مشروعات سيناوية بأموال سعودية

27/04/2016 - 10:07:04

تحقيق : أميرة جاد

على مدى ثلاث سنوات تقريباً ارتبط اسم سيناء «بالإرهاب» سواء حربا عليها أو هجمات منها، فالأخبار من سيناء خلال العامين الأخيرين لا تخرج عن «سقوط شهداء جدد خلال هجوم إرهابي» أو «مقتل عدد من العناصر الإرهابية فى إطار الحرب الدائرة على المتطرفين»، لكن خلال الأسابيع الماضية اختلفت اللهجة وتغيرت لغة الحديث عن سيناء، وبدلا من الإرهاب أصبحت المشروعات وبدلاً من أعداد القتلى الإرهابيين أو شهداء الجيش والشرطة وأبناء سيناء أصبحت أرقام الاستثمارات القادمة إليها، فقد أصبحت سيناء هى منطقة التحدى ليس فقط لمصر بل للدول العربية كلها بعد أن أيقن الجميع أن هدم المخططات الغربية ضد المنطقة لابد أن يبدأ من مصر وتحديداً من سيناء ولهذا لم تتردد السعودية أن تكون سندا ًقوياً لكل المشروعات التنموية التى تستهدف الدولة إقامتها فى سيناء بل وكذلك إقامة استثمارات، فالتنمية والاستثمار فى سيناء أصبح الجزء الأكبر منه بالأموال السعودية، بداية من جامعة الملك سلمان و٩ تجمعات سكنية – إلى إبرام ١٠ اتفاقيات تنموية بإجمالى تكلفة بلغت ١.٧ مليار دولار، ٢٠٠ مليون دولار منها منحة لاترد و الـ ١.٥ مليار المتبقية قرض ميسر، الاتفاقية الأولى: تتضمن إنشاء ٤ وصلات فرعية لربط طريق محور التنمية بالطريق الساحلى بطول ٦١ كيلومترا، بقيمة ٥٠ مليون دولار، والاتفاقية الثانية: تتضمن إنشاء طريق محور التنمية بطول ٩٠ كيلو مترا بقيمة ٨٠ مليون دولار، من أجل خدمة التجمعات السكنية الجديدة فى شرق قناة السويس وربطها بالدلتا غرب القناة.


فيما تستهدف الاتفاقية الثالثة: استكمال إقامة جامعة الملك سلمان بن عبدالعزيز، بقيمة ٥٠ مليون دولار، حيث تتضمن هذه الاتفاقية استكمال التجهيزات الخاصة بالجامعة، والاتفاقية الرابعة: هى إنشاء ١٣ تجمعا زراعيا فى شبه جزيرة سيناء بقيمة ١٠٦ ملايين دولار، منها ١١ فى شمال سيناء، واثنان فى جنوب سيناء، حيث يهدف لزراعة ٢٣ مليون متر مربع واستغلال الطاقات البشرية فى التنمية، وإتاحة فرص عمل للشباب فى سيناء، والاتفاقية الخامسة: هى استكمال التجمعات السكنية فى شبه جزيرة سيناء بواقع ١٧ تجمعا سكنيا منها ١١ فى شمال سيناء و٦ فى جنوب سيناء، بقيمة ١١٣ مليون دولار، والاتفاقية السادسة: إنشاء ورصف طريق الجدى بقيمة ٦٦ مليون دولار، وتهدف لدعم التنمية فى وسط شبه جزيرة سيناء، فى نقل البضائع والمنتجات، من منطقة المشروع إلى قناة السويس، عن طريق تأهيل الطريق المقبل، والإسهام فى الحد من الحوادث.


أما الاتفاقية السابعة: فهى إنشاء محطة معالجة ثلاثية للصرف الصحى بقدرة مليون متر مكعب يومى بقيمة ٢١٠ ملايين دولار، حيث تهدف لتوفير مياه الزراعة فى محافظة الإسماعيلية، واستصلاح أراضٍ زراعية بمساحة ٦٠ ألف فدان، والاتفاقية الثامنة: تتضمن إنشاء سحارة جديدة فى سيناء بقيمة ٦٦ مليون دولار، حيث تهدف الاتفاقية إلى توفير مياه الزراعة من خلال استغلال مياه مصرف المحسمة وقدرها ٢٥٠ مليون متر مكعب لاستصلاح أراضٍ زراعية، والاتفاقية التاسعة: تتضمن إنشاء طرق النفق طابا بقيمة ٢٨٠ مليون دولار، لربط مدينة طابا ورأس النفق بغرب قناة السويس، والاتفاقية العاشرة: مشروع تطوير طريق عرضى (١) بقيمة ١١٤ مليون دولار، ويهدف لخدمة التجمعات السكنية الجديدة بشرق قناة السويس، ويربط الطريق الساحلى بطريق نفق طابا.


الاتفاقيات التنموية لسيناء بأموال سعودية تفتح أبوابا للأمن الاقتصادى بسيناء، ولكن هل هذه الاتفاقيات هى كل ما تحتاج إليه سيناء ؟، وهل هناك ضمانات حقيقية على جدية تنفيذ هذه الاتفاقيات التى تفتح بابا لتعمير سيناء، التى لا يساهم الجزء الجنوبى منها «محافظة جنوب سيناء» سوى بـ ٤٦ مليار جنيه من إجمالى الناتج القومى ؟، والذى قدرته الحسابات الإقليمية الصادرة عن وزارة التخطيط بـ ٢ تريليون و٨٣٤ مليون جنيه، فيما يسهم الشمال منها «محافظة شمال سيناء» بـ٢٣.٣ مليار جنيه وإجمالى الناتج القومي، وهى أرقام هزيلة جدا مقارنة بالمقومات الاقتصادية والجغرافية وأيضا الجيولوجية لشبه الجزيرة.


من جانبه يقول الدكتور عبدالعاطى سالمان أستاذ الاقتصاد الجيولوجى والمتخصص فى الشأن السيناوي: إن هذه المشروعات التنموية التى أعلنت السعودية عنها مؤخرا تمثل جزءا بسيطا فى المشروعات التنموية المطلوبة تنفيذها فى سيناء، هذا بالإضافة إلى أن معظمها يمثل خطابات نوايا أو اتفاقات مبدئية وسوف يستغرق المضى فى الإجراءات التنفيذية وقتا طويلا، بالإضافة إلى أن هذا المبلغ يمثل جزءا ضئيلا من التمويل فى المشروعات التنموية المطلوبة لسيناء، حيث إن سيناء تحتاج إلى مشروعات تنموية فى مجالات الاستثمار التعدينى والصناعى والزراعى والسياحى والثقافي، بالإضافة إلى أن هناك مئات الفرص الاستثمارية، التى يمكن أن تنفذ بتمويلات مصرية، و كان ينبغى أن يبدأ الاستثمار بأموال مصرية فى البداية حتى يشجع الاستثمار الخارجى بالدخول إلى مصر، وحول القطاعات الموجه لها الأموال السعودية، قال سالمان إن الاستثمارالعقارى يطغى على باقى القطاعات التى تحتاجها المنطقة، ولا نقول إنها ليست مهمة ولكن ينبغى أن يكون هناك اهتمام بقطاع الصناعات التعدينية خاصة فى سيناء الغنية بالعديد من المعادن. وأكد سالمان أن مصر أمام ثلاثية صعبة تتمثل فى بلد معظم أراضيه صحراء نادرة المياه، التعداد السكانى كبير وموزع فى مساحة ضيقة وموارده الاقتصادية محدودة، ويعتبر الاستثمار التعدينى والصناعى أقل فى استهلاك المياه إذا ما قورن بالمشروعات التنموية الأخرى، كذلك تعتبر مشروعات التعدين من الأنشطة كثيفة العمالة، وهذا بالتأكيد سوف ينعكس على خفض نسبة البطالة بين الشباب بالمنطقة.


وتجدر الإشارة إلى أن أول ما يلفت النظر فى شبه جزيرة سيناء تلك المساحات الشاسعـة من الأراضى الصحراوية وما تحتويه جبالها وهضابها من ثروات طبيعية متنوعة لو أحسن التخطيط لاستغلالها، لتحولت سيناء إلى منطقة جذب للاستثمار التعدينى والصناعي، وازدادت فيها الكثافة السكانية المنتجة وتغيرت الأحوال الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية إلى الأفضل، وبالتالى سوف ينعكس ذلك إيجابيا على مصر كلها.


وفيما يتعلق بالمنطقة الحرة المزمع إنشاؤها بالمساعدات السعودية، قال سالمان إن المناطق الحرة تخدم عادة الدول المشتركة فيها ولكن ما نحتاج إليه هو كيف ندير هذه المنطقة حيث تعتمد درجة الاستفادة منها على الإعداد الجيد لأهدافها والأنشطة التى سوف تمارس بها.


فى السياق نفسه قال الدكتور عدلى حسين خبير التنمية المستدامة والتخطيط الاستراتيجى والمستشار غير الدائم للأمم المتحدة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: إن أى مشروعات تنموية ترتكز على محورين هامين، الأول هو الأمن والثانى المتابعة والاستمرارية، أما عن الأمن فقد تركزت أغلب المشروعات التنموية الممولة من السعودية فى الشمال، وهى مناطق التوتر الأمني، ومن الواضح أن النظام يستهدف التعمير للقضاء على البؤر الإرهابية من خلال التعمير والتنمية، أما عن الاستمرارية فهذا أمر مشكوك فيه لأن هذه ليست المرة الأولى التى يتم فيها الإفصاح عن النية والرغبة فى تعمير وتنمية سيناء، فهذا الخطاب معتاد عليه منذ تحرير سيناء أى منذ ما يتجاوز الخمسة وثلاثين عاما، وكل الخطط التنموية لسيناء خمسية تتغير بتغير السياسات والمسئولين، وكان من المهم وجود خطط خمسينية لمنطقة حساسة مثل شبه جزيرة سيناء، وقال عدلى حسين «متفائل بالمشروعات السعودية التنموية فى سيناء، ولكنى متحفظ على الخطط والتخطيط»، مؤكدا أن التمويل الممنوح من السعودية لم يتم التخطيط لاستغلاله، والدليل خلو بيان الحكومة أمام مجلس النواب من أى خطط تنمية لسيناء، وحول نوعية المشروعات التى تمولها السعودية فى سيناء قال حسين «لا حرج فى أن يتم تمويل مشروعات خدمية مثل تلك التى تتبناها السعودية فى سيناء، وخاصة أن قطاع الخدمات يطلق عليه الجزء الثالث من الاقتصاد، ولكن، لابد أن يكون هذا بالتزامن مع الاستثمارات الخدمية استثمارات صناعية حتى نحافظ على الوارد من العملة الأجنبية ونعظم القيمة المضافة من هذه المنطقة، لافتا إلى أنه إذا كان الاهتمام بالسياحة دون تصنيع فسوف يتم استهلاك العملة الأجنبية الواردة من السياحة فى استيراد مستلزمات للقطاع السياحى من الخارج، وبالتالى يخسر القطاع ما يحققه من دولارات.


فى الوقت نفسه قال سامى سليمان رئيس جمعية مستثمرى طابا ونويبع: إن الاستثمارات السعودية فى منطقة شبه جزيرة سيناء حتما ستخدم المنطقة، ولكن كان ينبغى أن يكون التخطيط للاستثمارات بشكل مختلف، فمن غير المنطقى أن نبدأ استثمارات جديدة بينما هناك استثمارات متوقفة وأخرى متعثرة فى منطقة سيناء عقب الثورة لأسباب بعضها مالي، والبعض الآخر أمني، مؤكدا أن إجمالى عدد الفنادق العاملة فى منطقتى طابا ونوبيع ٧ فقط من إجمالى ٣٠ فندقا، مشيرا إلى أن نسبة الإشغال السياحى فى طابا ونويبع وهى المنطقة التى لا يقدر جمال طبيعتها بأى أموال – وفقا لسليمان – ٢١ ٪ بينما تتجاوز نسبة الإشغال فى إيلات والعقبة ٧٠٪، وهو ما يرجع إلى أسباب مالية بالأساس، نظرا لتراكم المديونيات العامة على المستثمرين السياحيين وعدم قدرتهم على التجديد والصيانة لمنشآتهم، وأضاف سليمان أن من بين الاستثمارات العامة المتوقفة والتى تخدم المنطقة أمنيا واقتصاديا – مشروع طريق نويبع الذى بدأته الحكومة منذ نحو ٦ سنوات و لم ينتِه إلى الآن، وأرجع سليمان سوء تحديد الأولويات فيما يتعلق بالاستثمارات فى منطقة شبه جزيرة سيناء إلى عدم تعاون الجهاز الوطنى لتنمية سيناء مع المستثمرين العاملين فى المنطقة، وألمح سليمان إلى أن تعاون المستثمرين مع الحكومة إلى جانب قبائل سيناء سيكون له مردود أمنى قبل أن يكون له مردود استثماري، لافتا إلى أن التعمير إحدى آليات طرد الإرهاب من المنطقة بشكل نهائى وخاصة فى ظل منطقة غنية مثل شبه جزيرة سيناء شمالا وجنوبا.