائط، وحتي يتفادي انكشاف أمره، لم يصحب «كاميليا» معه في يخته، لكنه بعث بها بطائرة إلي قبرض قبله.


إلاأنه مع كل الاحتياطات التي اتخذت بدقة بالغة، فقد قدر للرحلة أن تتحول إلي كارثة. إذ كان «فاروق» مخطئا في اعتقاده بأنه سوف يمكنه قضاء بعض الوقت مع «كاميليا» في جزيرة قبرص، دون أن يلحظه أحد، وأن أحدا لن يكشف أمر وجوده.


لكنه كان واهما في ذلك، إذ ما أن رسا اليخت الملكي خارج ميناء «فاماجوستا»، إلا وكان أميرال البحر البريطاني قد أثار وجود اليخت الملكي المصري في الميناء القبرصي انتباهه، فسعي إلي لقاء الملك، ودعاه إلي العشاء، كما تلقي «فاروق» كذلك دعوة للعشاء من سير «شارل وولي» حاكم الجزيرة.


وفكر «فاروق» كذلك في أن «يمسرح» تعرفه علي «كاميليا»، حتي لا يخمن أحد بالهدف الحقيقي لرحلته. وبعد حفل عشاء أقيم بأحد فنادق نيقوسيا، تم تقديمها إليه، فانحنت له احتراما، ووصفت له عملها في السينما، واستقبلها الملك بعد ذلك وتحدث بإطراء عن صناعة السينما وعن نجمتها الساحرة. وبعد عرضهما المثير للسخرية بعدة دقائق، كان «فاروق» و«كاميليا» يسرعان إلي فندق وناد ليلي في أحد التلال المحيطة بنيقوسيا.


وفي لحظات خلوته معها، وعدها «فاروق» بأن يشتري لها منزلا في الجزيرة، حيث يلتقي بها مرة كل عام علي الأقل، كما وعدها بأنه سوف يصحبها معه في رحلته القادمة إلي أوروبا لكن المتاعب كانت في الواقع في انتظاره.


الشائعات


وبعد وصول «فاروق» الي قبرص بعدة أيام بعثت احدي وكالات الأنباء في الجزيرة ببرقية تحتوي علي قصة لقاء الملك فاروق بممثلة مصرية اسمها «ليليان كوهين»، والتقطت احدي صحف القاهرة هذه القصة ونشرتها في مكان بارز.


وقرأت زوجة «فاروق»،الملكة «فريدة» القصة، وكان عيد ميلادها يقع في نفس ذلك الأسبوع الذي وردت فيه أنباء لقاء «فاروق» مع «كاميليا»، فقالت بغضب:


«هذه هي هدية «فاروق» لي بمناسبة عيد ميلادي»!!


وفي قبرص، تلقي «فاروق» برقية من القصرتفيده بأن لقاءه مع كاميليا قد أثار شائعات كثيرة ووردت بعدها برقيات كثيرة تفيد بحدوث أزمة وزارية حادة.


لقد انتهي كل مشروع


واتضحت عواقب مغامرته الطائشة أمام ناظريه ، لكن في وقت متأخر، فأصابته حالة من الفزع والغضب واتهم «فاروق» «كاميليا» بأنها هي التي أفشت سرعلاقتهما وأنها تحدثت عنها مع آخرين، وأنها كشفت النقاب عن موعد لقائهما. وصاح في وجهها قائلا: «لماذا تحدثت عن ذلك للآخرين؟» فأجابته «كاميليا»


«أنني لم أذكرشيئا لأي أحد يا مولاي، حتي والدتي لا تعرف أي شيء عن ذلك، كما أنها لا تعرف بأمر وجودي هنا معك.»


فصاح «فاروق» « لقد انتهي كل شيء بيني وبينك ،لقد أردت أن أرفعك إلي المستوي الملكي ، لكنك لست صالحة لذلك علي الإطلاق»!


الفراق الأول


وفي صباح اليوم التالي، طرق أحد المسئولين في الفندق باب حجرة «كاميليا» وسلمها مذكرة بلا توقيع كتب فيها:


«لقد اضطررت للرحيل». وبداخل المظروف وجدت خمسين جنيها.. وقد جعلها هذا التعويض الهزيل أكثر غضبا مما سببه لها الرحيل المفاجئ للملك ،إذ كانت قد أنفقت حوالي ألف جنيه لشراء فساتين وأحذية، وكان هذا هو كل ما معها تقريباً، فانطلقت مذعورة الي الميناء، لتعلم أن «فخر البحار» قد أبحر عند الفجر، أي قبل وصول الرسالة إليها بوقت طويل.


وكان «فاروق» قد قرر عدم البقاء في قبرص يوما آخر ، لكنه لم يكن قد تأهب بعد لمواجهة العاصفة المدوية في مصر، فاتجه رأسا إلي الساحل الجنوبي لتركيا، ورسا «فخرالبحار» في ميناء مرسين.


وأثارت رؤية اليخت الملكي المصري ضجة واضطرابا مرة أخري، وطار المسئولون المتحيرون من أنقرة لتحية الملك.


وفي لندن تساءل المسئولون في وزارة الخارجية عما كان يفعله ملك مصر هناك، ووصلت التخمينات في كل من لندن وواشنطن الي حد تصور قرب عقد تحالف بين مصر وتركيا.


وأبرقت الحكومة المصرية إلي الملك، تلتمس منه العودة إلي الاسكندرية، لكنه مزق البرقيات وظل باقيا في «مرسين».


الا أن برقية واحدة عجز عن تجاهلها كانت واردة من «كاميليا» التي كانت لا تزال موجودة في جزيرة قبرص وقالت فيها: «سوف أنتحر إذا لم تعد»


العودة الأولى


ولخوفه من إمكان تنفيذ تهديدها ومن ثم تثير فضيحة جديدة أبحر «فاروق» مرة أخري الي قبرص ليجد «كاميليا » غاضبة وثائرة بسبب معاملته لها وقالت له بمرارة:


«هل استحق في نظرك خمسين جنيها فقط؟!!


فهدأها واسترضاها ، بأن قال لها إن ذلك المبلغ كان مكافأة لها لعثورها علي خاتمه الثمين الذي كان قد فقده في حمامه وأعادته هي إليه، وعرض عليها، كعزاء أن يشتري لها منزلا في قبرص. وأمضيا معا عدة أيام في جبال رودوس واختار لها فيللا.


وفي القاهرة ، كانت الازمة الوزارية قد بلغت ذروتها في ذلك الوقت إلي حد اصرار رئيس الوزراء «اسماعيل صدقي» علي وجوب رؤيته للملك، ووافق «فاروق»علي مقابلته هو ووزير آخر في جزيرة «رودوس» واستقبلهما علي ظهر يخته.


ألا أن أحدا منهما لم يلحظ أن اليخت كان به ضيف فوق العادة.. «كاميليا» الممثلة التي أثارت دويا دولياً.


وعلي ظهر اليخت، دار نقاش طويل بين الملك «فاروق» ورئيس الوزراء المصري والوزير ، انتهت باقتناع «فاروق» بالعودة الي مصر.


وبعد هذه المغامرة الطائشة افترق «فاروق» و«كاميليا» لمدة عام.. وعادت «كاميليا»الي مصر وعاشت في القاهرة والاسكندرية.


الحنين إليها..


وفي منتصف عام 1947، شعر «فاروق» بحنين مفاجئ تجاه «كاميليا»، فاتصل بها تليفونيا.


ولما لم يكن أي أحد مهتما بالخليلة السابقة للملك.. فقد عاشت «كاميليا» حياة عزلة فى شقتها المتواضعة، منذ افتراقها عن «فاروق». وكان قوتها الأساسي هو الفول والخبز.. وفي الليلة التي دق فيها جرس التليفون، كانت قد آوت إلي فراشها مبكرا هربا من الجوع. وقال صوت علي الطرف الآخر من الخط: «أنا فاروق».. ودعاها إلي قصر عابدين، فرفضت في أول الأمر، لكنها ما لبثت ان وافقت بعد إلحاح منه. وعندما وصلت إلي القصر، كان الملك في انتظارها وقد ارتدي عباءة عربية حمراء، وكان «فاروق» قد انتهي من تناول عشائه لتوه، وظل ليلتها يحدثها كلاما معسولا، وهي في حالة ذهول وسرحان فظن انها لاتزال متأثرة من معاملته لها في جزيرة قبرص، فقال لها انه يجب عليها ان تنسي الماضي، وأن تبدأ معه عهدا جديدا، ووعدها بأنه سوف يعوضها عما فاتها في الفترة الماضية، كما وعدها بأنه سوف يشتري لها فساتين وأحذية جديدة، وغادر الحجرة كي يبحث لها عن عدد من مجلات الموضة..


وما ان غادر «فاروق» الحجرة، حتي انقضت «كاميليا» علي ما تبقي من طعامه تلتهمه التهاما، وعندما عاد وشاهدها علي هذه الحالة سألها:


«لماذا لم تخبريني انك لم تتناولي عشاءك بعد»؟


عندئذ أخبرته بقصتها كاملة، وما حدث لها منذ فراقهما، وكيف عاشت طوال تلك الفترة بلا عمل وبلا مال، فأعطاها مائة جنيه، كانت آخر هدية منه لها.


الفراق الثاني


ودامت اللقاءات بينهما عدة أشهر ثم افترقا مرة أخري عندما اتهمها بأنها تنشر الشائعات عن علاقتهما، وكان محقا في شكوكه إلي حد ما هذه المرة، وبدأ انفصالهما نهائيا، إلي ان اكتشف «فاروق» انه قد تمت خطبتها إلي أحد المصورين..


وعادت «كاميليا» في احدي الليالي من سينما مترو لتجد سيارة القصر الرولزرويس، واقفة أمام العمارة التي تقع فيها شقتها المتواضعة. لقد بعث لها الملك بعرض استعطافي مع «بوللي»: سلة من البرتقال. ورفضت «كاميليا» أن ترد علي طلباته التليفونية عدة مرات، لكنها ما لبثت ان رضخت وواقفت علي الالتقاء به.


وكان لقاء عاصفا عصبيا.. وصرخ «فاروق» في وجهها قائلا: «هل تهربين مني؟ .. ومن هو ذلك الرجل الذي سوف يأخذك مني إننى أود أن أعرف اسم ذلك الرجل الذى يسرق صديقتي»؟


- «انه الرجل الذي سوف أتزوجه»


فعاد يصيح في وجهها:


«يالك من غبية.. ما هو الأفضل: ان تصبحي صديقة الملك أم زوجة لرجل تافه»؟


ومع ذلك، فقد داومت «كاميليا» علي الالتقاء به، علي الرغم من انها لم تكن تعول علي ذلك كثيرا.


مشكلة خاصة


غير أن نشوب حرب فلسطين عام 1948 ودخول مصر الحرب أثار مشكلة خاصة صغيرة: كانت تتعلق بـ «كاميليا»، أو «ليليان كوهين»، التي لجأت إلي «فاروق» لتخبره أن السلطات المصرية في سبيلها إلي إلقاء القبض عليها كيهودية تعمل لصالح العدو.. وسألته عما إذا كان يمكنه مساعدتها للعثور علي شاليه ساحلي في الإسكندرية تختفي فيه.. فما كان من «فاروق» إلا أن طرد أحد وزرائه من شاليهه في الإسكندرية، وأسكن «كاميليا» فيه بدلا منه، ومن ثم كان فى مقدوره أن يزورها سرا أثناء القتال.


الحقيقة عارية


وفي ذلك الوقت، دار نقاش صريح بين الملك «فاروق» ورئيس وزرائه «النقراشي» حول علاقاته مع «كاميليا»، وعن مغامراته..


اذ توجه «النقراشي» يوما إلي الملك «فاروق» وقال له:«لقد نما إلي علمي ان عددا من النساء اللاتي تلتقي بهن جواسيس، وان اليهود يحصلون علي معلومات منهن، كما علمت ان هناك علاقة حب بينك وبين فتاة يهودية».


فرد «فاروق» عليه بحدة قائلا: «هراء في هراء.. لا تصدق هذه القصة، لقد كان لي بالفعل علاقة مع فتاة يهودية، لكنني تركتها، وقطعت علاقتي بها كلية».


- «ان في امكان اليهود استخدام هذه الفتاة لاغتيالك» فهز «فاروق» كتفيه وقال: «ان حياتي من شئوني الخاصة».


فأجابه «النقراشي» قائلا: «لا، ان حياتك لم تعد من شئونك الخاصة، ان اليهود أعداؤنا، والشعب يلاحظ انك تقامر مع اليهود في نادي السيارات الملكي، وأصبح الشعب يتساءل: كيف يمكن للملك ان يلعب القمار مع أعداء البلاد»؟