كوب شاى أو ثمن «توصيلة».. أقصر طريق للموت على يد «أمين شرطة»:

27/04/2016 - 9:27:51

تحقيق يكتبه : وائل الجبالى


أمناء الشرطة.. البداية كانت فى العام ١٩٦٧ على يد وزير الداخلية ، آنذاك، شعرواى جمعة.. فهل تكون النهاية فى العام ٢٠١٦ بقرار من اللواء مجدى عبد الغفار وزير الداخلية الحالى؟.. ماسبق يمكن القول وصفه بالسؤال الصعب، الذى ترفض كافة الظروف والشواهد الحالية للواقع المصري تقديم إجابة حقيقة وممكنة التنفيذ على أرض الواقع للتخلص «وبشكل نهائى»، من الصداع المزمن الذي يضرب رأس الوزارة كل صباح، بسبب تكرار حوادث «قتل واغتصاب»


وغيرها، البطل فيها دائما «أمين شرطة». وزارة الداخلية من جانبها، التزمت طوال الأشهر القليلة الماضية بمصطلح «التجاوزات الفردية» غير أن تزايد حالات «التجاوزات الفردية» تلك، أبطل مفعول المصطلح وأصبح بالفعل، غير قابل للاستهلاك الوطنى، وهو أمر أدركته قيادات الوزارة التى بدأت بالفعل فى إتخاذ خطوات جادة لـ»إيقاف قطار التجاوزات»ووضع النقاط فوق الأحرف بما يسمح بعودة الأمور لنصابها الحقيقي فيما يتعلق بعلاقة «الداخلية بالشعب» أو التجاوزات التى يرتكبها أمناء الشرطة.


قبل أيام قليلة، ووفقا للمعلومات المتاحة، اختلف أمين شرطة مع صاحب «نصبة شاي» على ثمن المشروب الذى تناوله الأول، وانتهى الخلاف بإطلاق الأمين عدة أعيرة نارية أردت الطرف الثانى فى الواقعة قتيلا، وسط حالة ذهول انتابت كل من تابع المشاجرة من بدايتها.


ساعات قليلة تلك الواقعة، تم خلالها إلقاء القبض على المتهم، والتحقيق معه، تمهيدا لإحالته إلى النيابة العامة لاتخاذ الإجراءات اللازمة حياله، ومن جانبها خرجت وزارة الداخلية، لتعقب على الواقعة ببيان جاء فيه :» أثناء تواجد أمين الشرطة السيد زينهم عبدالرازق، بإدارة شرطة نجدة القاهرة، بإحدى مأموريات التأمين أمام البوابة رقم ٦ لمدينة الرحاب بالقاهرة الجديدة، حدثت مشادة بينه وبين أحد باعة المشروبات لخلاف حول سعر أحد المشروبات، ثم حدثت مشاجرة مع البائع وآخرين، وقام أمين الشرطة بإطلاق النار من السلاح عهدته، مما أدى إلى وفاة البائع وإصابة اثنين من المارة، وأمر اللواء مجدي عبد الغفار وزير الداخلية، بإحالة أمين الشرطة المتورط في قتل عامل إلى النيابة العامة ومعه السلاح المستخدم، وقامت الأجهزة الأمنية بإلقاء القبض عليه بعد قيامه بإطلاق النار على ٣ أشخاص مما أدى إلى مقتل أحدهم وإصابة الآخرين.


المحصلة هنا أن جرائم أمناء الشرطة، أصبحت متشابهة، مشاجرة عادية سرعان ما تتحول لجريمة، يستخدم فيها «السلاح الميرى» لوضع حد لها، والنتيجة زيادة الفجوة بين الوزارة المسئولة عن توفير الأمن والمواطنين الذين أبدوا غضبهم، أ كثر من مرة، نتيجة تلك التجاوزات.


والأمر الذى لاشك فيه أن واقعة «قتيل الرحاب» أعادت للأذهان واقعة «قتيل الدرب الأحمر» الذى لقى حتفه على يد أمين شرطة، وبالسلاح الميري أيضا، بعد اختلافهما على سعر «توصيلة الأمين»، وهو الحادث الذى يمكن القول أنه ساهم بقدر كبير فى ارتفاع معدلات الغضب الشعبى على «الداخلية» بشكل عام، وفئة «أمناء الشرطة» تحديدا.


متابعة تصريحات قيادات الوزراة، والعقلاء الذين خرجوا من الخدمة فيها، تؤكد – بما لايدع مجالا للشك، أن تزايد حالات تعدى أمناء الشرطة على مواطنين أبرياء أصبحت أزمة تؤرق الوزارة بشكل عام، وتزيد من همومها، ففى الوقت الذى تشارك فيه القوات المسلحة معركتها ضد الإرهاب على أراضى شبه جزيرة سيناء، تجد نفسها مطالبة بأن توضح وتبرر تجاوزات أفراد تابعين لها، كما أن تلك التجاوزات تساهم بقدر كبير فى إبعاد الأضواء عن المجهودات الجبارة والتضحيات التى يقدمها أفراد وضباط الوزارة فى معركة الإرهاب.


«كوكتيل تجاوزات».. القراءة المتأنية لملف «تجاوزات الأمناء» ستكشف لصاحبها أن القتل لم يكن الأمر الوحيد الذي يتقنه الأمناء، فهناك فئة منهم، تفرض «الإتاوات» على الأهالى وأصحاب بعض الأعمال تحت قاعدة «توفير الحماية» والبقاء خارج نطاق دائرة اهتمامات القانون، وهو أمر كشفته واقعة اتهام ٣ أمناء شرطة، تم حبسهم ٤ أيام على ذمة التحقيق، لاتهامهم بفرض إتاوة على السائقين وقائدي السيارات، وابتزازهم للحصول على رشاوى مالية، بحجة الامتناع عن تحرير مخالفات ضدهم.


وتفاصيل تلك الواقعة تشير إلى أنه وردت معلومات إلى الأجهزة الأمنية تفيد قيام ٣ أمناء شرطة بإدارة المرور بمنطقة الصف التابعة لمحافظة الجيزة، بالحصول على رشاوى من قائدي السيارات، وابتزازهم مقابل عدم تحرير مخالفات مرورية ضدهم، وبإخطار النيابة العامة تم القبض على المتهمين متلبسين.


وتعقيبا على تزايد وتيرة العنف والتجاوز من جانب أمناء الشرطة ضد المواطنين، واتهامهم فى جرائم أخرى مثل الفساد والإساءة للجهاز الشرطى الذى ينتمون إليه قال الخبير الأمنى، اللواء أسامة الطويل، مساعد وزير الداخلية السابق: بين صفوف أمناء الشرطة هناك أعداد كبيرة منهم يمكن وصفها بـ «العناصر الجيدة»، وهناك أيضا فئة يمكن أن نطلق عليها مصطلح «غير المنضبطة» أو «دون المستوى» ، ومن جانبى أرى أن أحد أهم أسباب تزايد ظاهرة تجاوزات أمناء الشرطة، قرار إعادة ١٢ ألف أمين شرطة إلى الخدمة، تم فصلهم من قبل على خلفية تورطهم فى قضايا جنائية وصدور أحكام قضائية ضدهم، لكنهم استغلوا الظرف الثورى الذى عاشته البلاد وطالبوا بعودتهم إلى الخدمة، وتمكنوا من تنفيذ مطلبهم.


وعن الحلول الواجب اتباعها لفرض السيطرة على الفئة «غير المنضبطة» التى تسىء إلى وزارة الداخلية قال، مساعد وزير الداخلية السابق، : كان واجبا من البداية أن يتم الدفع بالأمناء المعروف عنهم حٌسن السير والسلوك فى الأماكن المتعلقة بالتعامل مع المواطنين، بجانب إخضاع جميع الأمناء لدورات تأهيل نفسي ليتعلموا كيفية التعامل مع المواطنين، وصقلهم بمهارات التواصل مع المواطنين وضبط النفس ودرجة الثبات الانفعالى فى التعامل فى الشارع، وكذلك خضوعهم للتنقلات مثل الضباط وعدم استمرار عمل الأمين فى مكان واحد طوال سنوات الخدمة، والأهم مما سبق كله أنه لابد من وضع مواد فى القانون تجيز خروج الأمين من الخدمة حالة سوء أدائه أو عدم انضباطه أو فى حالة ارتكاب مخالفات أسوة بالضباط.


«الطويل» فى سياق حديثه، كشف أيضا أنه تصدر تعليمات بشكل دورى ودائم للأمناء تقضى بعدم حملهم السلاح «الميرى» إلا فى ساعات الخدمة، وتسليم «العهدة» خلال ساعات الراحة، إلا أنهم استغلوا حالة الانفلات التى عانت منها البلاد بعد الثورة، وطالبوا الوزارة بمنحهم حق حمل السلاح كـ «عهدة شخصية» طوال اليوم، ووقتها وافقت قيادات الوزارة على الأمر..!


أما الخبير الأمنى، اللواء مجدى البسيونى، مساعد وزير الداخلية الأسبق، فقد استنكر تكرار حوادث القتل من أمناء الشرطة، وأكمل بقوله: هذه النوعية من الجرائم مرفوضة شكلا وموضوعا، ولا يقرها عقل أو منطق رجل الأمن الذى أوكلت له مهمة حماية المواطن وليس الاعتداء عليه.


وتعقيباعلى الحوادث الأخيرة التى تورط فيها أمناء شرطة، قال مساعد وزير الداخلية الأسبق: جميعها جرائم غير مقبولة، كما أننا مازلنا نذكر اعتداء الأمناء على وزارة الداخلية نفسها ونحن نتذكر وقفاتهم الاحتجاجية وإغلاق بعض مديريات الأمن ومنع القيادات الأمنية من دخول مديرية أمن الشرقية وغلق بعض أقسام الشرطة ومنع المواطنين من قضاء مصالحهم، ورغم ذلك فإن عددا كبيرا من الأمناء غير راض عن تصرفات القلة غير المنضبطة.


«البسيونى» تابع قائلا: أريد الإشارة هنا إلى أن مجتمع الشرطة ليس مجتمعا ملائكيا أو مجتمعا بدون أخطاء فهناك تجاوزات قد تحدث، لكن السؤال الأهم.. هل وزارة الداخلية تتستر على أية تجاوزات أو أخطاء تحدث؟.. الإجابة لا، بدليل أنه عند حدوث أى خطأ أو تجاوز تحيل صاحبه إلى المحاكمة التأديبية أو الجنائية وتراعى مبدأ الشفافية تجاه أية تجاوزات.


وفيما يتعلق بـ «الإتاوات» التى يفرضها الأمناء على بعض المواطنين، أوضح مساعد وزير الداخلية الأسبق، أن سبب انتشار ظاهرة الإتاوات من قبل الأمناء سببها انعدام الرقابة، وخوف القيادات من مواجهة تجاوزات الأمناء أو الاقتراب منهم لاستغلالهم للوقفات الاحتجاجية لتنفيذ مطالبهم، ويضاف إلى ماسبق اعتماد بعض الضباط على الأمناء فى تنفيذ بعض المهام الأمنية، فمثلا ضابط المرور يترك الأمين يتعامل مع المواطنين، وهذا يسىء له فى أغلب الأحوال، والأمر ذاته يتكرر داخل أقسام الشرطة، حيث أصبح الأمين هو المتحكم رقم واحد فى قسم الشرطة.


أما اللواء محمد نور، مساعد وزير الداخلية السابق، فقد استنكر تكرار وتزايد حوادث القتل المتورط فيها أمناء شرطة، وتجاوزاتهم الأخرى، مؤكدا أن تلك التجاوزات تسىء إلى وزارة الداخلية والجهاز الأمنى بشكل عام، وتفقد قيمة التضحيات التى يقدمها أفراده الشرفاء للوطن، كما أنها تسىء إلى أرواح الشهداء ومصابى الوزارة .


وفيما يتعلق باستخدام أمناء الشرطة، وحيازتهم لسلاحهم، فى غير ساعات العمل، علق مساعد وزير الداخلية السابق، على هذا الأمر بقوله: ثورة ٢٥ يناير شهدت بداية تسليح أمناء الشرطة بشكل كامل، حيث ساعدت حالة الانفلات الأمنى ووقائع استهداف عناصر الوزارة من جانب بعض العناصر الخارجة عن القانون، فى رضوخ قيادات الوزارة لمطلب منح الأمناء السلاح كـ»عهدة شخصية»، وقبل الثورة كانت تحدد الخدمات وتحدد أنواع الأسلحة لكل خدمة لما يناسبها وكان الأمين يتسلم السلاح المحدد للخدمة ويتسلم عددا من الطلقات، وبانتهاء الخدمة كان يسلم السلاح والطلقات بالعدد وبعد واقعة الدرب الأحمر وقتل أمين شرطة لسائق «الدرب الأحمر» تمت العودة إلى القواعد القديمة وتم سحب الأسلحة من الأمناء، ومنحهم إياه فى ساعات الخدمة فقط.