مصر والإمارات.. حب أكبر من المليارات

27/04/2016 - 10:26:38

المصور

فى الإمارات سر غريب! سر يجعلها تتنفس العروبة، لا هواء يملأ صدر الإماراتيين سوى الهواء العربى، “أبوظبى” هواها عربى، برغم أن الإمارات دولة يعيش فيها الإنسان من كل لون وجنس، وتحيا على أرضها عشرات الأجناس من البشر، لكن ما السر الغريب فى هذا؟ من يقرأ التاريخ العربى- حين كانت هذه الأمة فى أوج مجدها- يجد تنوعاً بشرياً فريداً على أرض «الخلافة»، التى كانت تمتد من الصين شرقاً إلى إسبانيا غرباً.. الإمارات تختزل التجربة التاريخية العربية القديمة على أرضها المطلة على سواحل الخليج العربى، كل الأجناس التى كانت تحيا فى دولة الخلافة العربية القديمة تعيش على أرض الإمارات فى تجانس ومحبة، والأهم أن الجميع يتبارون فى حالة إبداع جماعية، جعلت من تجربة الإمارات تجربة فريدة فى “التنمية الإنسانية” إن جاز التعبير، وهذه التجربة ذات الطابع الإنسانى العالمى.. لا تؤثر سلباً فى الهوى العربى للإمارات، هذا الهوى الذى يتجسد فى علاقة شديدة الخصوصية تجمعها بمصر.. قلب العروبة النابض، وهى العلاقة التى كان آخر سطورها- إلى الآن- المليارات الأربعة من الدولارات التى ضختها الإمارات فى شرايين اقتصادنا الوطنى.


هذه ملحمة يمكن اختصارها- لدواعى الصحافة، التى تؤثر العبارات القصيرة والقصص الموجزة- فى هذه الصفحات. نبدأ سطورها من السطر الأخير، حين زار الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولى عهد “أبوظبى” نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة فى دولة الإمارات العربية الشقيقة القاهرة أواخر الأسبوع الماضى، ولم يغادر مطار القاهرة عائداً إلى “أبوظبى” حتى كان قد أعلن رسمياً تقديم الإمارات لمصر ٤ مليارات من الدولارات، مليارين منها للاستثمار فى عدد من المجالات التنموية، ومليارين منها وديعة للبنك المركزى لدعم الاحتياطى النقدى.


كان الشيخ محمد بن زايد نبيلاً فى طريقة إعلان الخبر.. قال إن بلاده تقدم هذه المليارات تعزيزاً لمسيرة التنمية المصرية، فمصر- على حد قوله- ركيزة للاستقرار وصمام أمان للشرق الأوسط بما لها من ثقل استراتيجى وأمنى ودور ريادى فى المنطقة.


لم يقدم الشيخ محمد المليارات الأربعة صامتاً، ولا قدمها بلهجة يبدو منها الاستعلاء.. فهو أولاً يدرك أن مصر هى الدولة رقم واحد فى المنطقة ولا يهز هذه المكانة كونها تمر بأزمة اقتصادية، وثانياً.. هو ولى عهد الإمارات، التى يحبها المصريون وتحب المصريين، ويعمل بها أكثر من ربع مليون يد عاملة مصرية فى شتى المجالات.. كان الشيخ محمد كمن يقدم هدية حقيقية للشعب المصرى، تقبلها المصريون بمحبة وافرة.


يشعر المصريون بأن الإمارات بلدهم الثانى حقاً، ويشعر الإماراتيون بأن مصر بلدهم الثانى أيضاً، قارىء هذه السطور عليه أن يدرك أننا لا نكتب هنا كلاماً إنشائياً ولا ننحت تعبيرات مجازية، هى علاقة استثنائية بين الشعبين، ابتدأها المغفور له حكيم العرب الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ويمضى على دربها الشيخ خليفة بن زايد رئيس دولة الإمارات.. زايد بن سلطان- أو الشيخ زايد- حبيب المصريين، إنه الحاكم العربى الوحيد الذى بكاه المصريون حين رحل مثلما بكوا رؤساءهم، وهو الذى أوحى أولاده والمقربين منه بمصر والمصريين طوال الوقت، ويتردد اسمه عشرات الآلاف من المرات يومياً فى مصر.. فثمة مدينة سكنية ضخمة تحمل اسمه بجوار مدينة السادس من أكتوبر، هى “مدينة الشيخ زايد”، يسكنها مئات الآلاف من المصريين، البسطاء منهم والأغنياء سواء بسواء.. ولا يمكن لمصرى ألا يحب الشيخ خليفة بن زايد، الرجل الذى عمل بوصية أبيه الجليل الراحل، فأحب مصر والمصريين ووقف ولايزال يقف إلى جوارهم بكل قوة، بروح عربية أصيلة، وأجمل ما فى هذه العلاقة بين مصر والإمارات.. أن الإمارات لا تريد شيئاً من مصر، لا أطماع لها فى شئ، ولا ترمى بهذا التصرف إلى أهداف أخري.. لعل الإمارات هى الدولة الوحيدة فى العالم.. التى إذا وقفت إلى جوار مصر، تكون وقفتها هذه تعبيراً عن الحب، وهذا ليس مجرد كلام نطلقه، هذا كلام مستدل عليه بتاريخ علاقات القاهرة وأبو ظبى على مر السنين، كل ما تريده أبو ظبى أن ترى القاهرة فى أحسن حال، وكل ما تتمناه القاهرة أن ترى “أبو ظبي” فى أحسن حال.. فهل بعد هذا ما يمكن الاستدلال به على الأخوة؟ إنها علاقة تستعصى على التحليل السياسى بمفرداته وأدواته التقليدية، إنها “المحبة العربية”، تلك التى تختلف عن أى أنماط أخرى للمحبة، المحبة العربية فيها نبل، وإنكار للذات، وشموخ، وتخلو من الغرض.. هكذا هو الحب بين مصر والإمارات، فوق المليارات على ما لهذه المليارات من أهمية فائقة، إنها علاقة اثنين من الأشقاء، من أم واحدة وأب واحدمن دون مبالغة أو تضخيم..!


ولنرجع إلى الماضى.. تحديداً العام ١٩٧١.


فى ذلك العام، أعلن اتحاد الإمارات الذى يشكل الآن دولة الإمارات العربية المتحدة، وكانت مصر فى طليعة الدول التى أيدت الاتحاد بصورة مطلقة.. وبعد عامين اثنين فقط، كان الشيخ زايد بن سلطان - مؤسس الدولة وحبيب المصريين - فى طليعة من وقفوا إلى جوار مصر - قلب العروبة النابض - فى حربها ضد العدو الإسرائيلى فى السادس من أكتوبر ١٩٧٣.. أعلن زايد العربى الأصيل أن بلاده تدعم “المعركة القومية” حتى آخر “فلس” فى خزانتها، وقال زايد كلمته المشهورة “ليس المال أغلى من الدم العربى وليس النفط أغلى من الدماء العربية”.. وقطع زايد إمدادات النفط عن الدول المؤيدة لإسرائيل فى الحرب، مما كان له أثر واضح على موقف هذه الدول من الحرب، وبما عزز موقف مصر وسوريا - دولتى المواجهة - على الجبهتين..!


وفتح زايد أبواب دولته الوليدة للمصريين، صحيح أنه فتحها لجميع جنسيات العالم (عدا الإسرائيليين بالطبع..)، لكنه منح المصريين رعاية خاصة وأولاهم حباً من طراز فريد.. حتى بلغ عدد المصريين العاملين فى الإمارات ما يزيد على ربع مليون يد عاملة فى جميع المجالات.


وأسس الشيخ زايد مدينته التى تحمل اسمه إلى جوار مدينة السادس من أكتوبر، هدية منه للشعب المصري، ذلك الشعب الذى يملك أمام حب الشيخ زايد - رحمة الله عليه - إلا أن يبادل الإمارات حباً بحب، وعرف المصريون بمحبتهم للشيخ زايد على وجه التحديد.. ونظروا إليه بوصفه رجلاً حكيماً عاقلاً، ومن أهم بناة الدول فى العصر الحديث..!


امتدت أواصر المحبة هذه بين مصر والإمارات فى عصر الشيخ “خليفة بن زايد” رئيس الدولة الحالى، والذى خلف أباه الراحل الجليل.. فكان خير خلف لخير سلف.. يكفى الشيخ خليفة وقوفه بقوة عقب ثورة ٣٠ يونيه المجيدة إلى جوار إرادة الشعب المصرى الذى أطاح بحكم “المحظورة”، وأيدت أبو ظبى تولى المستشار عدلى منصور رئاسة مصر مؤقتاً، ودعمت - بالكامل - الشعب المصرى فى تنفيذه خارطة الطريق، التى أعلنها المشير “عبدالفتاح السيسي” - وزير الدفاع آنذاك - بمشاركة القوى السياسية والدينية.


وشهدت السنوات الثلاثة التى تلت ثورة ٣٠ يونيه تنسيقاً وثيق العرى بين القاهرة و “أبو ظبي”، فى القضايا الفلسطينية والعراقية واللبنانية وغيرها.. ليس فقط على المستوى السياسى ولكن “الثقافي” أيضاً، ففى مايو ٢٠١٥ استقبل الرئيس عبدالفتاح السيسى د. سلطان القاسمى عضو المجلس الأعلى بدولة الإمارات العربية المتحدة وحكم الشارقة، وقدم له قلادة الجمهورية تقديراً لمواقفه الداعمة لقطاع الثقافة فى مصر وحرصه على إنشاء دار جديدة للوثائق القومية في منطقة الفسطاط بحى مصر القديمة.


وإذا كان الشيخ محمد بن زايد قد حل ضيفاً عزيزاً على مصر الأسبوع الماضى فإن الرئيس عبدالفتاح السيسى حل ضيفاً على الإمارات في أواخر أكتوبر الماضى.. وتباحث مع الشيخ محمد بن زايد ولي العهد فى جميع الملفات الإقليمية المهمة، لاسيما ما يتعلق بالأزمات فى سوريا واليمن وليبيا والعراق وسبل التعاطى مع تداعياتها على الأمن العربي القومى.


قبل ذلك بشهرين حل وفد إماراتى رفيع المستوى ضيفاً على مصر فى حفل افتتاح قناة السويس الجديدة، كان على رأس هذا الوفد الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبى، والدكتور سلطان القاسمى حاكم الشارقة، والشيخ سلطان الجابر وزير الدولة الإماراتى.. واستقبلهم الرئيس السيسى.


وفى يناير ٢٠١٥ قام الرئيس السيسى بزيارة للإمارات للمشاركة فى أعمال القمة العالمية لطاقة المستقبل، استقبله خلالها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم والشيخ محمد بن زايد وتسلم الرئيس السيسى “جائزة زايد” الفخرية لطاقة المستقبل، من محمد بن راشد.


ومن الصعب أن تحصى الزيارات المتبادلة بين البلدين، سواء على مستوى القيادة - الرئيس السيسى ومن يقابله من الجانب الإماراتى فى الترتيب السياسى - أو وزراء الدفاع والخارجية، أو رؤساء الحكومات.. الطريق بين القاهرة وأبو ظبى ودبى ودولة الإمارات عموماً.. مفتوح، هواؤه نقى، شمسه ساطعة، وسماؤه صافية، الطريق لاتشوبه شائبة، ألم نقل من قبل إنها علاقة أخوة؟!


اقتصادياً.. حدث ولا حرج - وفق التعبير العربى القديم - فالأمر في هذا المجال - الاقتصاد - يعز على إحصاء تفاصيله بالفعل..!


في ديسمبر الماضى - مثلاً - أعلنت الإمارات أنها أنجزت وسلمت الحكومة المصرية حزمة من المشروعات التى تركز على مجالات التعليم “تم تسليم ١٠٠ مدرسة جديدة فى ١٨ محافظة” وتم إنجاز برنامج “التدريب من أجل التشغيل” الذى ركز على تدريب المرأة والشباب واستفاد منه ٨٠ ألف متدرب ومتدربة تلقوا خبرات سوق العمل.


وفى مجال الرعاية الصحية تم تسليم ٧٨ وحدة لطب الأسرة موزعة على ٢٣ محافظة، وفى الإسكان تم تسليم ٥٠ ألف وحدة سكنية، وفى مجال الطاقة تم بناء وتسليم محطة “شعب الإمارات” لتوليد الكهرباء بالطاقة الشمسية فى سيوة، وفى “الأمن الغذائى” يجرى الآن تنفيذ مشروعات لتعزيز قدرات مصر الغذائية عبر بناء ٢٥ صومعة تضيف مليوناً ونصف المليون طن من الطاقة التخزينية للحبوب.


لقد مدت الإمارات يد العون بلا انقطاع لمصر عقب ثورة ٣٠ يونيو المجيدة، فقد بادرت إلى تقديم مساعدات مالية وعينية قدرها ٣ مليارات دولار لمصر فى إطار حزمة مساعدات خليجية لمصر، بلغت ١٢ مليار دولار، ثم واصلت دعمها لاقتصادنا بعد توقيع اتفاقية مساعدات خلال أكتوبر ٢٠١٣ بما قيمته ٤ مليارات و ٩٠٠ مليون دولار، شملت منحة بقيمة مليار دولار، فضلاً عن توفيرها وقوداً لمصر قيمته مليار دولار أخرى، بما عزز وساند الموقف المالى لمصر ولايزال.


هذه - فقط - مجرد مؤشرات للعلاقة الأخوية شديدة الخصوصية بين مصر والإمارات، تلك العلاقة التى بدأت قبل ٤٥ عاماً هى عمر دولة الإمارات الشقيقة، وقفت خلالها إلى جوار مصر فى الحرب والسلم، وفى التحديات ضد الإرهاب، وفى التنمية الشاملة، وفى رسم خطى المستقبل.. وفى التغلب على مصاعب الحاضر.


كل هذا ولم تطلب الإمارات أى مقابل، ولن تطلب، لأن “بلد الشيخ زايد” - كما يسميها البسطاء من أهل مصر - بلد عربى الوجه واليد واللسان على قول المتنبى قديماً، وإن تعددت الجنسيات التى تعيش فيها، وهو تكوين عبقرى لها الخروج من إطار «الاقتصاد النفطى» إلى رحاب واسع، يجعلها الدولة يضمن النموذج بين دول الخليج العربي كله، التى تشهد تنمية شاملة، محسوبة على أسس واقعية وعلمية صلبة.. وتضمن لها مكانة مرموقة بين الأمم، وأجمل ما فى “التجربة الإماراتية” هو جانب العشق الفريد بينها وبين مصر، ذلك العشق الذى يؤكد خصوصية تجربة الإمارات فى التنمية.. وأهم ما فيها “تنمية الإنسان” ، ذلك الإنسان العربى الذى يحيا فى مصر وفى الإمارات وكل العواصم الناطقة بالضاد..!