بائعو وبائعات الشاى: «إحنا أقل من الغلابة يا حكـومة»

27/04/2016 - 9:31:09

  عدسة: إبراهيم بشير - ناجى فرح عدسة: إبراهيم بشير - ناجى فرح

تحقيق : أشرف التعلبى

تحت أشعة الشمس الحارقة تجلس ماجدة زكى، صاحبة الـ ٥٧ عاما. تأتى كل صباح من منطقة الخصوص حيث تعيش هناك مع ابنها ، إلى رصيف الكورنيش بمنطقة العجوزة ، لترش المياه على الرصيف وتشعل الباجور،حتى تبيع واحد شاى ، ورغم أنها مريضة بالكلى والضغط إلا أنها تعمل من الصباح الباكر حتى يحل الليل وأحيانا تبات فى الشارع ، كأن الظروف أبت أن تساعدها. عندما اقتربت منها قالت تحت أمرك يا بيه ، فطلبت منها واحد شاى ، فقالت تفضل أجلس، ثم رفضت أخذ فلوس بحجة أنها أول مرة ترانى فى المنطقة، كأننى ضيفها.


لم تتغير أوضاع ماجدة، وغيرها من بائعات وبائعى الشاى البسطاء، بعد قيام ثورتين بل على العكس ما زالوا يتألمون ويصرخون ويتنفسون وجعاً بكل حواسهم ، لا يجدون جدوى فى البوح بما يعانون.


«المصور» تجولت فى كل أنحاء القاهرة من ميدان عبدالمنعم رياض إلى ميدان السيدة زينب وأبوالريش إلى المهندسين والعجوزة إلى القللى برمسيس وأحمد حلمى إلى السيدة عائشة، بحثاً عن «نصبة شاى» فى كل ميدان ، لنرصد معاناتهم وكيف يتعايشون فى حياتهم اليومية ليوفروا بعض الجنيهات التى تكفى احتياجات أسرهم ، حتى إن السينما تناولتهم فى فيلم بائعة الشاى ومستر كاراتيه وساعة ونصف والليلة الكبيرة، ومسلسل هانم بنت باشا ، وخلف الله ، وإكرام الميت، وغيرها من الأعمال السينمائية والدرامية.


نعود لماجدة، وندردش معها، لتقول: «كنت عاملة نظافة فى البيوت، ثم بائعة خضار فى الشارع ، لكن مرضى وتدهور صحتى دفعنى للبحث عن مصدر رزق آخر أستطيع تحمله، فقمت منذ سنوات بنصبة شاى تساعدنى على ظروف الحياة وغلاء الأسعار، والحمدلله الآن بكسب ٣٠ أو ٤٠ جنيها فى اليوم والحال ماشى . مضيفة : معى فى النصبة شاى ونسكافية وقهوة ، الشاى بـ جنيه واحد، والقهوة والنسكافية بـ ٢ جنيه ، علشان الناس غلابة».


وبنظرة يأس وتفكير وخوف من البوح قالت: «أنا أحيانا أنام هنا عند النصبة للصبح، الرصيف بيتحمل الناس الغلابة، ويامه شاف كتير، أعمل إيه يعنى أموت نفسى ، محدش فاضى لحد، والدنيا أتغيرت يابنى زى ما أنت عارف ، ومحدش بيسأل عن حد، أنا على أقساط لمحل أجهزة كهربائية علشان بنتى تزوجت من كام شهر ، وصاحب المحل عاوز يحبسني، أنا مش عاوزة حاجة من حد، لازم الحكومة تسأل عن الغلابة . فسألتها هل تأخذين معاشا، قالت: «نعم ١٢٠ جنيها كل شهر، يعلموا إيه دول؟».


وعن أمنيتها رددت: «لا أحلم بشىء غير الستر وراحة البال، ونفسى فى شقة غرفة وحمام، أعيش فيهم ، كفاية بهدلة تعبت، كنت أجرت شقة وتم طردى منها بعد عدم قدرتى على دفع الإيجار لمدة أربعة أشهر، حتى إن صاحبة البيت أخذت العفش مكان الإيجار، والآن بنام يوم مع ابنى فى شقته الصغيرة مع عياله وزوجته، ويوم تانى مع بنتى وزوجها . وكمان نفسى فى كشك أرتاح فيه من بيع الشاى فى الشارع، ونأكل منه بالحلال، علشان الأسعارغالية والأكل غالى، كل حاجة نار». .


أما عن عم ناصر جمعة ، فى العقد الخامس من عمره، يذهب بصنية الشاى يمينا وشمالا للزبائن ،معظم زبائنه من المترددين على المستشفى أو الباعة المجاورين ، يقف أمام نصبة الشاى تحت أسوار أبوالريش، حيث يعول أسرة مكونة من زوجة وأربعة أبناء، أكبرهم كريم الذى يعمل معه منذ سنوات، رغم أنه يعانى من إعاقة حركية فى يده . فى البداية رفض الحديث والبوح بما يكمن داخله خوفا من البلدية قائلا : بلاش نتكلم علشان البلدية هتشيل النصبة وأكل عيشنا يروح ، محدش بيفكر فى حد، أنا من سنوات طويلة هنا فى هذا المكان، وقدّمت على محل لكن لم أحصل عليه، والمحافظة كل شويه توعدنا لكن مفيش حد بينفذ كلامه، نفسى فى كشك أو محل فى أى حته علشان نربى العيال .


ومن صعيد مصر وتحديدا من أسيوط جاء علاء محمد، بحثا عن لقمة العيش بالعاصمة، بعد أن ضاقت به الدنيا فى قريته التى لا يجد فيها مصدرا للزرق، حمل شنطته منذ سنوات متفائلا بأن القاهرة ستفتح له ذراعيها، يجلس فى ميدان السيدة زينب الشاب الثلاثينى من العمر أمام نصبة شاى .


علاء يقول: «أنا من سنتين شغال فى نصبة الشاى فى الميدان ، وربنا بيرزقنا، عايش مع زوجتى هنا بالقاهرة، وأسرتى بالبلد فى الصعيد، أنا حاصل على دبلوم صنايع ومفيش وظائف نشتغل، كل واحد ليه رزق . مردداً : فيه موظفين من البلدية بيأخذوا إتاوة علشان ميخدوش النصبة، ولو مدفعتش يأخذوا النصبة ويعملوا محضرا فى القسم ، وعلشان تستلم النصبة والعدة تدفع ٣٠٠ جنيه ، هى فيها كام ٣٠٠ جنيه علشان ندفع».


أما عن أيمن أحمد، خريج معهد فنى تجاري، والذى يبلغ من العمر ٤٦ عاما، يعول أربعه أبناء (إنجى ١٦ سنة ، وفارس ١٢ سنة ، وفادى ٨ سنوات ، وأحمد ٦ سنوات )، حيث يعيش بمنطقة بولاق الدكرور. صباح كل يوم قبل أن تشرق الشمس يخرج من بيته متوجها لمنطقة رمسيس تحت كوبرى الجلاء ليفتح قهوته كما اعتادوا أن يقولوا عن النصبة قهوة، رغم أن ما يملكه أيمن ١٨ كوب شاى و٦ كوبايات ميه ، وبوتاجازا عين واحدة ،حيث يفترش عدته خلف ظهر أحد أعمدة كوبرى الجلاء .


قال : أعول أربعه أبناء وزوجة ، وأدفع ٣٥٠ جنيها إيجار الشقة، أعمل فى نصبة الشاى من ١٨ سنة، فى نفس المكان من الساعة ٦ الصبح حتى الساعة ١٠ بالليل .


وبكل استياء أوضح : حزين لمقتل الشاب صاحب نصبة الشاى فى الرحاب، بعد أن قتله أمين الشرطة علشان كوباية شاى ، إحنا غلابة والناس بتظلمنا، لكن بصراحة لو أنا مكان شاب الرحاب كنت أعطيت أمين الشرطة شاى ببلاش، عاوز أربى العيال . مردداً : أنا أنقذت قسم الأزبكية عدة مرات من الإخوان، عندما وضعوا قنابل تحت الكوبري، فذهبت بسرعة وبلغت قسم الشرطة وبالفعل تم تفكيك القنابل .واستطرد قائلا ، رسالتى للرئيس السيسى : نفسى فى وظيفة أو محل فى أى مكان علشان مصاريف البيت والعيال والمدارس ، الدنيا غالية والأسعار كل يوم بتزيد ، حتى الفواتير زادت خالص ، مش عارف أدفع الميه ولا الكهربة .


وعن أم أحمد ، التى تجلس أمام نصبة شاى تحت الكوبرى فى موقف عبدالمنعم رياض ،لتكسب القليل من المال يكفى احتياجات أسرتها، حيث تعول أسرة مكونة من ثلاثة أبناء، تعمل فى نصبة الشاى منذ تسع سنوات، وتعيش بمنطقة دار السلام ، والثلاثة أبناء يلعبون أمام عينيها فى ساحة موقف عبدالمنعم رياض .


قالت : اضطررت للعمل وقمت بعمل نصبة الشاى لتصبح مصدر رزقى أنا والعيال ، أحسن من السرقة ولا الشغل فى البيوت، حاجة نتستر بها من ظروف الدنيا ، والأسعار الغالية، رغم أن ثمن كوباية الشاى لا يكفى لمدارس العيال ومصاريف البيت، نفسى فى وظيفة علشان العيال يتعلموا ويكبروا كويس.