أرض ليست كغيرها

27/04/2016 - 9:51:09

د. عادل اليمانى

يوم ارتفع علم مصر خفاقا فوق رمال سيناء  ،  جرت من العين دمعة صادقة ، جرت من العين دمعة طاهرة ، حقا إن أطهر ماء هو ماء الدمع ؛ إنه من نبع القلب .


عادت الأرض ، ومعها الكرامة الوطنية ، يوم حمل فيه الأبطال المخلصون أرواحهم فوق أكفهم فى السّادس من أكتوبر من عام ٧٣ ، واختاروا الموت من أجل أن يحيا الوطن.كانت أعمالهم عظيمة ، يجمعهم هدف واحد ، أن تتحرر الأرض ، وتعود الكرامة.لا يشغلهم كم سيبذلون من أجل هذا الهدف ،  وما حجم التضحيات اللازم تقديمها. 


ولأن النية كانت صادقة ، والعزيمة كانت قوية ، كانت يد الله فوق أيديهم ، فتحقق النصر بعون الله ومدده  (وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ). وبعد هذا النصر العظيم ، انتهت نظرياً ، حرب السلاح ، لتبدأ ، عملياً ، حرب التنمية والكفاح  ، بعد تحرير الأرض ، حرب لا تقل فى أهميتها ، ولا فى خطورتها ، إنها حرب الأمل ، من أجل مستقبل أفضل. 


بعد يونيو الحزين صبرنا صبرا فاق كل صبر ، ومرت علينا أيام أحلى ما فيها مر ، وعملنا جاهدين حتى مطلع الفجر ، من أجل أن يبدل الله عسرنا بيسر ، جند مصر البواسل ،  عبروا القناة ، وهزموا الطغاة ، بدأوا بسم الله ، والله أكبر ، وعلى أرض سيناء أقاموا الصلاة. 


 أين نحن الآن منكِ يا سيناء ؟ أنتِ الأرض الطاهرة المباركة التى تعيش  فى قلب ووجدان كل المصريين ، انتِ أرض الحضارة الضاربة فى قلب التاريخ ، أنتِ الأرض التى باركها الله ودارت فوق رمالها الطاهرة حوارات السماء مع الأنبياء .


وتمضى الأيام ، وتتوالى السنوات ، وتبقى سيناء ، بلا تنمية حقيقية ، منذ المشروع القومى لتنمية سيناء ، والذى بلغت تكلفته الاستثمارية الكلية ٧٥ مليار جنيه ، وكان من المفترض أن ينتهى عام ٢٠١٧ ، أى العام القادم ، تٌرى ماذ تحقق منه ؟ ومن المسئول ؟ 


إن الأمر جد خطير ، فهذه الأرض ليست كغيرها ، هذه الأرض إن لم تٌشغل بنا ، ستٌشغل بغيرنا.هذه الأرض أمل مصر فى مستقبل أكثر إشراقا ، وفى تصحيح اختلال العلاقة بين المكان والسكان .


سنوات طويلة مضت على تحرير سيناء ،  رؤساء كثيرون ، وحكومات متعاقبة ، ولا تتوافر الإرادة الحقيقية للتنمية ، ربما لسوء تقدير ، وربما لسوء نية . 


لقد دفعت مصر ثمنا باهظا لتأخرها عن تنمية سيناء ، وما الإرهاب الأسود الذى تشهده سيناء الآن ، إلا بسبب التنمية المفقودة ؛ لأن الفراغ دوما يغرى بالعدوان.إننا ننمى سيناء فقط على صفحات الجرائد وشاشات الفضائيات.إننا نحتفى بسيناء فقط مرتين أو ثلاث مرات على أقصى تقدير ، مرة فى السادس من أكتوبر ، ومرة فى الخامس والعشرين من أبريل ، وربما الثالثة فى التاسع عشر من مارس ( تحرير طابا ) .وهكذا تبقى علاقتنا بسيناء علاقة موسمية ، استعراضية .


ولأننى واحد من أبناء سيناء الذين عاشوا الأمل ، وملأ قلبهم الحنين للأرض ، استشعر مرارة الجرم الذى ارتكبناه جميعا فى حقها ، استشعر معنى الخيانة لدم الشهيد الذى ضحى بنفسه ، فيما لم نضح نحن ولو بالقليل من الجهد .


وفيما يخص الإعلام ، سؤال يتبادر للأذهان : هل أدى الإعلاميون دورهم تجاه قضية الإرهاب فى سيناء؟ 


الإجابة : لا ، لم يؤدِ . 


لماذا ؟ 


لأننا لم نراعِ القيمة الحقيقية لسيناء .


لأننا لم نبذل جهداً لمعرفة طبيعة المواطن السيناوى.  


لأننا لم نؤدِ دورنا لإحداث تنمية حقيقية فى سيناء. 


لأننا استبعدنا أبناء سيناء ، وهم المعنيون أصلاً بالقضية ، عن المشاركة فى حلها . 


لأن الإعلام ، أضحى مهنة من لا مهنة له .


لأننا فقدنا القدرة على تحديد الأولويات . 


لأننا لم ندرك أنه ليس كل ما يٌعرف يقال . 


لأننا لم نفرق بين التطرّف والإرهاب . 


لأننا بالغنا فى تناول القضية ، مما أكسب الإرهاب مساحات أكبر . 


لأننا لم نحدد آلية ومنهج لمعالجة القضية ، واعتمدنا على العشوائية فى التناول .